* قالوا: «الفحوى»، و«الإيماء»، و«نفي الفارق»، والثلاثة معلومة.
ثُمَّ «المناسب»، و«الشَّبَهُ». وقيل: و«الدَّلالة»، والحقُّ: أَنَّه معنى تارةً، وشَبَةٌ أُخْرَى.
والترتيب المختار أنهما مرتبتان:
* المعلومة، وهي متساويةٌ، والتَّفاوتُ للطَّرقِ.
* والمظنونة؛ وهما: المعنى، ثُمَّ الشَّبَهُ، وكلاهما درجات في الجلاء والخفاء، وللجلاء سببان:
ففي المناسب (^٢): قُوَّةُ الإخالة، وكثرة النظائر.
وفي الشَّبَه: خصوصيَّةُ الوصف، وتظافر الأشباه.
_________________
(١) انظر: البرهان (٢/ ٥٧٣ - ٥٨٠)، التحقيق والبيان (٣/ ٢٨٨).
(٢) «أ»: (المناسبة).
[ ٢٣٧ ]
ثُمَّ أدْنى المُناسِبُ فوقَ أعلى الأشْبَاه؛ إذْ كُلُّ مُناسب شَبَهٌ، ولا يَنْعَكِسُ.
وقَدَّم بعضهم الحكميَّ على الخَلْقِي.
والحقُّ: أنَّ المُقدَّمَ ما يُلائمُ القاعدة حُكْمِيَّةً وخَلْقِيَّةً، والشَّبَه دون قياس الدَّلالة المعنوي؛ لالتحاقه بالمناسب، ودون المطرد المنعكس؛ لالتحاقه بالإيماء. هذا ضَبْطُ الغالب، وقد يُقدَّم الشَّبَهُ الجَلِيُّ على المعنى الخفي، والمتبع الاجتهاد ومقتضاه.
***
* مَسْأَلَةٌ (^١):
قال القاضي: لا ترتيب في الأقيسة المظنونة؛ لأنَّه ليس الله حُكْمٌ معين في الواقعة، بل أحكامٌ تابعة للظنون؛ فإذا لم يتعين الحكم (^٢) المظنون، فكيف تترتب الظُّنونُ؟!
وما ذكره يؤدي:
* إلى إسقاط الاجتهاد.
* وإلى أن لا يجب الطَّلَبُ؛ إذ لا مطلوب.
* وإلى نفي أصل الظُّنون - لانتفاء مُتَعَلِّقها -، فضلا عن ترتيبها.
* وإلى نفي التَّرْجِيح؛ لانتفاء الأصل، والترجيح إجماع.
_________________
(١) انظر: البرهان (٢/ ٥٨٠ - ٥٨١)، التحقيق والبيان (٣/ ٣١٢)، البحر المحيط (٤/ ٤٧٣)، إرشاد الفحول (٢/ ٢٧٣).
(٢) بعدها في «أ»: (في).
[ ٢٣٨ ]
فَصْلٌ
فِيمَا يُعَلَّلُ وَمَا (^١) لَا يُعَلَّلُ (^٢)
الأحكامُ فيها (^٣) المُعَلَّلُ والتَّعَبُدُ. فإذا ورد حكم امتحنه النَّاظِرُ:
* فإن ظفر بالمناسب، فقد تعيَّنَتِ العِلَّةُ، واستلزمتْ كونَه مُعَلَّلًا.
* وإن لم يظفر بالمناسب (^٤)، تلمح الأشباه؛ فإن بلغت إلى نفي الفارقِ، فهو المعلوم؛ وإلا فهو الشَّبَه المظنون.
وقد ينحسمان بإشارة النص إلى قطع الإلحاق، كالنَّص على بداية المدعينَ بالأيمان في قصة حويصة ومحيصة، وقرائن الإحن بين اليهود والمسلمين تشير إلى اشتراط اللوثِ، فلا تلتحق (^٥) بها الدعوى المجردة.
وشَبَّه بعضهم الإلحاق المعلوم والشَّبَهَ المظنون بدلالة القرائن الحالية؛ قطعية وظنية.
_________________
(١) «أ»: (وفيما).
(٢) انظر: البرهان (٢/ ٥٨١ - ٥٨٤)، المنخول (ص ٣٨٥)، نكت المحصول في علم الأصول (ص ٤٦٥)، التحقيق والبيان (٣/ ٣٧٨).
(٣) «أ»: (منها).
(٤) «أ»: (بمناسب).
(٥) «أ»: (تلحق).
[ ٢٣٩ ]
* مَسْأَلَةٌ (^١):
مَنَعَتِ الحنفيَّةُ القياس في الحدود والكفارات والرخص والتقديرات والمستثنيات (^٢).
قال الشافعي: ناقضوا:
* فاستحسنوا الحد في مسألة شهودِ الزَّوايا (^٣)، وهو أبعد من القياس.
* وقاسوا الأكل بالوقاع في الكفَّارة، وقَاتِلَ الصَّيدِ ناسيًا بالعامد.
* وقدَّروا النَّزْحَ مِنْ البئر بالدلو بلا توقيف.
* وقاسوا في الرُّخَصِ كُلَّ نجاسة على الاستنجاء.
* وأشنع من ذلك أن عكسوا (^٤)، فقاسوا العاصي على غيره في التَّرَخُّص (^٥) بالسَّببِ الذي هو بِهِ عاص.
* ثُمَّ زعموا أنَّ القهقهة في الصَّلاةِ حدث، واعتقدوه مُسْتَثْنَّى، فامتنعوا من قياس صلاة الجنازة على المكتوبة، وقاسوا النَّافِلة على المكتوبة.
* ومنعوا قياس الوضوء بنبيذ الزبيب على الوضوء بنبيذ التمر مع
_________________
(١) انظر: البرهان (٢/ ٥٨٤ - ٥٨٩)، المنخول (ص) (٣٨٥)، التحقيق والبيان (٣/ ٣٩٢)، نفائس الأصول (٨/ ٣٦٠٩)، الإبهاج (٦/ ٢٢٥٠)، تشنيف المسامع (٣/ ١٥٨).
(٢) يعني بالمستثنيات كل معدول به عن القياس. وفي «أ»: (المنسيات).
(٣) وهي أن يختلف الشهود في زاوية البيت التي وقع فيها الزنا. انظر: المبسوط (٩/ ٦١)، مجمع الأنهر (١/ ٥٩٩)، الحاوي الكبير (١٣/ ٢٣٩)، نهاية المطلب (١٩/ ٥١).
(٤) فأثبتوا الرخص على خلاف وضع الشارع فيها. ن. بتصرف.
(٥) «أ»: (الرخص).
[ ٢٤٠ ]
الإيماء؛ لأنه مستثنى، وقاسوا الغُسلَ على الوضوء ولا إيماء!
ونعود إلى الكلام في محاجتهم:
* قالوا: القياس مظنون، والحدُّ يُدْرَأُ بالشبهة، والاحتمال شبهة.
وَاعْتُرِضَ بِأَنَّه:
لا يطرد؛ لقياسهم في القصاص، وهو يُدرأ بالشبهة،
ولا ينعكس؛ لامتناعهم من (^١) القياس في الكفارة، وهي تثبت بالشبهة.
والجواب الحقُّ: أنَّ وجوب العمل بالقياس معلومٌ، فلا (^٢) شبهة.
* وقالوا: المقدرات تعبدات، فلا معنى.
قلنا: فالشَّبَه يجري في التعبدِ.
* وقالوا: الرُّخَصُ عطايا، فيقتصر على الإذن.
* قلنا: والعزائم عطايا.
فالحق: أنَّ العُمدة في هذه الأبواب وغيرها تصحيح الجامع معنويا وشَبَهيَّا، ثُمَّ القياسُ ما لم يقطعه النَّص، مثل: ﴿خَالِصَةً لَكَ﴾ (^٣)، ومثل: (وَلَنْ تَجْزِيَ أَحَدًا بَعْدَكَ) (^٤)، وكالإجماع على أنَّ المريض لا يَقْصُرُ، وهو أضر من المسافر.
_________________
(١) ليست في «أ».
(٢) «أ»: (ولا).
(٣) الأحزاب: ٥٠.
(٤) أخرجه البخاري (٩٥٥)، ومسلم (١٩٦١) من حديث البراء بن عازب.
[ ٢٤١ ]