يستحيل التكليف بالمستحيل، وأجازه الشَّيخُ، ونُقل عنه خلافٌ في وقوعه، وغَلِطَ النَّاقِلُ؛ فإنَّ كُلَّ تكليف عنده واقع بغير الممكن (^٣) لوجهين:
* أحدهما: ثبوت التكليف قبل الفعل حيثُ لا قدرة، ولا يُغني تلبس المكلف بالضّدّ مع كون الأمر بالشَّيء نهيًا عن الضّدّ؛ لبطلان هذه القاعدة.
* الثاني: أنَّ فعلَ العبد يقع بقدرةِ الرَّبِّ، ولا يُغني لفظ «الكسب».
ولا يَرِدُ على من منع التكليف بالمستحيل:
- تكليف أبي جهل بالتصديق في أنَّه لا يصدِّقُ؛ لأَنَّا نقول: إِنَّما كُلِّف التصديق مطلقا، وهو ممكن.
_________________
(١) انظر: البرهان (١/ ٨٨)، المستصفى (١/ ١٨٨)، التحقيق والبيان (١/ ٣٣٤).
(٢) انظر: البرهان (١/ ٨٩ - ٩٠)، المستصفى (١/ ٢٣٦)، التحقيق والبيان (١/ ٣٣٨).
(٣) «أ»: (ممكن).
[ ٧٢ ]
التكليف
- ولا التَّكليفُ بخلافِ المعلوم؛ لإمكانه ذاتا، والعلمُ تابعٌ لا مُغيّر.
مَسْأَلَةٌ (^١):
شرطُ التَّكليف: الفهم؛ ليصح قصدُ الامتثال.
وإلزام السُّكران إذا صحا: ربطٌ للحكم بالسبب.
* مَسْأَلَةٌ (^٢):
الإكراهُ لا يُنافي الأمرَ.
قالوا: يُنافي الإثابة.
قلنا: أجنبية.
واستُدلَّ باجتماع الإكراه والنَّهي، وفُرِّقَ بالإثابة.
مَسْأَلَةٌ (^٣):
قيل: الكافرُ مخاطبٌ بالفروع أمرًا ونهيًا.
وقيل: نهيًا.
وقيل: غيرُ مخاطب.
_________________
(١) انظر: البرهان (١/ ٩١)، المستصفى (١/ ٢٤٥)، التحقيق والبيان (١/ ٣٥٢).
(٢) انظر: البرهان (١/ ٩١)، المستصفى (١/ ٢٤٥)، التحقيق والبيان (١/ ٣٥٧).
(٣) انظر: البرهان (١/ ٩٢ - ٩٤)، المستصفى (١/ ٢٤٧)، التحقيق والبيان (١/ ٣٦١).
[ ٧٣ ]
المانع: لو خُوطب لخوطب بالصحيح (^١)، ولا صحة مع الكفر، فهو تكليف محال.
نقض: بأواخر العقائدِ، وبخطابِ المُحدث بالصَّلاةِ، وهو إجماع.
والحقُّ في الجميع: أنَّ الخطاب بالتوصل بالإيمان إلى الفروع، وبأوائل العقائد إلى أواخرها، وبالوضوء إلى الصَّلاةِ؛ توفيةً بالإجماع، وخلاصًا من تكليف المحال. ثُمَّ التَّارك معاقب على الشَّرطِ مباشرةً، وعلى المشروط لتركِ التَّوكَّلِ.
وقال أبو هاشم: ليس المحدث مخاطبًا بالصَّلاةِ.
فإن أثبت خطابه بالتوصل إليها، فصحيح؛ وإن نفاه ونفى العقاب عليها، خَرَقَ الإجماع.
فصْل (^٢)
قال القاضي: العقلُ: عُلُومٌ بالوجوبِ، والجواز، والاستحالة؛ إذ لا يتصف بالعقل عار عنها (^٣).
_________________
(١) هكذا في النسختين، لكن مقتضى كلام الجويني: (لخوطب بالتصحيح). فالكلام في فعل المخاطب، أي: أن يصحح عباداته مع كونه مُصرا على الكفر.
(٢) انظر: الإرشاد (١٥)، البرهان (١/ ٩٥ - ٩٦)، التحقيق والبيان (١/ ٣٧٤)
(٣) كتب في طرة «أ» بقلم آخر: «ابن العربي: اختلف الناس في حد العقل، واضطربوا فيه اضطرابا كثيرًا، والصحيح أنه العلم، وهو مذهب شيخنا أبي الحسن ﵁، ولا فرق بين عقلتُ الشيء وعلمته، انتهى». انظر: نكت المحصول لابن العربي (ص ١٧٠). وفي الطرة أيضا بخط الناسخ: «فإن قيل: إذا صرفتم العقل إلى ما حده به القاضي، فهل تزعمون=
[ ٧٤ ]
ونُقِضَ: بالعاقل الغافلِ، ثُمَّ لعلها شرط العقل، فلازمته نفيا.
وقال المحاسبي: غريزة (^١) يتأتى بها دَرَكُ العلوم، وليس منها. واخْتِيرَ، إلا لفظ «الغريزة»، فيعوض بـ: «الصفة».
* مَسْأَلَةٌ (^٢):
جَهِلَ (^٣) السُّوفَصْطَائِيَّةُ (^٤) العلم:
فقال بعضهم: نعلم ألَّا عِلم.
وبعضهم: لا علم (^٥).
وبعضهم: المانع منه سيلان البشر.
وبعضهم: سوى بين العلم، والاعتقادين - الفاسد، والصحيح -.
_________________
(١) = أن العقلاء يتفاضلون في عقولهم؟ قيل: الأصح أنهم لا يتفاضلون، فلا يتحقق شخص أعقل من شخص. فإن أطلق ذلك كان تجوّزا، وصرفًا إلى كثرة التجارب، فإنَّا بعد ما أوضحنا صرف العقل إلى بعض العلوم الضرورية فلا يتحقق التفاوت فيها. انتهى. ينظر: التلخيص للجويني (١/ ١١٤)، البحر المحيط للزركشي (١/ ٦٨).
(٢) «أ» (هو غريزة).
(٣) انظر: البرهان (١/¬١٦ - ٩٧)، التحقيق والبيان (١/ ٣٨٨)، بيان المختصر (١/ ٦٤٠).
(٤) هكذا في النسختين، ومقتضى كلام الجويني أنها جحد وإنكار، وليس جهلا. والله أعلم.
(٥) هكذا رسمها في الأصل - بالصاد .. وستأتي في موضع آخر (ص) بالسين: (السوفسطائية)، وهي كذلك في «أ» في الموضعين.
(٦) قالوا: لم يثبت عندنا علم بمعلوم، فلم يعلم انتفاء العلوم. ن.
[ ٧٥ ]
فمن العلماء من لاحظ عِنادَهم، فأعرض عنهم؛ ومنهم مَنْ قَرَّبَ لهم بالأمثال.