الأخبار ثلاثة:
* مقطوع بصدقه، وهو قسمان:
الأوَّلُ: ما يصادف علما لم يزل؛ كالأخبار باستحالة اجتماع الضَّدِّينِ، وبإحراق النَّارِ، وبحدث العالم.
الثاني: ما يحصل علمًا لم يكن؛ كالخبر المتواتر، وكأخبار الرسول،
_________________
(١) انظر (ص ٧٨).
(٢) انظر: البرهان (١/ ٣٧٨ - ٣٨٧)، المستصفى (١/ ٣٦١)، إيضاح المحصول (ص ٤٤٠)، التحقيق والبيان (٢/ ٦١٢)، البديع في أصول الفقه (٢/ ٢٠٥)، البحر المحيط (١/ ٢٢٢ وما بعدها)، شرح الكوكب المنير (٢/ ٣١٧).
[ ١٨٠ ]
وأخبار من صدقه الرسول (^١).
وأَلْحَقَ أبو إسحاق (^٢) المستفيض بالمتواتر (^٣)، وفسره بالمتفق عليه، وجعله نظريا، وفصل فيه (^٤) أبو بكر (^٥) بين المعمول به اتفاقا؛ فلا يلزم العلم - فإنَّ (^٦) خبر الواحد معمول به ـ، وبين المصحح اتفاقا؛ فيفيد العلم.
ورُدَّ: بأنَّ الصَّحيحَ (^٧) معناه: ظَنُّ الصَّحَّةِ، ولو قطعوا بها لجازفوا، والإجماع معصوم، وبه رُدَّ على أبي إسحاق.
* الثاني قسمان:
الأول: مقطوع بكذبه قطعا لم يزل (^٨).
الثاني: مقطوع بكذبه قطعا لم يكن (^٩)؛ كالإخبارِ آحادًا بما تقتضي (^١٠) العادة نقله تواترا:
_________________
(١) ليست في «أ».
(٢) يعني: الإسفراييني.
(٣) أي: في اقتضائه العلم.
(٤) أي: في الخبر المتفق عليه.
(٥) يعني: ابن فورك.
(٦) «أ»: (لأن)
(٧) كذا في النسختين الخطيتين، والأليق بالسياق: (التصحيح)، وهو الموافق لما في البرهان.
(٨) فمنه ما يخالف المعقول ضرورةً - كالقول باجتماع النقيضين ـ، أو نظرا - كالقول بأن العالم قديم -.
(٩) وهو ما يجري على وجه يكذبه حكم العادة؛ كما لو أخبر آحاد بوقوع حادثة عظيمة؛ فإن حكم العادة فيها أن تشيع وتنتشر؛ وإلا تبين كذب المخبرين.
(١٠) «أ»: (يقتضي)
[ ١٨١ ]
* كنقل الروافض النَّصَّ على علي أحادًا، ولم ينقل يوم السقيفة،
* وكنقل معارضة القرآن،
* وكنقل اليهود أن موسى خاتم الأنبياء، ولم ينقله المعاصرون للنَّبي ﷺ.
ثُمَّ الذي تقتضي العادةُ تَوَاتُرَهُ قد تقتضيه دائما - كالكليات (^١) الدينية -، وغير دائم - كالوقائع الدنيوية -.
ثُمَّ التواطؤ على الكذب من الجم الغفير جدير بالانكشاف على كتب.
* قالوا: قد يندرسُ الكُلِّيُّ الدِّيني، مثل كيفيَّةِ حَجَّةِ الوداع إفرادا أو قرانًا.
* قلنا: جُزْئِي، فهو أجنبي.
وكمعجزة الانشقاق.
* قلنا: ليليَّةٌ، لعل (^٢) عدد التواتر لم يشاهدوها؛ أو شاهدوها وظنوها تَشَعبًا في أشعة البصر؛ أو تواترت واندرست استغناء بالقرآن، فهي جُزْئِيَّةٌ أجنبية.
وأنكر الحليمي الانشقاق، وأول الماضي بالمستقبل.
* قالوا: فكيفية الأذان، تثنية وتربيعًا.
_________________
(١) تعبير الجويني: (الجليات)، وعدول ابن المنير عنه مقصود.
(٢) ليست في «أ».
[ ١٨٢ ]
قيل: لعلهما فعلا.
والسُّؤالُ باقٍ، والجواب: أنَّه جُزْئِيٌّ؛ أو تواتر ودَرَسَ بالفتن؛ لأنَّه شعار الإمامة (^١)، وفيها وقعت الفتنة. ثُمَّ القواعد تقضي (^٢) على الأمثلة، لا العكس.
* قالوا: فكيفية فتح مكَّةَ، عَنْوَةً وصُلْحا.
* قلنا: دخلها بآلة القتال ولم يُقاتل، فاضطرب النَّقل؛ ثُمَّ هو جزئي.
ومدَّعِي الرِّسالة بلا معجزة معلوم الكذب؛ للزومِ تكليف المحال (^٣)؛ بخلافِ مُدَّعِي النُّبُوَّةِ (^٤).
والمخبر بخارق العادة كاذب، وإن جوزنا الكرامة؛ لأنَّ العلم هو المُتَّبَعُ وجودًا وعدما (^٥).
الثَّالثُ: ما لا يُقطع بكذبه ولا صدقه؛ كأخبار الآحاد.
_________________
(١) يعني صلاة الجماعة، وما تبعها من أذان ونحوه، وهو هنا يريد أمر الإقامة.
(٢) «أ»: (تنص).
(٣) وهو الأمر بالعلم بصدقه من غير سبيل مؤد إلى العلم. ن.
(٤) لأنه لم يزعم أنَّ الخلق كلّفوا متابعته، وإنما ادعى أنه أوحي إليه، فلا يقطع بكذبه. ن. بتصرف.
(٥) يعني بالعلم هنا: العلوم الضرورية، والعوائد المطردة. قال المازري (ص ٤٣٥) في توضيح ذلك: «وذلك أنه - أي الجويني - يقول: يجب أن يتشكك الإنسان أيضا في خبر من أخبره عن تقلع جبل أو ما في معناه من خوارق العادات؛ لتجويز أن يكون ذلك الخرق لولي. وأجاب عن ذلك بأنه يقطع على بطلان مثل هذه الأخبار، ما دامت العوائد المطردة على ما هي عليه، والعلوم الضرورية لازمة للقلوب بكون هذه المخلوقات على ما هي عليه …». وبنحوه في شرح الأبياري (٢/ ٦٤١ - ٦٤٢).
[ ١٨٣ ]
• مَسْأَلَةٌ (^١):
خَبَرُ الواحد حُجَّةٌ.
وقيل برده - عقلا.
وقيل: - شرعًا - لعدم الدليل.
وقيل: للدليل على ردّه.
لنا دليلان:
* القطع بإرسال النَّبيِّ ﷺ الآحاد (^٢) - مخبِرِينَ مُلزِمِينَ (^٣) ـ، والكُتُبَ (^٤) أيضا.
* والإجماع الاستقرائي.
* قالوا: خلافُ الأصلح.
أجبنا: ببطلان القاعدة.
ونَتَنَزَّلُ؛ فلعل القبول أصلحُ؛ لعسر اليقين، فتتعطل المصالح.
* قالوا: ظَنُّ، والظَّنُّ مردود بقوله (^٥): ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ (^٦).
_________________
(١) انظر: البرهان (١/ ٣٨٨ - ٣٩٢)، التبصرة (ص ٣٠٣)، المستصفى (١/ ٣٧٦)، التحقيق والبيان (٢/ ٦٤٢)، البديع في أصول الفقه (٢/ ٢١١، ٢٣٣)، رفع النقاب (٥/ ٦٣).
(٢) ليست في «أ».
(٣) لم يصرح الجويني في هذا الموضع بكونه ملزمين، لكن صرح به في موضع آخر. انظر البرهان (١/ ٤١٦).
(٤) معطوف على «الآحاد».
(٥) بعدها في «أ» زيادة: (تعالى).
(٦) الإسراء: ٣٦.
[ ١٨٤ ]
* قلنا: المراد ظنٌّ مُجازِفٌ، بدليل قبولِ الشَّهادة والفتيا؛ لانضباطها كالخبر.
ثُمَّ الظُّهور لا يفيد (^١).
ثُمَّ العمل (^٢) بالقاطع على الخبر، لا به (^٣).
* مَسْأَلَةٌ (^٤):
قيل: خبر العدل قطعي.
ورد: بجواز الكذب والخطأ، وقد وقعا، وكم مِنْ عَدلٍ زَلَّ ورجع.
* مَسْأَلَةٌ (^٥):
اعتضاد الواحد بآخر ليس شرطًا، بالدليلين (^٦).
وما نُقل عن عليّ من اشتراط العدد (^٧) وَضْعُ؛ وإِنَّما استظهر باليمين - أحيانا ..
_________________
(١) يعني تمسكهم بظاهر الآية المذكورة، وهو العموم القابل للتأويل.
(٢) (أ): (العلم).
(٣) الحقُّ أن المتَّبع هو الدليل القاطع على وجوب العمل بخبر الواحد، لا الخبر. ن. بتصرف.
(٤) انظر: البرهان (١/ ٣٩٢)، المستصفى (١/ ٣٧١)، التحقيق والبيان (٢/ ٦٥٥)، البديع في أصول الفقه (٢/ ٢٢٢)، شرح الكوكب المنير (٢/ ٣٤٨).
(٥) انظر: البرهان (١/ ٣٩٢)، التحقيق والبيان (٢/ ٦٥٨).
(٦) يعني بهما الدليلين اللذين دَلَّا على العمل بخبر الواحد.
(٧) لعله يشير إلى ما أخرجه عبد الرزاق (١٠٨٩٤) أَنَّ عليًّا كان يجعل للمتوفى عنها زوجها الميراث وعليها العدة، ولا يجعل لها صداقا. قال الحكم بن عتيبة - وهو الراوي عن علي: - وأخبر - أي علي - بقول ابن مسعود، فقال: «لا تُصَدَّقُ الأعراب على رسول الله ﷺ».
[ ١٨٥ ]
وطَلَبُ عُمَرَ مِنْ أبي موسى ﵄ في حديث الاستئذان (^١) آخَرَ (^٢)، وطَلَبُ أبي بكرٍ من المغيرة ﵄ آخَرَ في توريث الجدَّةِ (^٣)؛ لعارض خاص.
ثُمَّ يلزمُ المشترِطَ لآخَرَ اشتراطُ التَّواتر إذا تطاولت الأعصار لتضاعف الأعداد.
شرط الراوي (^٤): ظهور العدالة.
فالصبا (^٥) مانع؛
* بالإجماع على إضرابهم عن الصبيان مع الاحتياج إليهم فيما شاهدوه من النَّبيِّ ﷺ وراء الحجاب؛
* وبعدمِ الدَّليلين (^٦).
* ثم غير المميّز كالمجنون، والمميز يعلم أنَّه غير مكلف، فيبعثه الطَّبع.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٦٢٤٥)، ومسلم (٢١٥٣) من حديث أبي سعيد الخدري.
(٢) (أ): (لآخر).
(٣) أخرجه أحمد (١٧٩٨٠)، وابن أبي شيبة (٣١٢٧٢)، وسعيد بن منصور في سننه (١/ ٧٣) وغيرهم. وهناك قصة أخرى شبيهة بما ذكره المصنف في القضاء في السقط، لكن فيها ذكر عمر مع محمد بن مسلمة، أخرجها البخاري (٦٩٠٧)، ومسلم (١٦٨٩).
(٤) انظر: البرهان (١/ ٣٩٥)، المستصفى (١/ ٣٩٨)، التحقيق والبيان (٢/ ٦٦٨)، البديع في أصول الفقه (٢/ ٢٤٢)، الردود والنقود (١/ ٦٦١)، شرح الكوكب المنير (٢/ ٣٧٩).
(٥) (أ): (فالصبي).
(٦) يعني بهما: الدليلين اللذين احتج بهما في إثبات العمل بأخبار الآحاد، وهما: إرسال الرسول ﷺ كتبه ورسله وبعث ولاته، وإجماع الصحابة. فأما الأول: فلم يبعث ﷺ رسولا صبيا، ولم يحمله أداء بيان حكم الشريعة. وأما الإجماع؛ فإنَّ الصحابة ما راجعوا الصبيان الذين كانوا يخالطون رسول الله ﷺ مع مسيس الحاجة إلى ذلك. ن. بتصرف.
[ ١٨٦ ]
على الكذب - كالفاسق وأجدر ـ؛ إذ لا تكليف يَزَعُهُ.
* واستُدِلَّ بِرَدِّ أقاريره، وهو قياس، والمسألة قطعيَّةٌ، وقيل: ظَنَيَّةٌ.
• مَسْأَلَةٌ (^١):
والجهالة بالعدالة مانعة؛
* بالإجماع على رد المجهول كالفاسق؛
* على أنَّ عدم الدليلين كافٍ.
غير أنهم كانوا يتوقفون في المجهول على الكشف، فلو روى تحريما لامتنعنا، لا عملا بها، ولكن احتياطًا حتّى يُكشف؛ فإن تعذَّرَ: فاجتهاديَّةٌ، والظاهر: الكراهة.
* قالوا: حكم النَّبيُّ ﷺ بشهادةِ أعرابي في الهلالِ (^٢).
* قلنا: لعله ثابت العدالة.
* قالوا: الأصل العدالة؛ بدليل وجوب تحسينِ الظَّنِّ.
* قلنا: تحسينُ الظَّنِّ غير التعديل؛ فإنَّ مستنده حُسْنُ الظَّنِّ، لا تحسينه.
_________________
(١) انظر: البرهان (١/ ٣٩٦)، التحقيق والبيان (٢/ ٦٧٥)، نفائس الأصول (٧/ ٢٩٥٥)، البديع في أصول الفقه (٢/ ٢٤٨)، شرح مختصر الروضة (٢/ ١٥٠)، الردود والنقود (١/ ٦٧٥)، شرح الكوكب المنير (٢/ ٤١١).
(٢) أخرجه أبو داود (٢٣٤٠)، والترمذي (٦٩١)، وابن ماجه (١٦٥٢) وغيرهم
[ ١٨٧ ]