قيل: تبطل دلالة الإيماء بالنقض؛ إذ لو كانت عِلَّةً، لا طردت بعرف الشَّرع كالاستنباط.
وقيل: لا؛ اعتبارا بظاهر اللفظ.
والمختار: إن كان الإيماء نَصَّا: تصحيح التعليل، وحمل النقض على الاستثناء؛ وإن كان ظاهرًا: إبطال التعليل.
وجعل الأستاذ النَّصَّ على التعليل أيضا على التعميم، فمَنَعَ ورود النقض (^٣)؛ لأنَّ العِلَّةَ عنده مجموع ما يجب الحكم عنده، فدخل فيها: «وجود الشَّرط، ونفي (^٤) المانع، وقَيْدُ نفي المحل الذي يُتخيَّلُ نَقْضا».
***
_________________
(١) «أ»: (والمشتري).
(٢) انظر: البرهان (٢/ ٦٤٧ - ٦٥٠)، التحقيق والبيان (٣/ ٧٠٥).
(٣) أي: جعل النقض مبطلا للعلة مطلقا.
(٤) كذا ضبطها في الأصل. ويحتمل أنها فعل ماض، على أنها جملة اعتراضية، فتكون العبارة كالتالي: (فدخل فيها: «وجود الشَّرطِ - ونَفَى المانع - وقيد نفي المحل» …). ووجه هذا الاحتمال أنهم نصوا على أنَّ الأستاذ لم يعترف بالمانع. انظر: شرح الأبياري (٣/ ١١٠، ١١١، ٦٧٠، ٦٩٨، ٧٠٩، ٧١٠).
[ ٢٦٥ ]
فَضْلٌ (^١)
إذا عمَّم المستدِلُّ النَّصْبَ بلفظه (^٢)، فورد نقض، فقال: «عنيتُ الخصوص»:
فإن كان النَّقْضُ مُبْطِلًا؛ فالعناية مردودة، وإلا فمقبولة، ولا ينقطع، والأحسنُ: التَّحَرُّزُ.
وقيل: ينقطع للخُلْف اللفظي.
وكذلك استعماله المُجْمَلَ (^٣):
قيل: انقطاع.
وقيل: لا، فيُفَسِّرُ.
أمَّا استفسارُ المعترض له عن الظاهر فمردود؛ فإن أسعفه فبيان (^٤) تقصير، لا تفسير.
***
٥ - ومنها عدم التأثير (^٥)؛ إما في الوصف أو في الأصل:
الأَوَّلُ: وجود الحكم بدون العِلةِ، ووروده ينبني على امتناع اجتماع العلل، وقد جوزناه عَقْلًا، وقلنا: (لا يقع) (^٦) (^٧).
_________________
(١) انظر: البرهان (٢/ ٦٥٠ - ٦٦٧)، التحقيق والبيان (٣/ ٧١٢).
(٢) «أ»: (بلفظ).
(٣) «أ»: (المحل).
(٤) «أ»: (فبان).
(٥) القول في تخلف العلة مع جريان الحكم، وهو الخامس من الاعتراضات الصحيحة.
(٦) «أ»: (يقع).
(٧) انظر: (ص ٢٦٦ وما بعدها).
[ ٢٦٦ ]
وقد يُظَنُّ وقوعه في مسائلِ الفرضِ (^١)؛ لتَخَيَّلِ اشتمال المفروضة على عِلَّةٍ خاصة لأجلها فُرضت، وعِلَّةٍ عامَّةٍ لصُوَرِ (^٢) الدعوى، بها يُطابق الجواب.
والتحقيق: اتحاد العِلَّة في الفَرضِ؛ ونُوضّحه فنقول:
الفرضُ مُستهجن ومستحسن:
المُستهجن: إذا سئل الشَّافعي عن ضمان الضيف المغرور: فبرأه، وفرض في المُكرَه، فالفَرضُ مُستهجن؛ إذ براءة المكره لأنه آلة، وبراءة الضيف لأنه مغرور. ففي كُلِّ مسألة عِلَّةٌ مُباينةٌ، فتقاطعتا.
فلو جنح الشَّافعي إلى جَعْلِه بناءً، لا فرضا، فقياس المغرور - وهو مختار - على المكره باطل بالفرق، وبأنه قياس على فرع العِلَّة، والأصل لا منصوص ولا إجماعي.
والمستحسن (^٣): كما لو سُئل عن عتق الراهن فأبطله، وفَرَضَ في المعسر.
وفائدته الخلاص من أن يُقال في الموسر: «سرى عتقه إلى ملك الشَّريكِ، فكيف يقف عن مُلكِه!»، أو يُقيم القيمة مقام العبد، فيحفظ (^٤) حَقَّ
_________________
(١) «أ»: (الغرض). ومعنى الفرض من حيث الجملة هو: أن يشمل السائل سؤاله صورًا، فيفرض المجيب صورة منها ويدل عليها، ويستفيد من الاستدلال صحة الجواب عن جميع ما اندرج تحت السؤال. هذا مسوغ في الجدل. الأبياري.
(٢) «أ»: (لصورة).
(٣) «أ»: (فالمستحسن).
(٤) يحتمل أنها في الأصل: (فينحفظ).
[ ٢٦٧ ]
المرتهن؛ على أنَّ المصحح لعتقه لم يُنفذه لإمكان القيمة؛ بل لأنه تصرُّف مِنْ الأهل في المحل.
فيقول الفارض في المعسر: «أَبطل (^١) توثق المرتهن أصالة»، يشير إلى تَعَذُّرِ (^٢) العين والقيمة، ومن هنا يُتخَيَّلُ اجتماع عِلَّتين؛ عامَّةٍ - وهي قطع الحقِّ مِنْ العين (^٣) -؛ وخاصَّةٍ - وهي قطع الحقِّ من المالية.
فنقول: المالية لغو؛ إذ الاعتماد عليها يُصيّر حق المرتهن في المطالبة بالقيمة، فهو كالمطالبة بالدِّينِ، ويُفوّت مقصود الرهن، ولهذا بطل رَهنُ الدين.
أما إيجاب القيمة لو أتلفه الراهن: فضروري، لا أصلي؛ كتوزيع العوض على الصفقة (^٤) المختلفة؛ لضرورة إتلاف أو شُفعة، لا بمقتضى (^٥) العقد.
فالعلة إذا: قطع الحقِّ العَينِي؛ فإن نفّذ أحدٌ عِتق الموسر، لا المعسرِ: فالعِلَّةُ أوضح اتّحادًا (^٦) إذا، وهي قطع الحق المالي.
ومن المستحسن: الفرض في صورة إتلاف المنافع؛ لإثبات الضمان فيها وفي التَّلْفِ. فيُتَخَيَّلُ فيها عِلَّتَانِ: التَّلفُ العَامُّ، والإتلاف الخاص.
_________________
(١) أي: أبطل المعسر.
(٢) ويحتمل أنها: (تعدد).
(٣) «أ»: (الغير).
(٤) «أ»: (الصفة).
(٥) «أ»: (لمقتضى).
(٦) «أ»: (إيجادا).
[ ٢٦٨ ]
فنقول: التلفُ اعتُبِرَ؛ تشبيها بالإتلاف، فإذا وجد الأصل لغا الفرع، فالعِلَّةٌ واحدةٌ، كمَنْعِنا الجمع بين نفي الجواز ونفي الكمال في: «لَا صِيَامَ» (^١).
فإذا استقر أنَّ اجتماع العلل غير واقع، فالعكس لازم، ما لم يثبت الحكم بتوقيف، لكن بيان التوقيف ساقط عن المستدل (^٢)، بخلاف بيان التوقيف في النقض، وسببه أنَّ إشعار النفي بالنفي دون إشعار الثبوتِ بالثبوتِ، ومن ثَمَّ لو فرضنا عِللًا: لكان إشعارُ نَفْيِ كُلِّ واحدة بنَفْي الحكم، كإشعارِ جُزْءِ العِلَّةِ بالحكم، لا كإشعار المستقلة، وزوالها كزوال ترجيح.
والذي أبطل العِلَّةَ إذا امتنع الطَّردُ بتوقيف، لا يبطلها إذ امتنع العكس بتوقيفٍ، فليتلمَّحِ الطَّالب تفاوت المراتب.
أما عدم التأثير في الأصل: فهو تقييد عِلَّةِ الأصل بوصف لغو في الأصل؛ كقول الشَّافعيَّةِ في الأمة الكتابيَّةِ: «أَمَةٌ كافرةٌ، فلا يَنكِحُها المسلم؛ كالأمة المجوسية».
فقيل ببطلانه؛ لأنَّ التَّمَجُّسَ في الأصل مستقل، والرِّقَّ لغو.
وقيل بتصحيحه مؤيّدًا للتَّمَجُّسِ، وله تأثير جُملي في المنع؛ كالاستظهار على البيئة المستقلة.
وضُعَفَ: بأنَّ المستظهر به مُتَهَيِّئٌ (^٣) لوقوعه ركنا عند خلل أحد الشاهدين،
_________________
(١) تقدم تخريجه. انظر: (ص ١٢٠).
(٢) في الجدل.
(٣) «أ»: (منهي).
[ ٢٦٩ ]
بخلاف الرق:
* فإن قيد بما لا يؤثر ولا يُفيد: فالعِلَّةُ صحيحة، والتقييد هذرٌ (^١)، وخلاف الأحسن؛ كتَرْكِ هيئة في العبادة.
* فإن قيد به لدرء النقض: فقد تقدم.
وقد لاح أنَّ قِسْمَي عدمِ التَّأثير ينشآنِ (^٢) من الأصل، فالتقسيم تعسُّف.
***
٦ - ومنها: فساد الوضع، وهو نوعان:
الأول: مصادمة القياس لتوقيف مقدَّم عليه (^٣).
الثاني: إشعار المعنى بنقيض الدعوى؛ وهو أفسدُ مِنْ الطَّردِ.
***
* مَسْأَلَةٌ (^٤):
اعتبار القصاص بالدِّيةِ ثبوتًا، والعكس سقوطًا، والحد بالمهر ثبوتا، والعكس سقوطًا؛ فساد وضع عند بعضهم؛ لأنَّ القصاص يسقط بالشبهة، والدية تثبت بها، وكذلك الحد والمهر (^٥)، فتناقضا.
_________________
(١) ويحتمل أن تقرأ رسما ومعنى: (هدر). والمثبت هو الموافق لما في البرهان.
(٢) «أ»: (مبنيان).
(٣) الكتاب ومتواتر السُّنَّة اتفاقا، وخبر الواحد الصحيح عند الجويني.
(٤) انظر: البرهان (٢/ ٦٦٨ - ٦٦٩)، التحقيق والبيان (١/¬٤).
(٥) «أ»: (المهر والحد).
[ ٢٧٠ ]
والحق: أنَّ القصاص قد يثبتُ بالشُّبهة في حال، والمهر قد يسقط بها في حال، فالقياس حال المناقضة فساد وضع، وحال الموافقة مستقيم، وكذلك (^١) فصلنا في قياس الرُّخَص بالعزائم.
والإطلاق (^٢) حيث التفصيل خُلْفٌ.
***
٧ - ومنها: القلب (^٣)، (وهو معارضة مع اتحاد الأصل والعِلَّةِ).
ومنه: الصريح والمبهم.
* الصريح: «عضو من أعضاء الوضوء، فلا يتقدَّر بالربع؛ كغيره»، فيقلبه الحنفي: «عُضو من أعضاء الوضوء، فلا يُكتفى فيه بالأقل؛ كغيره»:
فقيل: برده؛ لأنَّه أجنبي، لا مُناقِضُ.
وقيل: بورودِه، لأنَّه يُناقض المقصود، وهو آكد من المعارضة؛ لاتحاد أصله، وتعداد أصلها، وهو في المثال المذكور معارضة الفاسد بالفاسد لفسادِ القياسين؛ إذ جامعهما طردي.
فإن قيل: هلا كان شَبَها؟
* قلنا: الأعضاء مختلفة استيعابًا وتبعيضا وغسلا ومسحا.
* قالوا: الثلاثة متشابهة في عدم التقدير بالربع، وهو المقصود.
_________________
(١) «أ»: (ولذلك).
(٢) «أ»: (والإلحاق).
(٣) انظر: البرهان (٢/ ٦٦٩ - ٦٨٠)، التحقيق والبيان (٤/¬٤).
[ ٢٧١ ]
* قلنا: شَبَةٌ مُعارَضُ بما افترقت فيه، فلعل الاشتباه (^١) وفاق (^٢).
وعُمدةُ الشَّافعي: إطلاق المَسْحِ في الكتاب، ودلالة السُّنَّةِ على الاقتصار، والتحديدُ بِلا توقيف تحكم؛ فتعين الأقل.
فإن قيل: فلو فرض الجامع مناسبًا، وقُلِبَ؟
* قلنا: مناسبة النقيضين (^٣) محال. نعم، يُمْكِنُ وقوعه شَبَهَا - يُريدُ (^٤) بأحد تفسيريه -.
والمختار: إن تناقض المقصودان لإجماع - لا قائل: فلا يرد؛ لجواز الجمع بين الحكمين، كمذهب مالك في المثال.
وإن تناقضا إجماعًا: فوارد؛ كقول الحنفي: «لبت في مكان مخصوص، فلا يقع قربةً بنفسه، كالوقوف بعرفة»، والمقصود اشتراط الصوم في الاعتكاف، ولو صرّح به، لم يجد أصلا.
فيقول الشافعي: «فلا يُشترط فيه صوم، كالوقوف».
وفي المثال بحث، وهو: أن اشتراط الصوم - وهو عبادة مستقلة - في عبادة عديمُ النَّظير (في الفروع) (^٥)، ولا كذلك الوقوف مع الحج؛ فإنَّه جُزْؤُهُ، فضَعُفَ القياس لإبهامه ولغرابته، وسَلِمَ القلب منهما.
_________________
(١) «أ»: (الاستناد).
(٢) أي: غير مقصود إليه بالإثبات. الأبياري.
(٣) «أ»: (التقصير).
(٤) لعله يريد الجويني.
(٥) ليست في «أ».
[ ٢٧٢ ]
فلو استعمله الشافعي قياسًا، وقلبه الحنفي: ترجَّح الشافعي بالأمرين.
والقلب كالمعارضة، يُجاب بالترجيح، لا كالنقض المتجه؛ فإنه يقطع.
***
* المبهم قسمان: تسوية وغيرها:
فغير (^١) التسوية، كقول الحنفي: «صلاةٌ شُرِع فيها الجماعة، فلا يُثَنَّى ركوعُها كصلاة العيد»؛ فيقولُ الشَّافعيُّ: «فَجَازَ اختصاصها بشعار (^٢)، كصلاة العيد».
والمختار: وروده، فليُجَبْ (^٣). وردُّه القاضي بوجوه:
* منها: أنه قَلْبٌ مُنْقَلِبُ، إِذْ يقولُ: «فلا تختص بزيادة هي ركوع».
واستُضْعِفَ؛ إذْ كُلُّ قَلْبٍ ومعارضة كذلك.
* ومنها: الترجيح بالتصريح؛ وهو اعتراف بأنه (^٤) صحيح.
* ومنها: قصور المبهم ووفاء المصرّح.
_________________
(١) سقطت من: «أ».
(٢) علق في طرة الأصل: (بزيادة)، ورمز لها بـ: (خ)، والظاهر أنه يريد بذلك نسخة أخرى. وأيا كان؛ فكلاهما صحيح، والمثبت أدق. وأما: (بزيادة)، فموافقة للفظ البرهان (٢/ ٦٧٧)، حيث قال: «فجاز أن تختص بزيادة …»، وموافقة أيضا لما سيأتي - بعد سطرين - في قلب هذا القلب في كلام القاضي؛ إذ قال: «فلا تختص بزيادة».
(٣) «أ»: (فالبحث).
(٤) أي: القلب.
[ ٢٧٣ ]
واستضعف بأنَّ المبهم وَفَّى (^١) بالمقصود.
التّسوية: كقول الحنفي في طلاقِ المُكرَهِ: «مكلَّف قاصد للطلاق، فيلزم؛ كالمختار». فيقول (^٢) الشَّافعي: «فيستوي إقراره وإنشاؤه؛ كالمختار». فمَن رَدَّ المُبْهَمَ (^٣)، رَدَّهَا؛ ومَن قَبِلَهُ: اختلفوا؛ والمختار القبولُ.
الرَّادُّ: لو صرّح القالب بمقصوده، لناقض الأصل؛ إذْ مقصوده تسوية في السقوط، والأصل تسويةٌ في اللُّزوم.
أُجيب بأنَّ المقصود مطلق التسوية؛ فإذا ثبتت: تقيَّدت بالسقوط بإجماع لا قائل.
***
٨ - المعارضة أنواع (^٤):
* منها: مصادمةُ العِلَّةِ بعِلَّةٍ تقتضي نقيض حُكمِها.
رُدَّت وقبلت.
الراد: المعترض بها بان.
أُجِيبَ: هو بان صورةً، هَادِمٌ قصدًا، ولهذا إنْ رجَّح، تعدَّى.
القابلُ: المُسْتَدِلُّ الْتَزَمَ سلامةَ العِلَّةِ، ودفع المعارضة شرطها. ثُمَّ هي
_________________
(١) ويحتمل أن تقرأ: (وفي).
(٢) «أ»: (ويقول).
(٣) أي: الذي لا تسوية فيه.
(٤) انظر: البرهان (٢/ ٦٨٠ - ٦٨٦)، التحقيق والبيان (٤/¬٣١).
[ ٢٧٤ ]
أقوى الاعتراضات؛ لاستقلالها دليلًا. وأيضًا يسوغ للمعترض عَضُد تأويل ظاهر المستدل بدليل - وهو صورة البناء -، ويُقبَلُ؛ وإِلَّا لَزِمَ انحسام تأويل الظاهر، أو قبول التأويل بلا دليل، أو ألَّا يُعارِضَه إلَّا بظاهر - وقد يَفْقِدُه ـ؛ ثُمَّ هو معارضة.
وعلى (^١) قبولها: فجوابها بالإفساد، أو الترجيح؛ وإِلَّا انْقَطَعَ.
قال الرَّادُّ: منعتُم السَّائل الترجيح، فيلزم فساد معارضته بَدْءًا (^٢)!
* قلنا: تكفيه (^٣) معارضة الفاسد بالفاسد.
وللمعترض معارضة ترجيح المُستدل بترجيح مساو؛ فإن ثنَّى: فقد تعدى، بخلاف ما لو رجّح بأقوى؛ إذْ فصل (^٤) المزيَّة متعذر.
* ومنها: معارضةُ عِلَّةِ الأَصْلِ، بِعِلَّةٍ موافِقَةِ.
فإن قلنا بتعليل الحكم بعلتين: لم تَرِد؛ وإِلَّا وَرَدَتْ بشرط أن يُثْبِتَ المعترض عليَّتها بمسلك معتبر، فيعود المُستدِّلُ مُدَّعِيًا، فعليه الإبطال لتتعيَّنَ عِلتُه (^٥) بالدليل.
(وإن اقتصر على [ذكر] (^٦) المعنى:
_________________
(١) «أ»: (على).
(٢) ليست في «أ». ومحلها بياض.
(٣) «أ»: (يكفيه).
(٤) «أ»: (قصد).
(٥) ويحتمل أنها في الأصل: (عليه).
(٦) مخروم في الأصل. قدرتها ليلتئم السياق. ينظر: التحقيق والبرهان (٤/¬٤١).
[ ٢٧٥ ]
فقيل: دعوى، لا اعتراض.
وقيل: اعتراض. وحاصله: أنَّ المستدِلَّ أخل بالشبر، وهو عند هؤلاء شرط اعتبارِ العِلَّة) (^١).
* * *
٩ - فَصْلٌ فِي الفَرْقِ (^٢):
رُدَّ وقُبِلَ.
الرَّادُ: لم يَدَّعِ القائسُ المساواة مطلقا، فلا مناقضة.
القابِلُ: قطعَ الأَوَّلُونَ به القياس واعتنوا به اعتناءهم بالجمع؛ كقول عبدِ الرحمن بن عوف: «إنَّك مؤدب، ولا أرى عليك شيئًا» (^٣)، جمع بين التأديب وبين الحد المضبوط، بجامع الإذن الشرعي، فلا ضمان، ففرق عليٌّ ﵁ بأن الإذن في التأديب مقيد بما تسلَمُ معه العاقبةُ، والإذن في الحَدِّ مُطلَقٌ.
ونَحْنُ نُفَصِّلُ، فنقولُ: رُبَّ فرقٍ يُحَقِّقُ طرديَّة الجمع بعد أنْ ظُنَّ مناسبًا، فَقَبُولُه وفاق:
كقول الحنفي في البيع الفاسد: «معاوضةٌ بِتَرَاض (^٤)، فتُفيدُ الملك،
_________________
(١) ليس في «أ». وهي في الأصل ملحقة في الطُّرة، وقد أصاب بدايتها خرم، فذهب بعض كلماتها، ومنها علامة التصحيح فيما يظهر.
(٢) انظر: البرهان (٢/ ٦٨٦ - ٦٩٢)، التحقيق والبيان (٤/¬٤٣).
(٣) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (١٨٠١٠)، والبيهقي في السنن الكبرى (١١٦٧٣).
(٤) (أ): (تراض).
[ ٢٧٦ ]
كالصحيح»، (فيقول المفرق) (^١): «المعنى في الأصل موافقةُ الشَّرع، بخلاف الفاسد»، وربَّما أورده قدحًا في المناسبة، لا فرقا؛ كقوله: «المعوَّلُ في التمليك على وضعِ الشَّرع، لا على التراضي».
وكقول الحنفيّ في الشَّبَهِ: «طهارة بالماء، فلا تنوى؛ كالإزالة»، فيقول المفرّقُ: «الأصل طهارة عينيَّةٌ، والفرق (^٢) طهارة حكمية».
أما إذا قال المالكي في الهبة: «عقد تمليك فينقل الملك بالإيجاب والقبول، كالبيع»، فقال المفرِّقُ: «البيع معاوضة (^٣)، والهبة بذل تكرهه الطَّباعُ، فاعتبر الإقباض (^٤)؛ تقوية لدليل الرّضا»:
فهذا فرق لا يحقق طردية الجمع، ولكنه أخص فقها (^٥)، فهذا محل الخلاف:
فقال مَنْ رَدَّ المعارضة - في الأصل والفرع أو أحدهما - بِرَدِّهِ.
وقيل: بقبوله معارضةً.
_________________
(١) «أ»: (فنقول: الفرق).
(٢) «أ»: (والفرع)، وكلاهما صحيح، وإن كان ما في «أ» أوضح.
(٣) والمعاوضة متضمنها النزول عن المعوّض، والرضا بالعوض، وذلك يحصل بنفس العقد. ن.
(٤) المشعر بنهاية الرضا. ن.
(٥) أي: الفرق هنا أخص من الجمع المعترض عليه. قال الجويني: «… سِرُّه: أنَّ الجامع أبدًا يجمع بوصف عام، والفارق يفرق بوجه خاص؛ فإن لم يبطل ما أبداه من خصوص الفرق في عموم الجمع؛ فهذا مما تنازع فيه الأصوليون، وإن أبطل فقه الجمع، فلا شك في كونه اعتراضا».
[ ٢٧٧ ]
والمختار: قبوله لخاصَّتِه (^١)، وهي مناقضة فِقْهِ (^٢) للجمع؛ فإن ترجح (^٣) أحد الفقهين: اتَّبَعَ؛ وإن (^٤) تساويا: فالمختارُ تَعَارُضُهُمَا، فينقطعُ المُستدِلُّ.
***
* مسألة (^٥):
إذا أَبْدَى الفارقُ مَعْنَى في الأصل، وعَكَسَهُ في الفرع:
فقيل: يلزم رَدُّ معنى الفرع لأصل (^٦)، وبنوا على أنه معارضة، وأنَّ الاستدلال مردود.
فقال القاضي: «مذهبي قبول الاستدلال، ولو رددته لقَبِلْتُه فَرقًا»، وبنى على خاصته - وهي المناقضة ـ، وقد حصلت وإن لم يكن أصل، لكن في ترجيح فقه الجمع حينئذ - لاستناده إلى أصل - نظر.
* فرع مُرَتَّب (^٧):
إذا شرطنا رَدَّ معنى الفرع في الفرق إلى أصل؛ فلو أبداه في الأصل:
فقيل: يلزمُه رَدُّهُ إلى أصل آخر.
_________________
(١) ويحتمل أن تقرأ: (بخاصّته). أي: قبوله بخصوص كونه فرقًا، لا باعتباره معارضةً.
(٢) «أ»: (فقه).
(٣) «أ»: (رجح).
(٤) «أ»: (وإلا).
(٥) انظر: البرهان (٢/ ٦٩٢ - ٦٩٣)، التحقيق والبيان (٤/ ٥٧).
(٦) في البرهان (٢/ ٦٩٢) أثبت المحقق: (الأصل) معرفًا، وأشار إلى أن في نسخة: (أصل)، ولعل التنكير -كما هنا- أصوب.
(٧) انظر: البرهان (٢/ ٦٩٣ - ٦٩٥)، التحقيق والبيان (٤/ ٦٠).
[ ٢٧٨ ]
وقيل: لا.
المُلزِمُ (^١) فرَّعَ على ردّ الاستدلال؛ فإذا تعارضت شهادة الأصلِ، سقطت حتى تنتهي إلى أصل متحدِ الشَّهادةِ.
غير الملزم (^٢): لو لزمه، للزِمَ المستدل ردُّ معنى الأصل إلى آخر، وربما عُرض فيه؛ فيتسلسل.
أجاب الأوَّلُ: بأنه ينتهي إلى أصل تَتَّحِدُ (^٣) شهادته، فتنقطع السلسلة، وكلاهما خَيْطُ عند مَنْ فَهِمَ خَاصَّةَ الفرق.
***
* مَسْأَلَةٌ (^٤):
إذا عَكَسَ الفارقُ في الفرع معنى في الأصل، فلم يُناقض فقه العكس فقه الجمع أو ناقضه على بُعدٍ، فاحتاج (^٥) إلى مزيد في الفرع:
فقيل بقبوله، بناءً على أنَّه معارضة.
وقيل بِرَدِّهِ؛ بناءً على الخاصَّةِ وقد فُقِدَتْ، والزيادة الفقهية أجنبية عن الفرق، فلو كانت معكوسة في الأصل لاستد الفرقُ.
***
_________________
(١) «أ»: (الملزوم).
(٢) «أ»: (الملزوم).
(٣) «أ»: (يتحد).
(٤) انظر: البرهان (٢/ ٦٩٥ - ٦٩٦)، التحقيق والبيان (٤/ ٦٣).
(٥) «أ»: (احتاج).
[ ٢٧٩ ]
* مَسْأَلَةٌ (^١):
قد يُذْكَرُ مُبطل غيرُ الفرق على صيغة الفرق؛ كقول الحنفي: «المتعيّن بنفسه لا يفتقر لتعيين النية، كرد الغُصوب».
فيقول المعترض: «أصلُ النَّيَّةِ مُشتَرَط في الفرع، غيرُ مُشتَرَطٍ في الأصل»، والتَّعيينُ وعَدَمُه فرعُ الثبوتِ أصلا.