هو (^٢): «تغليب أمارة على معارضها؛ لقوتها» (^٣). واستعمله الظاهرية في الألفاظ، وأنكره جُعَلُ، وهو محجوج بالإجماع المتواتر.
واحتج القاضي لمنكره بسقوطه في البينات.
ورد: بالمنع؛ فقد رجح فيها مالك ﵁،
ولو سلم: فالفرق غلبةُ التَّعَبدِ في البيِّنات،
ولو سلم: فلا (^٤) يُعارَضُ القاطع بقياس ظَنِّي.
ولما كانت العلوم متساوية: امتنع الترجيح في القواطع.
***
* مَسْأَلَةٌ (^٥):
قالت الأئمة: لا ترجيح في المعقولات، أي: المعلومات، أما العوام:
_________________
(١) انظر: البرهان (٢/ ٧٤١ - ٧٤٢)، المنخول (ص ٤٢٦)، نكت المحصول لابن العربي (ص ٥١٤)، التحقيق والبيان (٤/ ١٩٢).
(٢) ليست في «أ».
(٣) قارن بالأبياري (٤/ ١٩٣ - ١٩٧).
(٤) «أ»: (ولا).
(٥) انظر: البرهان (٢/ ٧٤٢)، التحقيق والبيان (٤/ ١٩٧)، نفائس الأصول (٨/ ٣٦٧٣)، البحر المحيط (١/¬٤٢).
[ ٢٩٨ ]
فيكفيهم الاعتقادات الصحيحة، ولا بُدَّ لها من أسباب (^١)؛ فقد يدخلها الترجيح كالظَّنِّيَّاتِ.
***
* مَسْأَلَةٌ (^٢):
قالوا: الترجيح لا يستقل دليلا، فلا يُستعمل في المذاهب؛ لأنَّها دعاو.
ويُستدرك بأنَّ (^٣) العامي لا يتخيَّرُ مُقَلَّدَهُ إِلَّا عن ترجيح، فهو مستنده، ويمكن أن يقال: ترجيحه دليل مثله.
***
* مَسْأَلَةٌ (^٤):
أجمع المحققون على أنَّ الحكم على مَنْ بَعد مالك وأقرانه: تقليدهم؛ إذْ هُمْ آخِرُ المجتهدين، (وأُعينوا على) (^٥) ﴿(^٦) تصفح أدلة الأَوَّلِينَ ومذاهبهم، وعلى تدوين المسائل الواقعة والمتعددة، فبتلك المعونة كَفَوا مَنْ بعدهم المؤنة.
_________________
(١) عبر الجويني بالمسالك، والتعبير بالأسباب هو من الأبياري (٤/ ١٩٨).
(٢) انظر: البرهان (٢/ ٧٤٣)، التحقيق والبيان (٤/ ٢٠١)، نفائس الأصول (٨/ ٣٦٧١)، تحرير المنقول (ص ٣٤٧).
(٣) «أ»: (فإن).
(٤) انظر: البرهان (٢/ ٧٤٤ - ٧٥١)، التحقيق والبيان (٤/ ٢١٣)، نفائس الأصول (٩/ ٣٩٦٦)، تخريج الفروع على الأصول للزنجاني (ص ٥٢٧).
(٥) «أ»: (فأغنوا عن).
(٦) هنا بدأ النقص في الأصل.
[ ٢٩٩ ]
ثُمَّ لا يختار المقلّد مُقَلَّدًا بالتشهي، بل بالترجيح، ومختار الإمام: ترجيح الشافعي، واستدل بطرق:
* منها: أنَّه متأخر، فاتَّبَعَ الأَوَّلِينَ في التأصيل، وانفرد بالتكميل، فترجَّحَ.
لا يُقال: فمن بعده إذا أكمل!
لأنَّا نَقُولُ: ما سَاوَاهُ بعده أحدٌ.
* ومنها: أنه أعرفُ بالأدلة متونا و[معاني] (^١)، لا يزيدون عليه بالطَّوق (^٢) بعربيَّته، ومعرفته بالرّجالِ، ومواقع الإجماع، ثُمَّ بترتيب الأدلَّةِ:
إذْ قَدَّمَ الكتابَ، ثُمَّ السُّنَّةَ، ثُمَّ انضبطَ في الرَّأْي؛ فاعتبر المناسب الملائم لمنصوب الصحابة:
فإن عَدِمَه: تَلمَّحَ الأشباه؛ فإن عَدمِهَا: وَقَفَ مع التَّعَبدِ. وقد يسنح له مناسب منقوض فَيُغَلِّبُهُ (^٣)، فلذلك مَنَعَ القيمة في الزكاة مُتَأَيَّدًا بأنها عبادة،
_________________
(١) في المخطوط: (و)، ثُمَّ بعدها بياض مقدار كلمة أو نصف كلمة، ولعل المثبت هو الصواب. قال في البرهان: «فإذا نظر الناظر إلى منصب الشافعي، عرف أنه أعرفُ الأئمة بكتاب الله تعالى؛ فإنَّه عربي مبين …، ولا يخفى تميزه عن غيره فيما نحاوله، ثُمَّ يتعلق معرفة الناسخ، والمنسوخ، وأسباب النزول بمعرفة الروايات؛ ومقامه لا يخفى في الأخبار، ومعرفة الرجال، وفقه الحديث، والإجماع يتلقى من معرفة الآثار، وما يصح نقله من الوفاق والخلاف؛ وهذا بيان الأصول».
(٢) هذا ظاهر الرسم، والطوق هي القدرة والطاقة. ويحتمل أن تقرأ: (الطرق). وربما هي مصحفة أو محرفة من كلمة أخرى.
(٣) أي: التَّعَبُدَ.
[ ٣٠٠ ]
فغلب عليها التعبد.
* ومنها: أنَّ الشَّريعة مأمورات ومنهيَّاتٌ، فرجحان نظره في العبادات واضح، وكذلك في المنهيَّاتِ؛ فإنه سَبَرَ القواعد التي نصبها الشارع زواجر عن الفواحش، وحمى منها الذريعة، وهدمها غيره:
- كالقصاص؛ فإنَّه زجر عن القتل، وسقوطه [في] المثقَّلِ يَهْدِم القاعدة؛
- وكحد الزنا؛ وإسقاط البينة (^١) بالإقرار، ثُمَّ إسقاط الإقرار بالرجوع يهدمه، فكذلك أبواب الغصب والسرقة، فليُتَّبَعْ (^٢) فيها نظر الشافعي من غيره.
* ثُمَّ أقرب (^٣) ترجيح إلى الأفهام:
- قوله ﵇: «الأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيشِ» (^٤)، والشافعي من بينهم قرشي صريح.
* والإشارة إلى مالك، وأبي حنيفة، فَلْنَذْكُرْ خصائص الثلاثة:
أما أبو حنيفة؛ فذو الفِطْنَةِ الوقادةِ، في عُرف المعاملات وترتيب الحكومات وتفريع المسائل المقدرات؛ غير أنه مُضرب عن النقليات، وربَّما
_________________
(١) في المخطوط: (بلسه). ولعل المثبت هو الصواب، وهو الأليق بالسياق.
(٢) كذا استظهرتها. وهي مهملة في المخطوط.
(٣) ويحتمل أن تقرأ: (أقوى).
(٤) أخرجه بهذا اللفظ أحمد (١٢٣٠٧)، (١٢٩٠٠)، (١٩٧٧٧) والطيالسي (٩٦٨)، (٢٢٤٧) وغيرهما. ومعنى الحديث في الصحيحين، ففي صحيح البخاري (٧١٤٠) عن ابن عمر مرفوعا: «لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي منهم اثنان». وفي صحيح مسلم (١٨١٨) عن أبي هريرة مرفوعا: «الناس تبع لقريش في هذا الشأن …».
[ ٣٠١ ]
وقعت له وفاقًا فاعتمدها، لا أنه طلبها فوجدها.
وأما مالك: فذو الأمانةِ الشَّديدة في النقليات، والإحاطة بعلل الروايات والرواة، حتى قال: «أدركتُ بعدد أساطين هذا المسجد من يقول: حدثني أبي عن رسول الله ﷺ، لم أرو عن أحدٍ منهم شيئًا». قيل له: «أكنتَ لم تَثِقْ بهم؟» فقال: «لم أتَهُمْ صِدقهم، ولو نُشِرُوا بالمناشير ما كَذَبُوا على رسول الله ﷺ، ولكن لم يكونوا من أهل هذا الشَّأْنِ» (^١)؛
غير أنه ﵀ استرسل في المصالح، فرتّب عليها زواجر حادثةً، كالتأديب بالمال المصلح وإبانة الأعضاء؛
- لظاهر (^٢) مشاطرة (^٣) عُمَرَ لعَمْرِو وخالدٍ،
- ولظاهر قوله﴾ (^٤) للمغيرة: - وقد أبان قَذَاةً عن لِحْيَتِهِ - «أَبِنْ ما أبنْتَ، وإلّا أبنتُ يدك (^٥)» (^٦).
ولهذه الوقائع تأويلاتُ تَرُدُّهَا إلى الأصول.
وأما الشافعي: فانفرد بأصول الفقه، وهو أوَّلُ مصنّف فيها، وشاركهم في الفروع؛ غير أنه اخترم قبل إكثاره منها، ولا مَعَابَ في الموتِ، فقيَّض الله
_________________
(١) ينظر: مسند الموطأ (٣٧)، الفقيه والمتفقه (٢/ ١٩٤)، الانتقاء (ص ١٦).
(٢) في المخطوط: (ولظاهر). ولعل الصواب ما أثبت.
(٣) في المخطوط (مشاطر). ولعل الصواب ما أثبت.
(٤) هنا ينتهي النقص في الأصل.
(٥) «أ»: (يديك).
(٦) ينظر: نفائس الأصول (٩/ ٤٠٩١)، حاشية العطار على شرح المحلي (٢/ ٣٢٨).
[ ٣٠٢ ]
له أصحابًا حُذَّاقًا، فرَّعوا على أصوله، فكمُل مذهبه أصولًا وفروعًا.
ثُمَّ المختار: أنَّ العاميَّ لا يجب عليه النَّظَرُ، لا في العقليات (^١)، ولا في العمليَّاتِ، ووظيفته التَّقليد.
وألزمه (^٢) الأستاذ النَّظَرَ في العقليَّاتِ؛ وأسرف فقال: وفي العمليَّاتِ القطعيَّاتِ، وهذا مردودٌ؛ فإنَّ المقطوع به مِنْ العَمَلِيَّاتِ يَزِيدُ على مائةِ أَلْفِ مسألة، وأنَّى للعامي هذا الاتساع، فهذا اقتحام على خَرْقِ الإجماع.
* * *
• مسألة (^٣):
الرُّجْحانُ مزيَّةٌ في الدليل، ولا (^٤) يُعقل بدونه.
وتخيل بعضهم جواز اعتماده مستقلا، واحتج بأنَّ الصحابة كانوا يقنعون (^٥) في المحاورات بالترجيح.
• قلنا: بعد تمهيد الأدلَّةِ. نعم، قد يجوز اعتماد الأمارة (^٦) الضعيفة؛ لضرورة عدم ما هو أقوى كاستصحاب الحال.
_________________
(١) «أ»: (المعقولات).
(٢) أي: العامي.
(٣) انظر: البرهان (٢/ ٧٥٠ - ٧٥١)، التحقيق والبيان (٤/ ٢٣٨)، شرح مختصر الروضة (٣/ ٦٧٦)، الردود والنقود (٢/ ٧٣٢).
(٤) «أ»: (فلا).
(٥) «أ»: (يكتفون).
(٦) «أ»: (الأمارات).
[ ٣٠٣ ]