الوقائع لا تخلو عن حكم، ولا تتناهى؛ والنُّصوص والإجماعات المتواترة والآحاد متناهية؛ فالمستوعب للوقائع: القياس وما يتعلق به من وجوه النظر، فهو أحقُّ الأصول بعنايةِ الطَّالبِ.
* القول في ماهيته (^٢):
الحد الحقيقي مُتَعَدِّرُ، لاشتماله على حقائق مختلفات، والرسمي ممكن.
* وأقربه وأكمله: «حمل معلوم على معلوم، في إثبات حكم لهما أو نفيه عنهما، لجامع بينهما، من (^٣) إثبات حكم أو صفة (^٤) أو نفيهما».
فالحمل (^٥): الاعتبار.
والمعلوم: يشمل الموجود والمعدوم.
والباقي (^٦): تنويع (^٧) للحكم والجامع.
_________________
(١) انظر: البرهان (٢/ ٤٨٥)، التحقيق والبيان (١/¬٣).
(٢) انظر: البرهان (٢/ ٤٨٧ - ٤٨٩)، المستصفى (٢/ ٨٧٣)، التحقيق والبيان (٣/¬٧)، البديع في أصول الفقه (٣/ ١٤٩)، الردود والنقود (٢/ ٤٥٦)، شرح الكوكب المنير (٤/¬٥).
(٣) «أ»: (في).
(٤) «أ»: (وصف).
(٥) «أ»: (والحمل).
(٦) «أ»: (والثاني).
(٧) في الأصل: (لتنوقع)، والمثبت من «أ».
[ ٢١٠ ]
* وقيل: «رَدُّ فرع إلى أصل بجامع»؛ فأَخَلَّ بالتنويع.
* وقيل: «حَمْلُ الشَّيء على الشَّيء لإثبات حُكْمِ بوجهِ شَبَه»؛ فأَخَلَّ بالتنويع وبالمعدوم.
* وقيل: «إصابة الحق».
* وقيل: «الاجتهاد في طلب الحق».
وكلاهما بعيد من التحديد.
المَقَالَاتُ فِيهِ، رَدًا وَقَبُولًا (^١)
قَبْلَ المحقَّقُونَ (^٢): عَقْلِيَّهُ وشَرْعِيَّهُ.
وقيل: بردهما.
وقيل: بقبول العقلي.
وقيل: وبعض الشَّرعي.
وقيل: بالشرعي، والنهي عن العقلي لا لفساده، والحق (^٣) فساده.
_________________
(١) انظر: التلخيص (٣/ ١٥٤)، مسائل الخلاف (ص ٣٠٢، ٣١٠)، البرهان (٢/ ٤٩٠ - ٥٠٨)، التبصرة (ص ٤١٦، ٤١٩)، المستصفى (٢/ ٨٨١)، التحقيق والبيان (٣/¬٢٠).
(٢) (أ): (الأكثرون)، وهو - فيما يظهر - أقرب لما في البرهان؛ فإن الجويني لم ينسب ذلك إلى المحققين، وإنما قال: «وهذا مذهب الأصوليين والقياسين من الفقهاء»، فكأنه نسبه إلى الأكثرين فقط. ولما سيأتي من قول ابن المنير - تبعا للجويني - عن القياس العقلي: «والحق فساده»، فهذا لا ينسجم ولا يتناسب مع قوله: «قَبْلَ المحققون عقليه وشرعيه».
(٣) كذا حكم ابن المنير بفساد القياس العقلي مطلقا، بينما فصل فيه الجويني، وحاصل كلامه: =
[ ٢١١ ]
والمقصود ههنا الشَّرعيُّ.
واختلف رَادُّوهُ:
فقيل: لقُبْحِهِ ذاتا.
وقيل: لمخالفة الأصلح.
وقيل: لاضطرابه بحسب القرائح.
وقيل: لمناقضة الشَّرع له؛ كالعاقلة، وذبح البهائم، واسترقاق الأطفال.
وقيل: لنص الشَّرع.
وقيل: لعدم الدليل.
فالأولان فرعان لقاعدة التحسين والتقبيح، وقد بَطَلَتْ.
ونَتَنَزَّلُ (^١):
قولهم: «قُبْحُ ذاتا؛ لأنَّه ظَنُّ يُضَادُّ العلم»، منقوض:
* بالغَشْيَةِ وأخواتها، فهي أضداد للعلم، وحسنة؛ لأنَّ الله تعالى خلقها (^٢)
_________________
(١) = أنه إن كان المقصود بالقياس العقلي: النظر العقلي، فهو مقبول إذا استجمع شرائط الصحة؛ وإن كان المقصود به قياس الغائب على الشاهد، فهذا هو الفاسد، وليس في المعقولات قياس صحيح بهذا المعنى عند إمام الحرمين. وانظر ما مضى في: (ص ٧٩).
(٢) «أ»: (ويتنزل).
(٣) وتتمة الجواب - لم يذكرها ابن المنير: «ومن رأي هؤلاء أنَّ الله تعالى لا يخلق قبيحًا». انظر: البرهان (٢/ ٤٩٣).
[ ٢١٢ ]
* وبالشَّهادات والفتاوى؛ فإنَّها ظنون مقبولة اتفاقًا.
ثُمَّ اعتماد الظَّنِّ دأب العقلاء في متاجرهم وأوطارهم وأسفارهم.
قولهم: «العاقلة وأخواتها تُضَادُّهُ»:
* قلنا: نادرة، والأكثر يلائمه.
قولهم: «نص الشرع على إبطاله، مثل: ﴿وَلَا تَقْفُ﴾ (^١)».
* قلنا:
* المراد اقتفاؤه مع إمكان اليقين.
* ثُمَّ غايته الظهور.
* ثُمَّ يُعارِضُ بآياتِ الاعتبار.
* قالوا: زعمتم أنَّ القياس مظنون، وأنَّ وجوب العمل به معلوم؛ فناقضتم!
* قلنا: معلوم بالإجماع، والقياس كالعلامة.
* قالوا (^٢): إن جاز كونُ الظَّنِّ علامة للعلم، فليكن علامة على الرُّؤية! (^٣)
_________________
(١) الإسراء: ٣٦.
(٢) وهم بعض المعتزلة.
(٣) يعني: رؤية الله في الآخرة، والتمثيل بالرؤية غير مقصود لذاته، ولذلك عبر بعضهم بالغيبيات، وتقرير السُّؤال كما في المعتمد لأبي الحسين (٢/ ٥٧٨): «فإن قيل: ألستم عند=
[ ٢١٣ ]
* قلنا: لو نصبه الشارع علامة: التزمناه.
الرَّادُّ: لعدمِ الدَّليل، - كَالنَّظَّامِ -:
أُجيب (^١): بأنَّ الدليل عليه الإجماع؛ فقدح في الإجماع وفي الصَّحابةِ، وزعم أنهم وضعوه تتميمًا لأن يُطاعوا، فَكَفَرَ.
ومنهم من سلم كون الإجماع حُجَّةً، ومَنَعَ قيامه على القياس.
فقرر (^٢): بالاستقراء المعلوم، وأُكَدَ: بأنَّ الصَّحابة أفتوا في وقائع تزيد على المنصوصات، ولا مسلك إِلَّا القياس وفاقًا.
* قالوا: رده بعضهم.
* قلنا: لا نقول بتعميم القبول؛ فالرد لمعارض.
واستدل: بحديث معاذ (^٣)، وهو مشهور.
_________________
(١) = خبر الواحد تعلمون وجوب الفعل عليكم؟ فقد أقدمتم على اعتقاد أيضا! قيل: إنا نأمن كون ذلك الاعتقاد جهلا؛ لأنه قد دلّ عليه دليل قاطع، وهو ما دلّ على وجوب المصير إلى أخبار الآحاد. فإن قيل: فهلا جاز أن يدل دليل قاطع على قبول خبر الواحد في الرؤية وغيرها؟ …»، ثُمَّ أجاب عنه، والفرق في الجواب بين أبي الحسين البصري المعتزلي وأبي المعالي الجويني الأشعري: أنَّ الأوَّلَ لما كان من المنكرين للرؤية: منع السؤال ولم يجوّزه؛ لأن رؤية الله عنده محال، بينما الجويني سلَّم بذلك والتزم به لو كان قد ورد.
(٢) «أ»: (وأجيب).
(٣) «أ»: (قرر).
(٤) وفيه: … قال: «فإن لم يكن في سنة رسول الله ﷺ؟» قال: أجتهد رأيي، لا آلو. قال: فضرب رسول الله ﷺ صدري، ثم قال: «الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله». أخرجه أحمد (٢٢٠٠٧)، (٢٢٠٦١)، (٢٢١٠٠)، وأبو داود (٣٥٩٢)، =
[ ٢١٤ ]
* قالوا: خبر واحد.
* قلنا: معمول به إجماعًا، ولو روى عدل - كَالصِّدِّيقِ - خبرًا يوجب العمل بالقياس لقبلوه.
***
* مَسْأَلَةٌ (^١):
اقتصر النهرواني والقاساني على المعلوم:
* كإلحاق صَبّ البول في الماء بالبول فيه، وكالمومًا إليه مثل: ﴿وَالسَّارِقُ﴾ (^٢)، و«سَهَى فَسَجَدَ» (^٣)،
* وكالفحوى في: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفّ﴾ (^٤).
وزاد الجبائي العمل بظنّ القبلة عند الإشكال، وبظن المماثلة في جزاء الصيد.
أُثبِتَ على الثلاثة ما أنكروه بالإجماع؛ فإنَّ الفتاوى أكثر من النصوص
_________________
(١) = والترمذي (١٣٢٧) وغيرهم. وانظر الكلام حول ثبوته: نصب الراية (٤/ ٦٣)، موافقة الخبر الخبر (١/ ١١٨، ١١٩).
(٢) انظر: البرهان (٢/ ٥٠٩ - ٥١٣)، التحقيق والبيان (٣/ ٧٠)، الإبهاج (٦/ ٢١٧٩)، تيسير التحرير (٤/ ١٠٦)، شرح الكوكب المنير (٤/ ٢١٣).
(٣) يشير إلى قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾. المائدة: ٣٨.
(٤) أخرجه نحوه أبو داود (١٠٣٩)، والترمذي (٣٩٥)، والنسائي في الكبرى (٦٠٩) وغيرهم من حديث عمران بن حصين.
(٥) الإسراء: ٢٣. في الأصل: (ولا تقل لهما أف).
[ ٢١٥ ]
وممّا قبلوه.
ثُمَّ إن قبلوا ما استثنوه (^١)؛ لأنَّه قياسٌ: فمستندهم الإجماع، وهو عامّ؛ وإن قبلوه؛ لأنَّه لفظ: فقد جحدوا القياس وخرقوا الإجماع، وليس بلفظ؛ إذ القائل: «بع عبدي هذا؛ لأنَّه سَيِّئُ الأدب»، لم يأذن في كلِّ سَيِّئِ الأدب وفاقًا (^٢).
* قالوا: لو قال لولده «لا تأكل هذه الحشيشة؛ فإنَّها سُمٌّ» كان زجرًا له عن كُلِّ سُمّ.
* قلنا: بقرينة، والفحوى كذلك؛ فقد ورد: «حُدُّوهَا ولا تُثَرِّبُوا» (^٣).
فإن قيل: ليس كل نظر عندكم صحيحًا، فميِّزوه!
* قلنا: أجل.
***
_________________
(١) «أ»: (استثني).
(٢) «أ»: (اتفاقًا).
(٣) لم أجده بهذا اللفظ. وقد ورد نحوه عند النسائي في الكبرى (٧٢١٣) في جلد الأمة الزانية، بلفظ: «فَاجْلِدُوهَا، ولا تُثَرِّبُوا عَلَيْهَا».
[ ٢١٦ ]