النَّسْخُ لغةً: «الإزالةُ والرَّفعُ»، وأكملُ حَدٍّ فيه اصطلاحا: «اللَّفْظُ الدَّالُّ على انتهاء أمد الحكم الشرعي مع التأخير».
ومنهم من عوض «الحكم» بـ: «العبادة»، فلم يجمع (^٢).
ومنهم من أسقط «التَّأخير»، فلم يمنع التأقيتَ، مثل: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ﴾ (^٣).
وحاصله عند الفقهاء: تخصيصٌ [متأخر لظاهر] (^٤) في الأزمان.
وقال القاضي: «رفعُ الحكم بعد ثبوته»، ولم يقيد بالتأخير؛ لأنَّ التَّأقِيت لم يرفع ثابتا.
ورد القاضي على الفقهاء بأنَّ جَعْلَه تخصيصا موافقة لمنكريه، وأيضا يلزمهم النَّسخُ بما يسوغ به التخصيص حتَّى القياس.
وأُجيب:
_________________
(١) انظر: البرهان (٢/ ٨٤٢ - ٨٤٦)، التحقيق والبيان (٤/ ٤٩٠)، البحر المحيط (٣/ ١٤٤)، تحرير المنقول (ص ٢٦٠)، رفع النقاب (٤/ ٤٥٤).
(٢) أي: التعريف ليس جامعا.
(٣) البقرة: ١٨٧.
(٤) زيادة يقتضيها سياق كلام الجويني، ومحلها في المخطوط بياض بمقدار كلمتين.
[ ٣٥٠ ]
* بأنَّ مُنكِرَه لا يُثبت تخصيصًا في الزَّمانِ.
* وبأنَّ (^١) العُمدة في تخصيص الأعيان: الإجماع (^٢)، وهو قاصر عن تخصيص الأزمان (^٣).
فإن [قيل] (^٤): النسخ لغةً: «الرَّفعُ»، فليكن شرعًا كذلك.
أُجيبَ (^٥): بأنَّ الأصول لا تُتَلَقَّى (^٦) من الإطلاقات.
واعترض (^٧): إن كان منتهيًا (^٨) في العلم، فلم يُرفع ثابت؛ وإن كان مؤبدًا في العلم، اجتمعَ النَّقيضانِ.
ولا جواب عنه.
والمختارُ: أَنَّه اللفظ الدال على انتفاء شرط دوام الحكم، وهو كاختار (^٩) الفقهاء؛ غير أنَّا نُجريه (^١٠) ولو نص اللفظ على عموم الأزمان؛
_________________
(١) في المخطوط: (بأنَّ)، ولعل الصواب ما أثبت. ويحتمل الرسم: (فإن)؛ لكن سياق الكلام يأباه.
(٢) أي: أصل تخصيص الأعيان وجواز ذلك بالقياس.
(٣) أي: بالقياس. قال الجويني: «فإنَّ المعتمد في التخصيص ما ظهر من سيرة الصحابة ﵃، فلولا إزالتهم الظواهر لما أزلناها، وقد رأيناهم لا يرون النسخ بما يرون التخصيص به».
(٤) زيادة يقتضيها السياق.
(٥) في المخطوط: (وأجيب)، ولعل الصواب ما أثبت.
(٦) في المخطوط: (تلتقى). والتصويب من «البرهان».
(٧) على القاضي الباقلاني.
(٨) كذا في المخطوط، ويحتمل أنها محرفة من: (منتفيا).
(٩) في المخطوط: (كاخبار). وهو تحريف.
(١٠) كذا استظهرتها، وهو الأقرب للرسم. ويحتمل أنها محرفة من: (نجوزه)، وهو الأنسب=
[ ٣٥١ ]
لأن شرطَ التَّقدير (^١) في حُكم المُضْمَرِ، والشَّرط يجامع (^٢) النَّصَّ (^٣). ومقتضى كونه عندهم تخصيصًا ألَّا يَجري (^٤) إلَّا إذا كان عموم الأزمان ظاهرًا (^٥).
أما لو قال الصَّادقُ: «هذا الحكم مؤبد لا يُنسخ»، فقد تحققنا شرط العدم، فاستحال نسخه؛ للخُلْفِ والبَدَاءِ (^٦). ولذلك أحلنا نسخ شريعتنا.
وكُلُّ ما نُسِخَ، فقد كُنَّا نعتقد دوامه حتى انكشف فواتُ الشَّرط المُضمَر (^٧)، كاعتقاد المكلَّف أنه مكلَّف، فلو اخترم قبل الإمكان: انكشف فوات شرط التكليف؛ إذ الإمكان شرط عقلي.
• مَسْأَلَةٌ (^٨):
أنكرت اليهود، وغلاةُ الرَّوافض النسخ:
فمنهم من أحاله عقلا:
_________________
(١) = للسياق، وأقرب إلى تعبير الجويني.
(٢) ويحتمل أن تقرأ أيضا: (التقديم)، و(القديم).
(٣) في المخطوط: (الجامع). وهو تحريف.
(٤) أي: نجوز ورود النسخ ولو على نص في استغراق الزمان؛ لأن له شرطا مضمرا، والشرط ليس كالتأويل المنافي للنص، بل هو يجامعه.
(٥) كذا استظهرتها.
(٦) في المخطوط: (ظاهرة).
(٧) لم يذكر الجويني البداء.
(٨) في المخطوط: (كالمضمر).
(٩) انظر: البرهان (٢/ ٨٤٧ - ٨٤٩)، التحقيق والبيان (٤/ ٥٠٨)، البحر المحيط (٣/ ١٥٠)، تحرير المنقول (ص ٢٦١).
[ ٣٥٢ ]
* فإن قال: محال (^١): فمباهِتٌ.
* وإن قال: لاستلزام أمرٍ، ثُمَّ النَّهي: اجتماع الحُسنِ والقُبح؛ فالقاعدة باطلة.
ثُمَّ (^٢) يُفْرَضُ فيما لا يُحسَّنُ لِعَيْنِهِ تَنَزُلًا.
* قالوا: بَدَاء.
* قلنا: الحد (^٣) يَدْرَؤُه.
* قالوا: خلافُ الأصلح.
* قلنا: ممنوع، والقاعدة باطلة.
ادعت اليهودُ التَّواتر عن موسى أنَّ شريعته مؤبَّدَةٌ (^٤).
* قلنا: قيام معجزةِ عِيسَى ومحمَّدٍ صلوات الله عليهما يُكَذِّبُ دَعْوَاهُم.
* وأيضا عدم ذكرهم لذلك في زَمَنِهِ ﵇ (^٥) يدلُّ على أنَّه كَذِبُ حادث؛ لأن جهة الاحتجاج تُوجب ذكره عادةً.
* قالوا: لعله ذُكِرَ.
* قلنا: لو كان لنقل.
_________________
(١) أي: نفس وقوعه.
(٢) في المخطوط: (لم). وهو تحريف.
(٣) يعني حد النسخ.
(٤) في المخطوط: (مؤيدة). وهو تصحيف.
(٥) أي: في زمن نبينا محمد ﷺ.
[ ٣٥٣ ]
(والجواب على الروافض: الإجماع) (^١):
• على تحريم الخمر بعد تحليلها (^٢).
• وعلى ما أُبيح مِنْ الشَّرائع المتقدّمة بشريعتنا (^٣).
• مَسْأَلَةٌ مُترجمة بالنسخ قبل الفعل (^٤):
أي: قبل التمكن منه؛ وإلَّا فَكُلُّ نَسخ كذلك، ولا ينعطف على ماضي.
والحق: جوازه.
ومنعه المعتزلة، وبعض الفقهاء.
لنا: ما تقدم في أصل النَّسْخِ.
• قالوا: النَّسخُ بيانٌ، وهذا تعطيل ورفع.
• قلنا: قد اخترنا أنَّ النَّسْخَ بيان انتفاء شرط دوام الحكم، وهذا بيانُ انتفاء شرط أصل الحكم، فيتبين به أن لا حكم؛ فكما لو مات قبل التَّمَكُّنِ: تَبَيَّنَّا أن لا تكليف.
_________________
(١) في المخطوط: (والجم على البقا نص للإجماع). وهو تحريف، ولعل الصواب ما أثبت، وهو الموافق لمقتضى كلام الجويني.
(٢) أي: في صدر الإسلام.
(٣) ويحتمل أن تقرأ: (لشريعتنا).
(٤) انظر: البرهان (٢/ ٨٤٩ - ٨٥١)، التحقيق والبيان (٤/ ٥١١)، الردود والنقود (٢/ ٤٠٩)، تحرير المنقول (ص ٢٦٢)، رفع النقاب (٤/ ٤٧٨).
[ ٣٥٤ ]
فإن قالوا: «خلافُ الأصلح»: فالقاعدة باطلة. ولعله الأصلح؛ ليَعزِمُوا فيُوجَرُوا.
واستُدِلَّ: بقصَّةِ الذَّبيح؛ فإنَّه أُمر بالذَّبحِ ونُسِخَ قبل أن يفعله.
• قالوا: كان المأمور به شَدَّه وتله للجبين خاصةً، وقد فعل.
• قلنا: باطل؛ لاعتقاد الخليل أنَّ المأمور به الذَّبح (^١) - وهو معصوم ـ، ولذلك كان بلاء عظيمًا. ويحققه: الفداء بذبح.
• قالوا: معارض بقوله: ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ (^٢).
• قلنا: معناه: صدقت وجوبَ الذَّبحِ.
• قالوا: وقعَ الذَّبْحُ، وَالْتَأَمَ (^٣).
• قلنا: بُهْت. ولو كان لنُقِلَ عادةً؛ ولكان ذكره في القرآن أهم من ذكرِ التَّل؛ وَلَلَغَا الفداء.
• مَسْأَلَةٌ (^٤):
قَطَعَ الشَّافعي بأنَّ السُّنَّةَ لا تنسخُ القرآن، وتَرَدَّدَ (^٥) في العكس.
والحق: الجواز.
_________________
(١) في المخطوط: (النسخ). والتصويب من «البرهان».
(٢) الصافات: ١٠٥.
(٣) في المخطوط: (التام)، ولا معنى لها.
(٤) انظر: البرهان (٢/ ٨٥١ - ٨٥٢)، التبصرة (ص ٢٦٤)، المنخول (ص ٢٩٢)، التحقيق والبيان (٤/ ٥١٨)، الغيث الهامع (ص ٣٦٩).
(٥) في المخطوط: (وترددوا). والتصويب من «البرهان».
[ ٣٥٥ ]
لنا: ﴿كُلٌّ مِّنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ (^١)، ﴿أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ (^٢)، والنَّبِيُّ ﷺ.
مُبَلِّغٌ.
فإن قيل: القرآنُ مُعْجِز، فلا ينسخه غير معجز.
• قلنا: المنسوخ: الحكم، وليس بمعجز.
أوردوا قوله تعالى: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا﴾ (^٣).
• قلنا: هذا إخبار عن الواقع، والكلام في الجائز.
ثُمَّ هي ظاهرة، والمسألة قطعية.
[…] (^٤)، ثُمَّ إن منع هؤلاء مخالفة الكتاب للسُّنَّة: فعِناد؛ وإن اعترفوا وزعموا أنه إذا نزل القرآن مخالفًا توقف العمل به على سُنَّةٍ ناسخة: فهذا هُزْوٌ من القول.