الاحتمالات في مفردها كـ: «الأوامر»، إلا جمع الجمع.
والنهي قسيم الأمر، حقيقةً وحَدًّا وصيغةً، خلافًا ووفاقًا واختيارًا.
• مَسْأَلَةٌ (^٢):
مُطلَق صيغته للفساد، وخالفتِ المعتزلة والحنفيَّةُ.
(ولنبدأ بالصَّلاة) (^٣) في الدَّارِ المغصوبة: فصححها الفقهاء، وأبطلها الجبائيُّ.
وقال القاضي: معصية، يسقط الأمر عندها، لا بها (^٤).
قال الجبائي: أكوانُها معصية، فكيف تكون طاعةً؟! فالأمر باقٍ.
فنقض بصحة صلاة الغنيّ المماطل (^٥)، وله المنعُ.
_________________
(١) انظر: البرهان (١/ ١٩٩)، التحقيق والبيان (١/ ٧٧٨).
(٢) انظر: التقريب والإرشاد (٢/ ٣٣٩)، البرهان (١/ ١٩٩ - ٢٠٥)، المستصفى (٢/ ٧٠٣)، التحقيق والبيان (١/ ٧٧٩)، نفائس الأصول (٤/ ١٦٩١)، تشنيف المسامع (٢/ ٦٣١).
(٣) «أ»: (الصلاة).
(٤) أي: ليست الصلاة المقامة في الدار المغصوبة طاعةً، ولكن الأمر بالصلاة يرتفع وينقطع بها. ن.
(٥) «أ»: (الماطل).
[ ١١٥ ]
ألزمه القاضي صلاةَ الغافل في أثنائها، وتوجيهه (^١):
فعل لم ينو، فكيف يكون طاعةً!؟ والطَّاعةُ: الامتثال المنوي.
وله:
- القَولُ بالموجَبِ، والغافل ناو حكما بالإجماع، فصحتْ، كما أنه مُؤْمِنٌ حكمًا.
- أو ردُّ الإجماع على أنَّ الغافل متعبد، وله أن يقول مجاز.
احتج القاضي لمذهبه بالإجماع على سقوط القضاء عن الغُصَّابِ، وهو دليل البراءةِ مِنْ عُهدة الخطاب، ويجوز سقوط العُهدة بغيرِ الطَّاعة، كالجنون وغيره.
ورد بانحصار الأعذار المُسقِطة؛ وبالفرق بأن الجنونَ (^٢) عُذر، والصَّلاة الغصبية معصية، فكيف تقوم عُذرًا!؟
ونقل الخلاف في صِحَّةِ ما هو أولى بالتصحيح (^٣)، فبطل الإجماع؛ ولو صح، فقد تناول كونها صلاةً، فلتكن طاعةً بالإجماع، وإلا لزم التوزيع تحكمًا.
والمختار: أنَّها طاعةٌ معصيةٌ من جهتين (^٤)؛ لصدقِ الصَّلاةِ والغصب عليها. واجتماع (الجهتين المتضادتين) (^٥) للواحد بالعين معقول فيمن أَمَرَ
_________________
(١) (أ): (على توجيهه).
(٢) بعدها في «أ» زيادة: (مَثَلًا).
(٣) (أ): (الصحيح).
(٤) (أ): (وجهين).
(٥) (أ): (الجنسين المتضادين).
[ ١١٦ ]
عبده بخياطة، ونهاه عن الكون بمكان، فخاط فيه: فقد أطاعَ وعَصَى، وليس الأحكام صفاتٍ للأفعال حتَّى يلزم اجتماعُ الضِّدَّينِ (^١)، وبسطه أَنَّ الصُّوَرَ ثلاث:
* الأولى: مثل «اِفْعَلْ»، «لا تَفْعَلْ»؛ فإن وقعت شرعًا، تراخى أحدهما وكان نسخا.
* والثانية: «صَلَّ»، و«لا تُصَلِّ محدِثًا»؛ فالثاني تقييد، فصلاةُ المحدث خارجة عن الأمر لفوات الشرط.
* الثالثة: «صَلَّ»، و«لا تَغْصِبْ»؛ فأجنبيَّانِ، كالصَّلاةِ (^٢) في البقعة المغصوبة، طاعةٌ ومعصية متقاطعتان (^٣)، كما لو صلّى في دار (^٤) يملكها وهو غاصب لدار أخرى، ثُمَّ لا يلزمُ مِنْ صِحَّتها أنَّ النَّهي لا يدل على فساد المنهي عنه؛ إذ المنهي عنه فيها غير صحيح.
والحق: أن نهي التحريم مقتض فساد المنهي عنه في العبادات، والصَّلاةُ الغصبيَّة أجنبية عن ذلك.
_________________
(١) الممنوع هو تعلّق «افعل» و«لا تفعل» للواحد بالعين دون تراخي أحدهما. فلا يلزم من كونها صفاتٍ للأفعال اجتماع الضدين.
(٢) (أ): (فالصلاة).
(٣) ليست في (أ). وتقاطع الأمرين: انقطاع ارتباط أحدهما بالآخر. ن. بتصرف يسير.
(٤) (أ): (داره).
[ ١١٧ ]
• مَسْأَلَةٌ (^١):
قال الكعبي: لا مباح؛ فإنَّ (^٢) كُلَّ مباح ترك حرام، وترك الحرام واجب.
* قلنا: إن تعددت الجهة - وهو الحق - سقطت الشبهة (^٣)، وإِلَّا عُورِض بقولنا: «كُلُّ مباح: تَركُ واجب، وترك الواجب حرام»، فتتناقض الأحكام.
• مَسْأَلَةٌ (^٤):
(المتوضئ منكَسًًا [محصَّـ]ـل مصلحة [الوا] جب، ومرتكب مفسدة المكروه) (^٥). (وقول القائل) (^٦): «يلزم من كراهية التنكيس وجوب الترتيب» غَلَط، نشأ من الغفلة عن تعديد الجهات.
• مَسْأَلَةٌ (^٧):
قال أبو هاشم: متوسط البقعة المغصوبة عاص بخروجه تائبًا؛ لوجودِ
_________________
(١) انظر: التقريب (١/ ٢٨٨)، البرهان (١/ ٢٠٥ - ٢٠٦)، التحقيق والبيان (١/ ٨١٠)، البديع في أصول الفقه (١/ ٣٦٢)، الردود والنقود (١/ ٤١١)، شرح الكوكب المنير (١/ ٤٢٤).
(٢) «أ»: (لأن).
(٣) «أ»: (لشبهه).
(٤) البرهان (١/ ٢٠٦ - ٢٠٧)، التحقيق والبيان (١/ ٨١٣).
(٥) ما بين الهلالين ليس في «أ». وهي ملحقة في طرة الأصل، وقد أصاب بعض كلماتها خرم، قدرناها بما يناسب السياق.
(٦) «أ»: (قول القائل).
(٧) انظر: البرهان (١/ ٢٠٨ - ٢١١)، التحقيق والبيان (١/ ٨١٧)، البحر المحيط (١/ ٢١٧)، تشنيف المسامع (١/ ٢٧٨)، التحبير (٢/ ٩٦٩).
[ ١١٨ ]
حقيقة الغصب على أصله في قبح الغصب ذاتا، وإن خالف أصله في إحالة تكليف المحال.
(وقيل: مطيع؛ إذ التوبة واجبة، وقد فعلها بأقصى إمكانه، وإلا لزم تكليف المحال) (^١).
والمختار: مطيع حقيقةً (^٢)، عاص انسحابا؛ لتورطه أولا، لا لتكليف (^٣) (^٤).
وكذلك مَنْ تَوَسَّطَ جرحى بحيث لو وقف أو انتقل أهلك: فلا تكليف؛ غير أنَّ المتعمد ينسحب عليه معصية التَّورُّط.
وكذلك النازع مع الفجر؛ إن كان قد خاطر، فسد صومه؛ لتورطه، بخلاف ما لو ظَنَّ السَّلامةَ. وخرجها الفقهاء على أنَّ النَّزع وطء أم لا؟
• مَسْأَلَةٌ (^٥):
قال أبو هاشم: النَّوعُ كالعين، فلا يقبل الضَّدِّينِ.
_________________
(١) ليست في «أ».
(٢) ليست في «أ».
(٣) (أ): (تكليفًا).
(٤) وصرح أبو المعالي بأنه غير منهي عنه عن الخروج، وإن كان عاصيا فيه؛ لأن معصيته فيه مستندة إلى ما اكتسبه أولا من دخول هذه الدار، وحكم تلك المعصية الأولى منسحب على هذه الأخيرة، فصح ارتفاع النهي عن هذا مع إثبات المعصية فيه. المازري.
(٥) انظر: البرهان (١/ ٢١١)، المستصفى (١/ ٢١٣)، التحقيق والبيان (١/ ٨٢٧)، نفائس الأصول (٤/ ١٦٨٣)، شرح الكوكب المنير (١/ ١٦٢).
[ ١١٩ ]
وَرَدَ (^١) عليه: السُّجودُ لله، والسُّجودُ للصنم. قال: الكُلُّ حَسَنٌ، والقبيح: قصد الصنم.
ويعكس عليه، (فيكونُ الكُلُّ [قبيحًا] (^٢)، والحَسَنُ) (^٣): القصدُ لله، ولا تكون الأفعالُ قُرَبًا، وهو خَرْقٌ للإجماع (^٤).
• مَسْأَلَةٌ (^٥):
مثل: «لا صيام» (^٦) ليس نفيًا للحقيقة؛ ضرورة صدق الخبر.
فقيل: غير مُفْهَم.
وقيل: مُتَرَدِّدٌ بين نفي الجواز والكمال.
وقيل: عام فيهما.
وقيل: وفي الحقيقة. وخرجت بالعقل.
_________________
(١) هكذا ضبطها ناسخ الأصل.
(٢) كذا استظهرتها، وجزء من الكلمة مخروم في الأصل.
(٣) قوله: (فيكون الكل قبيحا، والحسن) في «أ»: (فيكون الحسن).
(٤) «أ»: (الإجماع).
(٥) انظر: التقريب (٣/ ٨٨)، البرهان (١/ ٢١١ - ٢١٣)، التحقيق والبيان (١/ ٨٣٠)، الردود والنقود (٢/ ٣٤٧)، رفع النقاب (٤/ ٣١٣).
(٦) حديث: «لا صيام لمن لم يُبَيِّت الصيام من الليل» - وفي لفظ: «مَنْ لم يُجمع الصيام قبل الفجر فلا صيامَ له» - أخرجه أبو داود (٢٤٥٤)، والترمذي (٧٣٠)، وابن ماجه (١٧٠٠)، والنسائي في الصغرى (٢٣٣٦ - ٢٣٤٠) وأحمد (٢٦٤٥٧)، وابن أبي شيبة (٩١١١) وغيرهم من حديث حفصة مرفوعا، وموقوفا وهو أصح. وورد الحديث بألفاظ أخر. انظر: نصب الراية (٢/ ٤٣٣)، الدراية في تخريج أحاديث الهداية (١/ ٢٧٥).
[ ١٢٠ ]
رُدَّ الأول: بالقرينة، وبتصرُّفِ الشّارع.
ورد الثاني: برجحان نفي الجواز.
ورُدَّ العموم: بأنَّه يلزم من نفي الحكم وجود الحقيقة، ومن نفي الكمال وجود الجواز، فالعموم تناقض.
واختار الإمام:
ظُهُوره لنفي الجواز، وتأويله لنفي الكمال.
• مَسْأَلَةٌ (^١):
قيل: الواجب ما يستحق تاركه العقاب.
وزيف: بأنَّ اللهَ لا يُستحق عليه شيء.
فإن قاله معتزلي، نَقَضَ أصله بتركِ (^٢) صغائر الواجبات من المحافظ على جلَّتِها (^٣)، ويلزمهم العفو؛ كارتكاب (^٤) صغائر المنهيَّاتِ مِنْ تاركِ كبائرها (عندهم) (^٥).
وقيل: ما تُوعَدَ بالعقاب على تركه.
_________________
(١) انظر: البرهان (١/ ٢١٣ - ٢١٤)، المستصفى (١/ ١٨٨)، التحقيق والبيان (١/ ٨٤١)، نفائس الأصول (١/ ٢٣٤)، البحر المحيط (١/ ٢٣٣).
(٢) ليست في «أ».
(٣) (أ): (جلها).
(٤) كذا استظهرتها. وموضعها في: «أ» بياض مقدار كلمة.
(٥) ليست في «أ».
[ ١٢١ ]
وزيف بأنَّ الوعيد خبر صدق، فيبطل (^١) العَفْوُ.
وقيل: ما يُخافُ العقاب على تركه.
وزيف بالمشكوك في وجوبه.
فالمختار (^٢): أنَّه المطلوب الذي يُلام تاركه شرعًا.
ولا يَرِدُ ما لم يُعلم وُجُوبُه؛ لأنَّه غير واجب على من لم يعلم.
والمندوب: هو (^٣) المطلوب ولا لوم (^٤).
• مَسْأَلَةٌ (^٥):
لما كان ترك الواجب حرامًا، لزم أن يكون ترك المندوب مكروها.
ولا ينقضه أنَّ تَرْكَ استيعاب الأوقات بالنوافل غير مكروه؛ لأنَّ المراد: غير مكروه بنهي مقصود، وعن ذلك اضطرِب في حَدِّهِ:
فقيل: «ما اختلف في حَظْرِه»؛ وهو أجنبي عن المكروه غير المحظور
_________________
(١) «أ»: (فبطل).
(٢) (أ): (والمختار).
(٣) ليست في «أ».
(٤) المعتمد (١/ ٣٦٧ - ٣٦٨)، البرهان (١/ ٢١٤)، المستصفى (١/ ١٩١)، التحقيق والبيان (١/ ٨٤٦)، البحر المحيط (١/ ٣٧٧)، شرح الكوكب المنير (١/ ٤٠٢).
(٥) انظر: البرهان (١/ ٢١٥ - ٢١٦)، المستصفى (١/ ١٩٢)، التحقيق والبيان (١/ ٨٤٦)، نفائس الأصول (١/ ٢٣٨)، البحر المحيط (١/ ٢٣٩).
[ ١٢٢ ]
إجماعًا، فيخرج (^١).
وقيل: «ما يُخاف العقاب على فعله»؛ وهو كالأول.
والمختار أنَّه (^٢): «ما زجر الشارع عنه ولا لوم».
والمحظور: «ما زجر عنه ولامَ عليه».
والمباح: «ما خير فيه بلا اقتضاء، ولا زجر».