صورتها: أن يتفق الخصمان على حكم صورة، يعلله كُلّ منهما بغير عِلَّة الآخر، بحيث إن بطلت (^٣) عِلَّتُه: مَنَعَ الحَكمَ؛ فالمركَّبُ الحكم خاصَّةً.
غير أن الحكم قد يكون حكم القياس - وهو التركيب في الأصل ـ، وقد يكون وصف القياس - وهو التركيب في الوصف.
* فالأصلي: متفاحش وغيره.
المتفاحِش: «أُنثى فلا تُزوّج نفسها، كابنة خمس عشرة سنة». فامتناع تزويج بنتِ خمس عشرة وفاقٌ، لكنه عند القائس مُعَلَّل بالأنوثة، وعند خصمه مُعَلَّل بالصِّغَرِ؛ فإن قُدّر أنَّها صغيرةٌ، فالصغر مستقل، والأنوثة لغو، فهو كقوله: «مَسَّ، فصار كما لو مَسَّ وبال»؛ فإن أثبت القائسُ أنها كبيرة لتتعين الأنوثة، منع الخصم الحكم؛ فإن أضرب عن الأصل وأثبت عليَّةَ الأنوثة في الفرعِ، نكص للاستدلالِ:
فأبطل المحققون القياس؛ لدورانه بين لغو الوصف ومنع الحكم
_________________
(١) هنا يبدأ السقط في نسخة: «أ».
(٢) انظر: البرهان (٢/ ٧١٢ - ٧٢٠)، المنخول (ص ٣٩٥)، التحقيق والبيان (٤/ ١٠٥).
(٣) في الأصل: (يطلب). ولعل الصواب ما أثبت. اسم الكتاب: الكفيل الوصول إلى ثمرات الأصول (مختصر برهان الجويني) المؤلف: ناصر الدين ابن المنير أحمد بن محمد بن منصور الإسكندراني المالكيّ المحقق مقصد فكرت أوغلوكريموف المراجع إبراهيم بن صالح الخزي الناشر: أسفار لنشر نفيس الكتب والرسائل العلمية دولة الكويت الطبعة الأولى، ١٤٤٢ هـ، ٢٠٢١ م
[ ٢٨٧ ]
والرجوع إلى الاستدلال.
وقبله غيرُهم؛ للاتفاق على الحكم، وألزموا القائسَ إثباتَ عِلَّةِ الأصل؛ فإن عجز: انقطع (^١).
وغير المتفاحِش: «بكر فتُجبَر، كابنة خمس عشرة»، وإجبارها وفاقٌ؛ للصغر عند الحنفي، وللبكارة عند الشافعي؛ فإن قدرت كبيرةً لتتعين البكارة، منع الحنفي الحكم، فأشبهت الأولى؛ فإن قدرت صغيرة، لم يستطع الحنفي إلغاء البكارة؛ لأنَّ الصَّغَرَ عند الشَّافعي ليس عِلَّةً؛ بدليل عدم إجبار الثيِّبِ الصَّغيرة عنده، ففارقت الأولى؛ غير أنه يلغو تعيين خمس عشرة، وهو محل لا علة» (^٢).
***
* والتركيب (^٣) في الوصف: متفاحش وغيره.
المتفاحش:
قولنا في منع قتل المسلم بالذّمِّي: «لا يقتل المسلم قصاصا إذا قَتَلَ الذُّمِّيَّ بالمُثَقَّل، وكذلك (^٤) إذا قتله بالسَّيفِ، كالأب (في ابنه) (^٥)»، فهذا فاسد؛ لأن المثقل إن لم يكن آلة قصاص، فالحاصل قياس المخطئ على
_________________
(١) قارن بالأبياري (٤/ ١٠٩).
(٢) نهاية السقط في نسخة: «أ».
(٣) «أ»: (التركيب).
(٤) «أ»: (فكذلك).
(٥) «أ»: (بابنه).
[ ٢٨٨ ]
المتعمّد؛ وإن كان آلة قصاص، منع الخصم الحكم؛ فبطل القياس على التَّقديرين.
وغَيْرُ المُتَفَاحِشِ:
كقولنا: في الثَّمرة التي لم تُؤَبَّرُ: «يتناولها اسم الشجرة، فتندرج في البيع، أصله: دخولها في الشفعة؛ كالأغصان»، فالمناسبة لائحة بين جُزْئِيَّتها (^١) ودخولها في الشفعة؛ إذِ الشَّفعةُ تخصُّ الثَّوابت (^٢).
فإن قال الخصم: «عِلَّةُ دخولها في الشفعة قطع مُضارَّة المشتري. دليله دخول المأبورةِ في الشُّفعة».
* قلنا: عِلَّتُنا صحت بالمناسبة، وهي العمدة، لا غلطكم في عِلَّةِ الضَّرر المتناقضة، بخلاف المتفاحش؛ فإنَّ عمدَتَهُ غَلَطُ الخصم، (كغلطهم في آلة القَوَدِ، وأنَّى يُستثار فقه الحكم من غلط الخصم) (^٣) في فقهه! فإذا (^٤) منعنا القصاص بين المسلم والذُّمِّي، وفرَضْنا في المسلم والذُّمِّيَّةِ، وقِسنا نفسيهما على طرفيهما، فالقياس صحيح معنوي أو شَبَهِي متعلق بغرض المسألة.
فإن قالوا: «العِلَّةُ في الأطرافِ، أنَّها متبعضة (^٥)، فاعتبر فيها النقصان
_________________
(١) في الأصل: (جزئيها). والمثبت من (أ).
(٢) عبارة البرهان: (لا تختص بالمنقولات)، وفي نسخة: (لا تتعلق)، وهو كالتفسير لكلامه. فمراده من الاختصاص: التعلق. وتعبير ابن المنير بـ: (تخص الثوابت) شارح لـ: «لا تختص - أو: لا تتعلق- بالمنقولات».
(٣) سقطت: «أ».
(٤) «أ»: (وإذا).
(٥) «أ»: (مبعضة).
[ ٢٨٩ ]
والكمال» (^١): فذلك سوء نظر، وغرضنا حاصل بدونه.
فهذا منتهى القول في التركيب صحة وفسادًا.
ومن لواحقه: التَّعديةُ، وتَرِدُ مِنْ المعترض إيذانًا بأن منازعته في العِلَّةِ لم تكن (^٢) مراءً، بل اعتقادًا، ولهذا فرع عليها، كما فرع (^٣) المستدلّ على علته؛ وليس اعتراضا على التركيب، ولكن تَبَرُّوا عن المراء.
فالملخص أنَّ التركيب ثلاثة:
١ - مردود جدلًا واجتهادا، وهو ما إذا جعل دليله غلط الخصم في المسألة، كالقياس على بنتِ خمس عشرة.
٢ - ومقبول فيهما، فهو (^٤) إذا اعتمد على المناسبة، وكان الأصل إجماعيًا، كقياس النفس على الطَّرفِ.
٣ - ومقبول جدلًا، وهو إذا اعتمد على المناسبة، وكان الأصل بوفاقِ الخصمين.
***
_________________
(١) قارن بالأبياري (٤/ ١١٨).
(٢) «أ»: (يكن).
(٣) «أ»: (يفرع).
(٤) «أ»: (وهو).
[ ٢٩٠ ]