واعلم أن خبر الواحد ما انحط عن حد التواتر وهو ضربان مسند ومرسل. فأما المرسل فله باب يجيء إن شاء الله تعالى. وأما المسند فضربان:
أحدهما: يوجب العلم وهو على أوجه منها خبر الله ﷿ وخبر رسول الله ﷺ، ومنها أن يحكي الرجل بحضرة رسول الله ﷺ شيئا ويدعي علمه فلا ينكر عليه فيقطع به على صدقه؛ ومنها أن يحكي الرجل شيئا بحضرة جماعة كثيرة ويدعي علمهم فلا ينكرونه فيعلم بذلك صدقه، ومنها خبر الواحد الذي تلقته الأمة بالقبول فيقطع بصدقه سواء عمل الكل به أو عمل البعض وتأوله البعض فهذه الأخبار توجب العمل ويقع العلم بها استدلالا.
والثاني: يوجب العمل ولا يوجب العلم وذلك مثل الأخبار المروية في السنن والصحاح وما أشبهها. وقال بعض أهل العلم: توجب العلم وقال بعض المحدثين ما يحكى إسناده أوجب العلم وقال النظام يجوز أن يوجب العلم إذا قارنه سبب مثل أن يرى رجل مخرق الثياب فيجيء ويخبر بموت قريب له وقال القاشاني وابن داود: لا يوجب العلم وهو مذهب الرافضة ثم اختلف هؤلاء فمنهم من قال: العقل يمنع العمل به ومنهم من قال العقل لا يمنع إلا أن الشرع لم يرد به فالدليل على أنه لا يوجب العلم أنه لو كان
[ ٧٢ ]
يوجب العلم لوقع العلم بخبر كل مخبر ممن يدعي النبوة أو مالا على غيره ولما لم يقع العلم بذلك دل على انه لا يوجب العلم. وأما الدليل على أن العقل لا يمنع من التعبد به هو أنه إذا جاز التعبد بخبر المفتي وشهادة الشاهد ولم يمنع العقل منه جاز بخبر المخبر وأما الدليل على وجوب العمل به من جهة الشرع أن الصحابة ﵃ رجعت إليهما في الأحكام فرجع عمر إلى حديث حمل بن مالك في دية الجنين وقال: لو لم نسمع هذا لقضينا بغيره ورجع عثمان كرم الله وجهه في السكنى إلى حديث فريعة بنت مالك وكان علي كرم الله وجهه يرجع إلى أخبار الآحاد ويستظهر فيها باليمين وقال إذا حدثني أحد عن رسول الله ﷺ أحلفته فإذا حلف لي صدقته إلا أبا بكر وحدثني أبو بكر وصدق أبو بكر، ورجع ابن عمر إلى خبر رافع بن خديج في المخابرة ورجعت الصحابة إلى حديث عائشة ﵂ في التقاء الختانين، فدل على وجوب العمل به.
فصل
ولا فرق بين أن يرويه واحد أو اثنان وقال أبو علي الجبائي: لا يقبل حتى يرويه اثنان عن اثنين وهذا خطأ لأنه إخبار عن حكم شرعي فجاز قبوله من واحد كالفتيا.
فصل
ويجب العمل به فيما تعم به البلوى وفيما لا تعم وقال أصحاب أبي حنيفة ﵀ لا يجوز العمل به فيما تعم به البلوى والدليل على فساد ذلك أنه حكم شرعي يسوغ فيه الاجتهاد فجاز إثابته بخبر الواحد قياسا على ما لا تعم به البلوى.
فصل
ويقبل أن خالف القياس ويقدم عليه وقال أصحاب مالك ﵀: إذا خالف القياس لم يقبل. وقال أصحاب أبي حنيفة ﵁: إذا خالف
[ ٧٣ ]
القياس الأصول لم يقبل وذكروا ذلك في خبر التفليس والقرعة والمصراة والدليل على أصحاب مالك أن الخبر يدل على قصد صاحب الشرع بصريحه والقياس يدل على قصده بالاستدلال والصريح أقوى فيجب أن يكون بالتقديم أولى. وأما أصحاب أبي حنيفة ﵀ فإنهم إن أرادوا بالأصول القياس على ما ثبت بالأصول فهو الذي قاله أصحاب مالك وقد دللنا على فساده، وإن أرادوا نفس الأصول التي هي الكتاب والسنة والإجماع فليس معهم في المسائل التي ردوا فيها خبر الواحد كتاب ولا سنة ولا إجماع فسقط ما قالوه.
[ ٧٤ ]
﵁ استئناسا بها لا أنها حجة، فأما إذا قال أخبرني الثقة عن الزهري فهو كالمرسل لأن الثقة مجهول عندنا فهو بمنزلة من لم يذكره أصلا وأما خبر العنعنة إذا قال أخبرنا مالك عن الزهري فهو مسند ومن الناس من قال حكمه حكم المرسل وهذا خطأ لأن الظاهر أنه سماع عن الزهري وإن كان بلفظ العنعنة فوجب أن يقبل.
فصل
وأما إذا قال أخبرني عمر بن شعيب عن أبيه١ عن جده عن النبي ﷺ فيحتمل أن يكون ذلك عن الجد الأدنى وهو محمد بن عبد الله بن عمرو فيكون مرسلا ويحتمل أن يكون عن جده الأعلى فيكون مسندا فلا يحتج به لأنه يحتمل الإرسال والإسناد فلا يجوز إثباته بالشك إلا أن يثبت أنه ليس يروي إلا عن جده الأعلى فحينئذ يحتج به.
_________________
(١) ١ أبوه محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص.
[ ٧٥ ]