وأما المجمل فهو ما لا يعقل معناه من لفظه ويفتقر في معرفة المراد إلى غيره وذلك على وجوه:
منها أن يكون اللفظ لم يوضع للدلالة على شيء بعينه كقوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ ١ وكقوله ﷺ: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها" فإن الحق مجهول الجنس والقدر فيفتقر إلى البيان.
فصل
ومنها أن يكون اللفظ في الوضع مشتركا بين شيئين كالقرء يقع على الحيض ويقع على الطهر فيفتقر إلى البيان.
_________________
(١) ١ سورة الأنعام الآية: ١٤١.
[ ٤٩ ]
فصل
ومنها أن يكون اللفظ موضوعا لجملة معلومة إلا أنه دخلها استثناء مجهول كقوله ﷿: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ﴾ ١ فإنه قد صار مجملا بما دخله من الاستثناء ومن هذا المعنى العموم إذا علم أنه مخصوص ولم يعلم ما خص منه فهذا أيضا مجمل لأنه لا يمكن العمل به قبل معرفة ما خص منه.
فصل
ومن ذلك أيضا أن يفعل رسول الله ﷺ فعلا يحتمل وجهين احتمالا واحدا مثل ما روي أنه جمع في السفر فإنه مجمل لأنه يجوز أن يكون في سفر طويل أو في سفر قصير فلا يجوز حمله على أحدهما دون الآخر إلا بدليل. وكذلك إذا قضى في عين تحتمل حالين احتمالا واحدا مثل أن يروي أن الرجل أفطر فأمره النبي ﷺ بالكفارة فهو مجمل فإنه يجوز أن يكون أفطر بجماع ويجوز أن يكون أفطر بأكل فلا يجوز حمله على أحدهما دون الآخر إلا بدليل فهذه الوجوه لا يختلف المذهب في إجمالها وافتقارها إلى البيان.
فصل
واختلف المذهب في ألفاظ فمنها قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا﴾ ٢ وفيه قولان قال في أحدهما هو مجمل لأن الله تعالى أحل البيع وحرم الربا، والربا هو الزيادة وما من بيع إلا وفيه زيادة وقد أحل الله البيع وحرم الربا فافتقر إلى بيان ما يحل مما يحرم. وقال في القول الثاني ليس بمجمل وهو الأصح لأن البيع معقول في اللغة فحمل على العموم إلا فيما خصه لدليل.
_________________
(١) ١ سورة المائدة الآية: ١. ٢ سورة البقرة الآية: ٢٧٥.
[ ٥٠ ]
فصل
ومنها الآيات التي ذكر فيها الأسماء الشرعية وهو قوله ﷿: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ ١ وقوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ ٢ وقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ ٣ فمن أصحابنا من قال: هي عامة غير مجملة فتحمل الصلاة على كل دعاء والصوم على كل إمساك والحج على كل قصد إلا ما قام الدليل عليه وهذه طريقة من قال ليس في الأسماء شيء منقول، ومنهم من قال: هي مجملة لأن المراد بها معان لا يدل اللفظ عليها في اللغة وإنما تعرف من جهة الشرع فافتقر إلى البيان كقوله ﷿: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ ٤ وهذه طريقة من قال: إن هذه الأسماء منقولة وهو الأصح.
فصل
ومنها الألفاظ التي علق التحليل والتحريم فيها على أعيان كقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ ٥ فقال بعض أصحابنا: إنها مجملة لأن العين لا توصف بالتحليل والتحريم وإنما الذي يوصف بذلك أفعالنا وأفعالنا غير مذكورة فافتقر إلى بيان ما يحرم من الأفعال مما لا يحرم، ومنهم من قال إنها ليست بمجملة وهو الأصح لأن التحليل والتحريم في مثل هذا إذا أطلق عقل منها التصرفات المقصودة في اللغة، ألا ترى أنه إذا قال لغيره حرمت عليك هذا الطعام عقل منه تحريم الأكل وما عقل المراد من لفظه لم يكن مجملا.
فصل
وكذلك اختلفوا في الألفاظ التي تتضمن نفيا وإثباتا كقوله ﵌: "إنما الأعمال بالنيات" وقوله ﷺ: "لا نكاح إلا بولي" وما أشبهه فمنهم من قال: إن ذلك مجمل لأن الذي نفاه هو
_________________
(١) ١ سورة البقرة الآية: ٤٣، والآية: ١١٠. ٢ سورة البقرة الآية: ١٨٥. ٣ سورة آل عمران الآية: ٩٧. ٤ سورة الأنعام الآية: ١٤١. ٥ سورة المائدة الآية: ٣.
[ ٥١ ]
العمل والنكاح وذلك موجود فيجب أن يكون المراد به نفي صفة غير مذكورة فافتقر إلى بيان تلك الصفة، ومنهم من قال: ليس بمجمل وهو الأصح لأن صاحب الشرع لا ينفي ولا يثبت المشاهدات وإنما ينفي ويثبت الشرعيات فكأنه قال لا عمل في الشرع إلا بنية ولا نكاح في الشرع إلا بولي وذلك معقول من اللفظ فلا يجوز أن يكون مجملا.
فصل
وكذلك اختلفوا في قوله ﷺ: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان" فمنهم من قال: هو مجمل لأن الذي رفعه هو الخطأ وذلك موجود فيجب أن يكون المراد بها معنى غير مذكور فافتقر إلى البيان، ومنهم من قال غير مجمل هو الأصح لأنه معقول المعنى في اللغة ألا ترى أنه إذا قال لعبده رفعت عنك جنايتك عقل منه رفع المؤاخذة بكل ما يتعلق بالجناية من التبعات فدل على أنه مجمل.
فصل
وأما المتشابه فاختلف أصحابنا فيه فمنهم من قال: هو والمجمل واحد. ومنهم من قال: المتشابه ما استأثر الله تعالي بعلمه وما لم يطلع عليه أحدا من خلقه. ومن الناس من قال: المتشابه هو القصص والأمثال والحكم والحلال والحرام. ومنهم من قال: المتشابه الحروف المجموعة في أوائل السور كـ "المص" و"المر" وغير ذلك والصحيح هو الأول لأن حقيقة المتشابه ما اشتبه معناه وأما ما ذكروه فلا يوصف بذلك.
[ ٥٢ ]