لكن جاء دليل معارض لهذه العزيمة وهو أرجح منه فعمل به وتُسمى رخصة، وتقدَّم أنَّ هناك فرقًا بين الرُّخصة في اصطلاح الأصوليين وفي الاستعمال الشرعي.
قَوْلُهُ: «والنَّاسي والمخطئ والمكره لا إثم عليهم».
المراد بالنَّاسي: من علم الشيء وذهل عنه.
والمخطئ: من أراد شيئًا ففعل غيره بلا قصد، وله معانٍ أخرى، لكن هذا هو المراد بكلام المصنف في هذا الموضع كبقية الأصوليين.
والمُكْره: هو من أُلْزِم على فعل شيء ففعله مُلْزمًا.
قوله: «لا إثم عليهم». أي أنَّ الإثم مرتفع عنهم، أما دليل النَّاسي والمخطئ فقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾، جاء في صحيح مسلم (١٢٦) أنَّ الرسول - ﷺ - قال: قال الله تعالى: «قد فعلت».
أما دليل المكره فقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾
قَوْلُهُ: «ولا يترتَّب على فعلهم فساد عبادة».
أي: لو فعل المخطئ أو النَّاسي أو المكره فعلًا يُفسِد العبادة فإنَّ عبادته لا تَفْسد، وذلك كأكل الصائم وشربه نسيانًا، لما أخرج الشيخان عن أبي هريرة
[ ٣٩ ]
- ﵁ - أنَّ الرسول - ﷺ - قال: «من نسي وهو صائم، فأكل أو شرب، فليتم صومه، فإِنَّما أطعمه الله وسقاه» (^١).
والمخطئ كالنَّاسي في الأحكام الشرعية، وكذلك المكره بجامع أنَّهم لم يتعمدوا الفعل لذات الإفساد.
قَوْلُهُ: «ولا إلزام لهم بعقد».
أي كما لا تفسد عبادتهم، فكذلك لو عقدوا عقدًا فإنَّه غير لازم، لأنَّهم معذورون.
قَوْلُهُ: «والنَّاسي والمخطئ يضمنان ما أتلفاه من النُّفوس والأموال».
الإتلاف أمرٌ متعدٍ وألزمته الشريعة صاحب الغنم المفرط، ولم يذكر المصنف المكره؛ لأنَّ الضمان ليس عليه، وإنَّما على من أكرهه كما بيَّنه في الشرح.
قوله: «من النُّفوس والأموال». الأصل - والله أعلم - أن يُعَمَّم ولا يُخصَّص بالأموال، بل يُقال: في كلِّ ما أتلفا، ليدخل في ذلك ما أتلَفه المحرِم من شَعْر وقلمه من أظفار، فقد ذهبت المذاهب الأربعة في أنَّ عليه كفارة (^٢)، وهو
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٩٣٣)، ومسلم (١١٥٥)، واللفظ لمسلم.
(٢) ينظر: الاستذكار (٤/ ١٦٠)، والمجموع (٧/ ٣٣٩)، والمغني (٣/ ٤٢٩).
[ ٤٠ ]