ويذكر العلماء مثالًا على هذا: وهو أنَّه لو كان لرجل امرأة محرَّمة عليه برضاع، وكانت هذه المرأة في قرية وهو لا يعرِفها بعينها، فإنَّ جميع نساء هذه القرية محرَّمات عليه؛ لما تقدَّم ذكره.
ومن أمثلة ذلك: ما لو اشتبه على مضطَّر أكل لحم الخنزير بلحم غنم.
وقول المصنف: «في غير الضَّرورة» هذا من باب التأكيد، وإلَّا فهو معلوم؛ وذلك أنَّ جميع المحرَّمات ترتفع مع الضَّرورة، ومن ذلك المحرَّمات لذاتها، فالمحرَّمات لغيرِها من باب أولى.
قَوْلُهُ: «والأمر يقتضي الفورية».
أي: يقتضي المبادرة لتحصيل المأمور وإيجاده، ولو تأخَّر بِلا عذر فإنَّه آثِم؛ ويدُلُّ لذلك قوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا﴾، وقوله تعالى: ﴿سَابِقُوا﴾.
قَوْلُهُ: «والحكمة الشرعية، ويقال لها العلَّة: هي المعنى المناسب الذي شُرع الحكم لأجله».
العلَّة من حيث المعنى هي سبب الحكم، فبوجودها يُوجد الحكم وبزوالها يزولُ الحكم، وهذا معنى قول العلماء: «الحكم يدور مع العلة وجودًا وعدمًا».
وظاهر كلام العلامة بن سعدي أنَّه لا يُفرِّق بين العلَّة والحكمة.
[ ٣٤ ]
والصواب: أنَّ بينهما فرقًا، وذلك أنَّ العلة ما تقدَّم ذكره، أما الحكمة فهي معنى من معاني الحُكم، لكن ليس الحُكم معلَّقًا بالحكمة، وذلك مثل السَّفر الطَّويل، فإنَّه علَّة لقصر الصلاة، فإذا انتفى السَّفر الطَّويل وجب إتمام الصلاة، وإذا وُجِد السَّفر الطَّويل استُحِبَّ قَصْر الصلاة، فصار القصر يدور مع السفر الطويل وجودًا وعدمًا، بخِلاف المشقة فإنَّها معنى من معاني قصر الصلاة في السَّفر، فهي حكمة، فلو انتفت المشقة في السفر الطويل فإنَّ الصلاة تقصر، ولو وُجِدَت المشقة في الحضر فإنَّ الصَّلاة لا تُقْصر، فإِذن هي حكمة وليست علَّة.