الباب التاسع في كيفية الاستدلال بخطاب الله وخطاب رسوله ﷺ على الأحكام وفيه مسائل المسألة الأولى في أنه لا يجوز أن يتكلم الله تعالى بشئ ولا يعني به شيئا والخلاف فيه مع الحشوية
[ ٣٨٥ ]
لنا وجهان أحدهما أن التكلم بما لا يفيد شيئا هذيان وهو نقص والنقص على الله تعالى محال وثانيها أن الله تعالى وصف القرآن بكونه هدى وشفاء وبيانا وذلك لا يحصل بما لا يفهم معناه
واحتج المخالف بأمور أحدها أنه جاء في القرآن ما لا يفيد كقوله كهيعص وما يشبهه وقوله كأنه رءوس الشياطين وقوله فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة فقوله عشرة كاملة لا يفيد فائدة زائدة وقوله فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة وقوله لا تتخذوا إليهن اثنين
[ ٣٨٦ ]
وثانيها أن الوقف على قوله تعالى وما يعلم تأويله إلا الله واجب ومتى كان ذلك كذلك لزم القول بأن الله تعالى قد تكلم بما لا يفهم منه شئ بيان الأول أننا لو لم نقف هناك بل وقفنا على قوله والراسخون في العلم فاذا ابتدأنا بقوله يقولون آمنا كان المراد منه قائلين آمنا به كل من عند ربنا ويصير ذلك عائدا إلى المذكورات السالفة فيصير المعنى كأن الله تعالى قال الراسخون في العلم قالوا آمنا به كل من عند ربنا وذلك غير جائز على الله تعالى فثبت أن الوقف على قوله تعالى وما يعلم تأويله إلا الله واجب وإذا ثبت ذلك ظهر أنا لا نعلم تأويل المتشابهات وثالثها أن الله تعالى خاطب الفرس بلغة العرب مع أنهم لا يفهمون شيئا منها وإذا جاز ذلك فليجز مطلقا
[ ٣٨٧ ]
والجواب عن الأول أن لأهل التفسير فيها أقوالا مشهورة والحق فيها أنها أسماء السور
وأما روس الشياطين فقيل إن العرب كانوا يستقبحون ذلك المتخيل ويضربون به المثل في القبح وأما قوله عشرة كاملة فذلك للتأكيد وهو الجواب أيضا عن سائر الآيات وعن الثاني أن موضع الوقف قوله والراسخون في العلم وما ذكرو من الاشكال فغايته أنه عام خص منه البعض بدليل العقل لامتناع عود ذلك الضمير إلى الله تعالى وعن الثالث أن للفرس طريقا إلى معرفة الخطاب بالرجوع إلى العرب المسألة الثانية في أنه لا يجوز أن يعني بكلامه خلاف ظاهره ولا يدل عليه ألبتة والخلاف فيه مع المرجئة
[ ٣٨٨ ]
لنا أن اللفظ الخالي عن البيان أبدا يكون بالنسبة إلى غير ظاهره مهملا وقد بينا أن التكلم بالمهمل غير جائز على الله تعالى فإن قيل ان عنيت بالمهمل ما لا فائدة فيه ألبتة فلا نسلم أن الأمر كذلك لأنه تعالى اذا تكلم بما ظاهره يقتضي الوعيد مع أنه لا يريد ذلك حصل منه تخويف الفساق والتخويف يمنعهم من الاقدام فقد حصلت هذه الفائدة وإن عنيت به أنه لا يحصل منه فائدة الإفهام فهو مسلم
[ ٣٨٩ ]
لكن لم قلت إن ما يكون كذلك فإنه غير جائز على الله تعالى فإن هذا أول المسألة والجواب لو فتحنا هذا الباب لما بقي الاعتماد على شئ من خبر الله وخبر رسوله صلى الله عليه وأله وسلم لأنه ما من خبر إلا ويحتمل أن يكون المقصود منه أمرا وراء الإفهام ومعلوم أن ذلك ظاهرا الفساد والله أعلم المسألة الثالثة في أن الاستدلال بالخطاب هل يفيد القطع أم لا منهم من أنكره وقال إن الاستدلال بالأدلة اللفظية مبني على مقدمات ظنية والمبني على المقدمات الظنية ظني فالاستدلال بالخطاب لا يفيد إلا الظن وإنما قلنا إنه مبني على مقدمات ظنية لأنه مبني على نقل اللغات ونقل النحو والتصريف وعدم الاشتراك والمجاز والنقل والاضمار
[ ٣٩٠ ]
والتخصيص والتقديم والتأخير والناسخ والمعارض وكل ذلك أمور ظنية أما بيان أن نقل اللغات ظني فلأن المرجع فيه إلى أئمة اللغة وأجمع العقلاء على أنهم ما كانوا بحيث يقطع بعصمتهم فنقلهم لا يفيد إلا الظن وتمام الكلام في هذا المقام قد تقدم وأما النحو والتصريف فالمرجع في اثباتهما إلى أشعار المتقدمين إلا أن التمسك بتلك الأشعار مبني على مقدمتين ظنيتين احداهما أن هذه الأشعار رواها الآحاد ورواية الآحاد لا تفيد إلا الظن
وأيضا إن الذين رووها روايتهم مرسلة لا مسندة والمرسل غير مقبول عند الأكثرين إذا كان خبرا عن رسول الله صلى الله عليه وأله وسلم فكيف اذا كان خبر عن شخص لا يؤبه له ولا يلتفت إليه وثانيهما هب أنه صح هذا الشعر عن هذا الشاعر لكن لم قلت إن ذلك الشاعر لا يلحن أقصى ما في الباب أنه عربي لكن العربي قد يلحن في العربية كما أن الفارسي قد يلحن كثيرا في الفارسية
[ ٣٩١ ]
والذي يؤيد هذا الاحتمال أن الأدباء لحنوا أكابر شعراء الجاهلية كامرئ القيس وطرفة ولبيد واذا كانوا معترفين بأنهم قد لحنوا فكيف يجوز التعويل في تصحيح الألفاظ واعرابها في قولهم ذكر القاضي أبو الحسن على بن عبد العزيز الجرجاني في الكتاب الذي صنفه في الوساطة بين المتنبي وخصومه أن امرأ القيس أخطأ في قوله يا راكبا بلغ اخواننا من كان من كندة أو وائل
[ ٣٩٢ ]
فنصب بلغ وفي قوله فاليوم اشرب غير مستحقب إثما من الله ولا واغل فسكن أشرب وقوله
لها متنان خظاتا كما أكب على ساعديه النمر
[ ٣٩٣ ]
فأسقط النون من خظاتا بغير اضافة وقول لبيد تراك أمكنة إذا لم أرضها أو يرتبط بعض النفوس حمامها
[ ٣٩٤ ]
فسكن يرتبط ولا عمل للم فيه وقوله طرفة قد رفع الفخ فماذا تحذري فحذف النون
[ ٣٩٥ ]
وقول الأسدي كنا نرقعها فقد مزقت واتسع الخرق على الراقع
[ ٣٩٦ ]
..فسكن نرقع وقول الفرزدق وعض زمان يا ابن مروان لم يدع من المال إلا مسحتا أو مجلف
[ ٣٩٨ ]
فضم مجلف وقول ذي الخرق الطهوي
[ ٣٩٩ ]
يقول الخنا وأبغض العجم ناطقا إلى ربنا صوت الحمار اليجدع فأدخل الألف واللام على الفعل وقول رؤية أقفرت الوعثاء والعثاعث ما من بعدهم والبرق البوارث
[ ٤٠٠ ]
وإنما هي البرارث لا جمع برث وهي الأماكن السهلة من الأرض وقوله أيضا قد شفها اللوح بما زول أن ضيق ففتح الياء فهذه وأمثالها كثيرة
[ ٤٠١ ]
وجرى بين الفرزدق وبين عبد الله بن اسحاق الحضرمي في إقوائه على وفي لحنه في قوله فلو كان عبد الله مولى هجوته ولكن عبد الله مولى مواليا ففتح الياء من موالي في حال الجر وجرى له مع عنبسة الفيل النحوي
[ ٤٠٢ ]
حتى قال فيه لقد كان في معدان للفيل شاغل لعنبسة الراوي علي القصائدا وكان القدماء يتبعون أشعار الأوائل من لحن وغلط وإحالة وفساد معنى وقال الأصمعي في الكميت إنه جرمقاني من جرامقة الشام لا يحتج
بشعره وأنكر من شعر الطرماح ولحن ذا الرمة
[ ٤٠٣ ]
ثم ان القاضي على بن عبد العزيز طول في هذا المعنى وفي هذا القدر كفاية ومن أراد الاستقصاء فليطالع ذلك الكتاب وعند هذا نقول المرجع في صحة اللغات والنحو والتصريف إلى هؤلاء الأدباء واعتمادهم على تصحيح الصحيح منها وإفساد الفاسد على أقوال هؤلاء الأكابر من شعراء الجاهلية والمخضرمين واذا كان الأدباء قدحوا فيهم وبينوا لحنهم وخطأهم في اللفظ والمعنى والإعراب ف مع هذا كيف يمكن الرجوع إلى قولهم والاستدلال بشعرهم أقصى ما في الباب أن يقال هذه الأغلاط نادرة والنادر لا عبرة به لكنا نقول النادر لا يقدح في الظن لكن لا شك أنه يقدح في اليقين لقيام الاحتمال في كل واحد من تلك الألفاظ والاعرابات أنه من ذلك اللحن النادر فثبت أن المقصد الأقصى في صحة اللغة والنحو والتصريف الظن
[ ٤٠٤ ]
الظن الثاني عدم الاشتراك فإن بتقدير الاشتراك يجوز أن يكون مراد الله تعالى من هذا الكلام غير هذا المعنى الذي اعتقدناه لكن نفي الاشتراك ظني الظن الثالث عدم المجاز فإن حمل اللفظ على حقيقته إنما يتعين لو لم يكن محمولا على مجازه لكن عدم المجاز مظنون الظن الرابع أنه لا بد من عدم النقل فإن بتقدير أن يقال الشرع
أو العرف نقله من معناه اللغوي إلى معنى آخر كان المراد هو المنقول إليه لا ذلك الأصل الظن الخامس أنه لا بد من عدم الإضمار فانه لو كان الحق هو لكان المراد هو ذلك الذي يدل عليه اللفظ بعد الإضمار لا هذا الظاهر الظن السادس عدم التخصيص وتقريره ظاهر
[ ٤٠٥ ]
الظن السابع عدم الناسخ ولا شك في كونه محتملا في الجملة وبتقدير وقوعه لم يكن الحكم ثابتا الظن الثامن عدم التقديم والتأخير ووجهه ظاهر الظن التاسع نفي المعارض العقلي فإنه لو قام دليل قاطع عقلي على نفي ما أشعر به ظاهر النقل فالقول بهما محال لاستحالة وقوع النفي والاثبات والقول بارتفاعهما الله محال لاستحالة عدم النفي والاثبات والقول بترجيح النقل على العقل محال لأن العقل أصل النقل فلو كذبنا العقل لكنا كذبنا أصل النقل ومتى كذبنا أصل النقل فقد كذبنا النقل فتصحيح النقل بتكذيب العقل يستلزم تكذيب النقل فعلمنا أنه لا بد من ترجيح دليل العقل فإذا رأينا دليلا نقليا فإنما يبقى دليلا عند السلامة عن
[ ٤٠٦ ]
هذه الوجوه التسعة ولا يمكن العلم بحصول السلامة عنها إلا إذا قيل بحثنا واجتهدنا فلم نجدها لكنا نعلم أن الاستدلال بعدم الوجدان على عدم الوجود لا يفيد إلا الظن
فثبت أن التمسك بالأدلة النقلية مبني على مقدمات ظنية والمبني على الظني ظني وذلك لا شك فيه فالتمسك بالدلائل النقلية لا يفيد إلا الظن فإن قلت المكلف إذا سمع دليلا نقليا فلو حصل فيه شئ من هذه المطاعن لوجب في حكمه الله أن يطلعه على ذلك قلت القول بالوجوب على الله تعالى مبني على قاعدة الحسن والقبح العقليين وقد تقدم القول فيها سلمنا ولكننا نقطع بأنه لا يجب على الله تعالى أن يطلعه على
[ ٤٠٧ ]
ذلك لما أنا نجد كثيرا من العلماء يسمعون آية أو خبرا مع أنهم لا يعرفون ما في نحوها ولغتها وتصريفها من الاحتمالات التسعة التي ذكرناها وانكار ذلك مكابرة ولو كان ذلك واجبا لما كان الأمر كذلك فعلمنا ضعف هذا العذر وفيه وجوه أخر من الفساد ذكرناها في الكتب الكلامية واعلم أن الانصاف أنه لا سبيل إلى استفاد ة اليقين من هذه الدلائل اللفظية إلا إذا اقترنت بها قرائن تفيد اليقين سواء كانت تلك القرائن مشاهدة أو كانت منقولة الينا بالتواتر المسألة الرابعة في كيفية الاستدلال بالخطاب
[ ٤٠٨ ]
الخطاب إما أن يدل على الحكم بلفظه أو بمعناه أو لا يكون كذلك ولكنه بحيث لو ضم إليه شئ آخر لصار المجموع دليلا على
الحكم القسم الأول ما يدل عليه بلفظه وقد عرفت أنه يجب حمل اللفظ على الحقيقة وعرفت أن الحقيقة ضربان أصلية وهي اللغوية وطارئة قال وهي العرفية والشرعية فإن كان الخطاب مستعملا في اللغة في شئ وفي العرف في شئ آخر ولم يخرج بالعرف عن أن يكون حقيقة في المعنى اللغوي فإنه يكون مشتركا بينهما وإن صار مجازا في المعنى اللغوي وجب حمله على العرفي لأنه هو المتبادر إلى الفهم ويجب مثل هذا في الاسم المنقول إلى معنى شرعي فالحاصل أن الخطاب يجب حمله على المعنى الشرعي ثم العرفي ثم المعنى اللغوي الحقيقي ثم المجاز فإن خاطب الله تعالى طائفتين بخطاب هو حقيقة عند
[ ٤٠٩ ]
احداهما في شئ وعند الأخرى في شئ آخر وجب أن تحمله كل واحدة منهما على ما تتعارفه والالزم أن يقال أن الله تعالى خاطبه بغير ما هو ظاهر عنده مع عدم القرينة والله أعلم بالصواب القسم الثاني ما يدل عليه بمعناه وهو الدلالة الالتزامية وقد ذكرنا في الباب الثاني أقسام الدلالة الالتزامية القسم الثالث ما يكون بحيث لو ضم إليه شئ آخر لصار المجموع دليلا على الحكم
فنقول ذلك الذي يضم إليه إما أن يكون دليلا شرعيا وهو نص أو إجماع أو قياس أويكون ذلك بشهادة حال المتكلم فهذه وجوه أربعة أحدها أن ينضم إلى النص آخر فيصير مجموعهما دليلا على الحكم وله مثالان
[ ٤١٠ ]
الأول أن يدل أحد النصين على إحدى المقدمتين والثاني على الثانية فيحصل المطلوب كقولنا تارك المأمور عاص لقوله تعالى أفعصيت أمري والعاصي يستتحق عن العقاب لقوله تعالى ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها الثاني أن يدل أحد النصين على ثبوت الحكم لشيئين ويدل النص الآخر على أن بعض ذلك لأحدهما فوجب القطع بأن باقي الحكم ثابت للثاني كقوله تعالى وحمله وفصاله ثلاثون شهرا فهذا يدل على أن مدة الحمل والرضاع ثلاثون شهرا وقوله تعالى والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين فهذا يدل على أن مدة الرضاع سنتان فيلزم أن تكون مدة الحمل ستة أشهر وثانيها أن يضم إلى النص اجماع كما إذا دل النص على أن الخال لا يرث ودل الاجماع على أن الخالة بمثابته
[ ٤١١ ]
وثالثها أن يضم إلى النص قياس كما إذا دل النص على حرمة الربا في البر ودل القياس على أن التفاح بمثابته
ورابعها أن يضم إلى النص شهادة حال المتكلم كما إذا كان كلام الشرع مترددا بين الحكم العقلي والشرعي فحمله على الشرعي أولى لأن النبي ﵌ بعث لبيان الشرعيات لا لبيان ما يستقل العقل بإدراكه هذا إذا كان الخطاب مترددا بينهما أما إذا كان ظاهر هـ مع أحدهما لم يصح الترجيح بذلك والله أعلم المسألة الخامسة في الخطاب الذي لا يمكن حمله على ظاهره هذا الخطاب إما أن يكون خاصا أو عاما فان كان خاصا وكان حقيقة في شئ ثم وجدت قرينة تصرفه عنه فإما أن تدل القرينة على أن المراد ليس ظاهره أو تدل على أن المراد
[ ٤١٢ ]
غير ظاهره أو على أن المراد ظاهره وغير ظاهره معا فإن دل على أن المراد ليس ظاهره خرج الظاهر عن أن يكون مرادا فيجب حمله على المجاز ثم إن المجاز إما أن يكون واحدا أو أكثر فإن كان واحدا حمل اللفظ عليه من غير افتقار إلى دلالة أخرى صونا للكلام عن الإلغاء وإن كان أكثر من واحد فإما أن يدل دليل في واحد معين على أنه مراد أو على أنه ليس بمراد أو لا يدل الدليل في واحد معين لا بكونه مرادا ولا بكونه غير مراد
فإن دل الدليل على أنه مراد قضي به وإن دل الدليل على أنه غير مراد فإن لم يبق إلا وجه واحد حمل عليه وإن بقي أكثر من واحد كان القول فيه كما إذا لم يوجد الدليل على كونه مرادا ولا على كونه غير مراد وهذا هو القسم الثالث فنقول وجوه المجاز إما أن تكون محصورة أو غير محصورة فإن لم تكن محصورة فقال القاضي عبد الجبار لا بد من دلالة تدل على المراد لأنه لا يجوز أن يريدها أجمع مع تعذر حصرها علينا قال أبو الحسين ولقائل أن يقول إنه أرادها كلها على البدل لأن
[ ٤١٣ ]
ذلك ممكن مع فقد الدلالة ومع فقد الحصر فإنه تعالى لو أوجب علينا ذبح بقرة فإنا نكون مخيرين في ذبح أي بقرة شئنا وإن لم يمكنا حصر البقر فأما من لا يجيز أن يراد بالكلمة الواحدة معنيان مختلفان فيجيئ على مذهبه أنه لا بد من دلالة تدل على المراد بعينه لأن اللفظ ما وضع للتخيير وأما إن كانت وجوه المجاز محصورة فإن كان البعض أقوى من الباقي حمل على الأقوى رعاية لزيادة القوة وإن تساوت حمل اللفظ عليها بأسرها على البدل أما على الكل فلأنه ليس حمل الخطاب على البعض أولى من الباقي وأما على البدل فلأن الخطاب ليس بعام حتى يحمل على الجميع هذا على قول من يجوز استعمال اللفظ المشترك في مفهوميه فأما من لا يجوزه فإنه يقول لا بد من البيان القسم الأول
وهو أن يدل الدليل على أن غير الظاهر مراد فذلك الدليل إما أن يعين ذلك الغير أو لا يعينه
[ ٤١٤ ]
فإن عينه وجب حمله عليه وإن لم يعينه فالقول فيه كما في القسم الأول القسم الثاني وهو أن يدل دليل على أن ظاهر الخطاب مراد وغير ظاهره مراد فإن كان ذلك الغير معينا وجبت الحمل عليه فيكون اللفظ موضوعا لهما من جهة اللغة أو من جهة الشرع أو تكلم بالكلمة مرتين وان لم يتعين ذلك الغير فالكلام فيه كما في القسم الأول أما إن كان الخطاب عاما فإن تجرد عن القرينة حمل على العموم وان لم يتجرد فهذا يقع على وجوه أحدها أن تدل القرينة على أن المراد ظاهره وغير ظاهره معا فإن كان ذلك الغير معنيا حمل اللفظ عليه على التفصيل المذكور وان لم يكن معينا فالكلام فيه كما في الخاص إذا دلت الدلالة على أن المراد غير ظاهره وثانيها أن يدل الدليل على أن المراد ليس ظاهره وأن المراد
[ ٤١٥ ]
غير ظاهره فها هنا لا بد أن يوجد الدليل على التعيين لأنه إذا لم يكن المراد ظاهره جاز أن يكون المراد بعض ما يتناوله وجاز أن يكون المراد شيئا آخر لم يتناوله الخطاب فاذا لم يصح اجتماعهما فلا بد من دليل يعين المراد وثالثها أن يدل الدليل على أن بعضه مراد وهذا لا يقتضي
خروج البعض الآخر عن أن يكون مرادا لأنه لا ينافي ذلك فان دل على أن المراد هو البعض خرج البعض الآخر عن كونه مرادا لأن ذلك اخبار بأن ذلك البعض هو كمال المراد ورابعها أن يدل الدليل على أن بعضه ليس بمراد وحينئذ يخرج عن كونه مرادا ويبقى ما عداه تحت ذلك الخطاب والله أعلم
[ ٤١٦ ]
المسألة السادسة في أن ثبوت حكم الخطاب اذا تناوله على وجه المجاز لا يدل على أنه مراد بالخطاب مثاله قوله تعالى أو لامستم النساء فإن قيام الدلالة على وجوب التيمم على المجامع وهو الذي تناوله اسم الملامسة على طريق الكناية هل يدل على أنه هو المراد بالآية فذهب الكرخي وأبو عبد الله البصري إلى أنه واجب وعندنا أنه ليس بواجب لنا المقتضى لاجراء الآية على ظاهرها موجود والمعارض الموجود وهو ثبوت حكم الخطاب فيما تناوله على وجه المجاز لا يصلح معارضا له لاحتمال ثبوته بدليل آخر أوجب اجراء الآية على ظاهرها
[ ٤١٧ ]
واحتجوا بأن ثبوت الحكم في صورة المجاز لا بد له من دليل ولا دليل سوى هذا الظاهر وإلا لنقل واذا حمل الظاهر على مجازه وجب أن لا يحمل على الحقيقة لامتناع استعمال اللفظ في مجازه وحقيقته معا
كونه مرادا ويبقى ما عداه تحت ذلك الخطاب والله أعلم
[ ٤١٨ ]
المسألة السادسة في أن ثبوت حكم الخطاب اذا تناوله على وجه المجاز لا يدل على أنه مراد بالخطاب مثاله قوله تعالى أو لامستم النساء فإن قيام الدلالة على وجوب التيمم على المجامع وهو الذي تناوله اسم الملامسة على طريق الكناية هل يدل على أنه هو المراد بالآية فذهب الكرخي وأبو عبد الله البصري إلى أنه واجب وعندنا أنه ليس بواجب لنا المقتضى لاجراء الآية على ظاهرها موجود والمعارض الموجود وهو ثبوت حكم الخطاب فيما تناوله على وجه المجاز لا يصلح معارضا له لاحتمال ثبوته بدليل آخر أوجب اجراء الآية على ظاهرها
[ ٤١٧ ]
واحتجوا بأن ثبوت الحكم في صورة المجاز لا بد له من دليل ولا دليل سوى هذا الظاهر وإلا لنقل واذا حمل الظاهر على مجازه وجب أن لا يحمل على الحقيقة لامتناع استعمال اللفظ في مجازه وحقيقته معا والجواب لا نسلم أنه لا دليل سوى هذا الظاهر قوله لو وجد لنقل قلنا لعلهم استغنوا بالاجماع عن نقله والله أعلم.
[ ٤١٨ ]
بسم الله الرحمن الرحيم جميع الحقوق محفوظة للناشر الطبعة الثالثة ١٤١٨ هـ / ١٩٩٧ م حقوق الطبع محفوظة ١٩٩٢ م.
لا يسمح بإعادة نشر هذا الكتاب أو أي جزء منه بأي شكل من الأشكال أو حفظه ونسخه في أي نظام ميكانيكي أو إلكتروني يمكن من استرجاع الكتاب أو أي جزء منه.
ولا يسمح باقتباس أي جزء من الكتاب أو ترجمته إلى أي لغة أخرى دون الحصول على إذن خطي مسبق من الناشر.
[ ٢ / ٤ ]
المحصول في علم أصول الفقه للامام الأصولي النظار المفسر فخر الدين محمد بن عمر بن الحسين الرازي ٥٤٤ - ٦٠٦ هـ / ١١٤٩ - ١٢٠٩ م دراسة وتحقيق الدكتور طه جابر فياض العلواني الجزء الثاني
مؤسسة الرسالة
[ ٢ / ٥ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
[ ٢ / ٦ ]