أما المقدمة ففيها ثلاثة مسائل المسألة الأولى في تفسير لفظتي الحقيقة والمجاز في أصل اللغة أما الحقيقة فهي فعلية من الحق ويجب البحث ها هنا عن أمرين أحدهما أن الحق في اللغة هو الثابت لأنه يذكر في مقابلته الباطل فإذا كان الباطل هو المعدوم وجب أن يكون الحق هو الثابت وثانيهما البحث عن وزن الفعيلة وفيه أيضا بحثان الأول أن الفعيل قد يكون بمعنى المفعول وقد يكون بمعنى الفاعل فعلى التقدير الأول معنى الحقيقة المثبتة وعلى التقدير الثاني الثابتة الثاني أن الياء في الفعلية لنقل اللفظ من الوصفية إلى الاسمية الصرفة فلا يقال شاة أكيلة ونطيحة
[ ٢٨٥ ]
وأما المجاز فهو مفعل من الجواز الذي هو التعدي في قولهم جزت موضع كذا أو من الجواز الذي هو قسيم الوجوب والامتناع وهو في التحقيق راجع إلى الأول لأن الذي لا يكون واجبا ولا ممتنعا كان مترددا بين الوجود والعدم فكأنه ينتقل من الوجود إلى العدم أو من العدم إلى الوجود فاللفظ المستعمل في غير موضوعه الأصلي شبيه بالمنتقل عن موضوعه فلا جرم سمي مجازا المسألة الثانية
في حد الحقيقة والمجاز أحسن ما قيل في ما ذكره أبو الحسين وهو أن الحقيقة ما أفيد بها ما وضعت له في أصل الاصطلاح الذي وقع التخاطب به وقد دخل فيه لحقيقة اللغوية والعرفية والشرعية والمجاز ما أفيد به معنى مصطلح عليه غير ما اصطلح عليه في أصل تلك المواضعة التي وقع التخاطب بها لعلاقة بينه وبين الأول وهذا القيد الأخير لم يذكره أبو الحسين ولا يد منه فإنه لولا العلاقة لما كان مجازا بل كان وضعا جديدا وقوله معنى مصطلح عليه إنما يصح على قول من يقول المجاز لا بد فيه من الوضع فأما من لم يقل به فيجب عليه حذفه
[ ٢٨٦ ]
وأما قوله غير ما اصطلح عليه في أصل تلك المواضعة ففيه سؤال وذلك أنه يقتضي خروج الاستعارة عن حد المجاز بيانه أنا إذا قلنا على وجه الاستعارة رأيت أسدا فالتعظيم الحاصل من هذه الاستعارة ليس لأنا سميناه باسم الأسد ألا ترى أنا لو جعلنا الأسد علما له لم يحصل التعظيم ألبتة بل التعظيم إنما حصل لأنا قدرنا في ذلك الشخص صيرورته في نفسه أسدا لبلوغه في الشجاعة التي هي خاصية الأسد إلى الغاية القصوى فلما قدرنا أنه صار أسدا في نفسه أطلقنا عليه اسم الأسد وعلى هذا التقدير لا يكون اسم الأسد مستعملا في غير موضوعه الأصلي وجوابه أنه يكفي في تحصيل التعظيم أن يقدر أنه حصل له من القوة مثل ما للأسد فيكون استعمال لفظ الأسد فيه استعمالا للفظ في
غير موضوعه الأصلي وأعلم أن الناس ذكروا في تعريف الحقيقة والمجاز وجوها فاسدة أحدها ما ذكره أبو عبد الله البصري ألا وهو أن الحقيقة ما انتظم لفظها معناها من غير زيادة ولا نقصان ولا نقل
[ ٢٨٧ ]
والمجاز هو الذي لا ينتظم لفظه معناه إما لزيادة أو لنقصان أو لنقل فالذي يكون للزيادة هو الذي ينتظم عند اسقاط الزيادة كقوله تعالى ليس كمثله شئ فإنا لو أسقطنا الكاف استقام المعنى والذي يكون للنقصان هو الذي ينتظم الكلام عند الزيادة كقوله تعالى واسئل القرية ولو قيل واسئل أهل القرية صح الكلام والذي يكون لأجل النقل قوله رأيت أسدا وهو يعني الرجل الشجاع وأعلم ان هذا التعريف خطأ لأن المجاز بالزيادة والنقصان إنما كان مجازا لأنه نقل عن موضوعه الأصلي إلى موضوع آخر في المعنى وفي الاعراب وإذا كان كذلك لم يجز جعلهما قسمين في مقابلة النقل أما في المعنى فلأن قوله تعالى ليس كمثله شئ يفيد نفي مثل مثله وهو باطل لأنه يقتضي نفيه تعالى تعالى الله عن ذلك إلا أنه نقل عن هذا المعنى إلى نفي المثل وكذلك قوله تعالى واسئل القرية موضوع لسؤال القرية وقد نقل إلى أهلها
[ ٢٨٨ ]
وأما في الاعراب فلأن الزيادة والنقصان متى لم يغير اعراب الباقي لم يكن ذلك مجازا فإنك إذا قلت جاءني زيد وعمرو فهو في الأصل جاءني زيد وجاءني عمرو إلا أنه حذف أحد اللفظين لدلالة الثاني عليه لكن لما لم يكن الحذف سببا لتغيير الإعراب لم يحكم عليه بكونه مجازا وهكذا الكلام في جانب الزيادة وأما إذا أوجبا تغيير الاعراب كانا مجازين وذلك إنما يتحقق عند نقل اللغة اللفظة من اعراب إلى اعراب آخر وثانيها أيضا ما ذكره أبو عبد الله البصري ثانيا فقال الحقيقة ما أفيد بها ما وضعت له والمجاز ما أفيد به غير ما وضع له وهذا أيضا باطل أما قوله في الحقيقة إنها ما أفيد بها ما وضعت له فباطل لأنه يدخل في الحقيقة ما ليس منها لأن لفظة الدابة إذا استعملت في الدودة والنملة فقد أفيد بها ما وضعت له في أصل اللغة مع أنه بالنسبة إلى
[ ٢٨٩ ]
الوضع العرفي مجاز فقد دخل المجاز العرفي فيما جعله حدا لمطلق الحقيقة وهو باطل وقوله في المجاز إنه الذي أفيد به غير ما وضع له فهو باطل بالحقيقة العرفية والشرعية فإن اللفظة أفيد بها والحالة هذه غير ما وضعت له في أصل اللغة فقد دخلت هذه الحقيقة في المجاز وأيضا فقوله ما أفيد به غير ما وضع له إما أن يكون المراد منه أنه أفيد
به غير ما وضع له بدون القرينة أو مع القرينة والأول باطل لأن المجاز لا يفيد ألبتة بدون القرينة والثاني ينتقض بما إذا استعمل لفظ السماء في الأرض فان اللفظ قد أفيد به غير ما وضع له مع أنه ليس ب مجاز فيه وأيضا ينتقض بالأعلام المنقولة فإن قلت العلم لا يفيد قلت حق إن العلم لا يفيد في المسمى صفة وليس بحق إنه لا يفيد أصلا بل هو يفيد عين تلك الذات لكنه لا يفيد صفة في الذات وثالثها ما ذكره ابن جني وهو أن الحقيقة ما أقر في الاستعمال ع لى أصل وضعه في اللغة والمجاز ما كان بضد ذلك
[ ٢٩٠ ]
وهذا ضعيف لأن ما ذكره في حد الحقيقة تخرج عنه الحقيقة الشرعية والعرفية وهما يدخلان فيما جعله حد المجاز وأيضا فقوله والمجاز ما كان بضد ذلك معناه أن المجاز هو الذي ما أقر في الاستعمال على أصل وضعه في اللغة وهو باطل وإلا لكان استعمال لفظ الأرض في السماء مجازا ورابعها ما ذكره عبد القاهر النحوي ﵀ فقال الحقيقة كل كلمة أريد بها عين ما وقعت له في وضع واضع وقوعا لا يستند فيه إلى غيره كالأسد للبهيمة المخصوصة والمجاز كل كلمة أريد بها غير ما وقعت له في وضع واضعها لملاحظة بين الأول والثاني
[ ٢٩١ ]
وهذا التعريف أيضا ليس بجيد لأنه يقتضي خروج الحقيقة الشرعية والعرفية عن حد الحقيقة ودخولهما في حد المجاز وهو غير جائز المسألة الثالثة في أن لفظتي الحقيقة والمجاز بالنسبة إلى المفهومين المذكورين حقيقة أو مجاز الحق أن هاتين اللفظتين في هذين المفهومين مجازان بحسب أصل اللغة حقيقتان بحسب العرف بيان الأول أما في الحقيقة فلأنا بينا أنها مأخوذة من الحق وبينا أن الحق حقيقة في الثابت ثم إنه نقل إلى العقد المطابق لأنه أولى بالوجود من العقد غير المطابق ثم نقل إلى القول المطابق لعين هذه العلة ثم نقل إلى استعمال اللفظ في موضوعه الأصلي لأن استعماله فيه تحقيق لذلك الوضع فظهر أنه مجاز واقع في الرتبة الثالثة بحسب اللغة الأصلية
[ ٢٩٢ ]
وأما المجاز فإطلاقه على المعنى المذكور على سبيل المجاز أيضا لوجهين الأول هو أن حقيقته العبور والتعدي وذلك إنما يحصل في انتقال الجسم من حيز إلى حيز فأما في الألفاظ فلا فثبت أن ذلك إنما يكون على سبيل التشبيه الثاني هو أن المجاز مفعل وبناء المفعل حقيقة إما في المصدر أو في الموضع فأما الفاعل فليس حقيقة فيه فاطلاقه على اللفظ المنتقل لا يكون إلا مجازا
هذا إذا قلنا إن المجاز مأخوذ من التعدي وأما إذا قلنا إنه مأخوذ من الجواز كان حقيقة لا مجازا لأن الجواز كما يمكن حصوله في الأجسام يمكن حصوله في الأعراض
[ ٢٩٣ ]
فاللفظ يكون موضوعا لذلك الجواز لأنه موضوع لجواز أن يستعمل في غير معناه الأصلي فيكون حقيقة من هذين الوجهين إلا أنا قد ذكرنا أن الجواز إنما سمي جوازا مجازا عن معنى العبور والتعدي والله أعلم بالصواب
[ ٢٩٤ ]