القسم الأول في أحكام الحقيقة وفيه مسائل المسألة الأولى في اثبات الحقيقة اللغوية والدليل عليه أن ها هنا ألفاظا وضعت لمعان ولا شك أنها قد استعملت بعد وضعها فيها ولا معنى للحقيقة إلا ذلك واحتج الجمهور عليه بأن اللفظ إن استعمل في موضوعه الأصلي فهو الحقيقة وان استعمل في غير موضوعه الأصلي كان مجازا لكن المجاز فرع الحقيقة ومتى وجد الفرع وجد الأصل فالحقيقة موجودة لا محالة وهذا ضعيف لأن المجاز لا يستدعي إلا مجرد كونه موضوعا قبل ذلك لمعنى
آخر وستعرف أن اللفظ في الوضع الأول لا يكون حقيقة ولا مجازا فالمجاز غير متوقف على الحقيقة
[ ٢٩٥ ]
المسألة الثانية في الحقيقة العرفية اللفظة العرفية هي التي انتقلت عن مسماها إلى غيره بعرف الاستعمال ثم ذلك العرف قد يكون عاما وقد يكون خاصا ولا شك في إمكان القسمين إنما النزاع في الوقوع فنقول أما القسم الأول فالحق أن تصرفات أهل العرف منحصرة في أمرين أحدهما أن يشتهر المجاز بحيث يستنكر معه استعمال الحقيقة ثم للمجاز جهات كما سيأتي تفصيلها ان شاء الله تعالى منها حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه كاضافتهم ثنا الحرمة إلى الخمر وهي في الحقيقة مضافة إلى الشرب ومنها تسميتهم الشئ باسم شبيهه كتسميتهم حكاية كلام زيد بأنه كلام زيد ومنها تسميتهم الشئ باسم ما له به تعلق كتسميتهم قضاء الحاجة بالغائط الذي هو المكان المطمئن من الأرض وكتسميتهم المزادة بالرواية التي هي اسم الجمل الذي يحملها وثانيهما تخصيص الاسم ببعض مسمياته كالدابة فإنها مشتقة من
[ ٢٩٦ ]
الدبيب ثم إنها اختصت ببعض البهائم والملك مأخوذ من الألوكة وهي الرسالة ثم اختص ببعض الرسل والجن مأخوذ من الاجتنان به ثم اختص ببعض من يستتر عن العيون وكذا القارورة والخابية موضوعتان لما يستقر فيه الشئ وتخبأ فيه ثم خصصا بشئ معين فالتصرف الواقع على هذين الوجهين هو الذي ثبت من أهل العرف ف أما على غير هذين الوجهين فلم يثبت عنهم فلا يجوز إثباته والذي يدل على وجود هذا القدر من التصرف أن علامات الحقيقة كما سنذكرها حاصلة في هذه الألفاظ عرفا فوجب كونها حقيقة فيه
[ ٢٩٧ ]
وأما القسم الثاني وهو العرف الخاص فهو ما لكل طائفة من العلماء من الاصطلاحات التي تخصهم كالنقض والكسر والقلب والجمع والفرق للفقهاء والجوهر والعرض والكون للمتكلمين والرفع والنصب والجر للنحاة ولا شك في وقوعه المسألة الثالثة في الحقيقة الشرعية وهي اللفظة التي استفيد من الشرع وضعها للمعنى سواء كان المعنى واللفظ مجهولين عند أهل اللغة أو كانا معلومين لكنهم لم يضعوا ذلك الاسم لذلك المعنى أو كان أحدهما مجهولا والآخر معلوما واتفقوا على إمكانه واختلفوا في وقوعه
فالقاضي أبو بكر منع منه مطلقا
[ ٢٩٨ ]
والمعتزلة أثبتوه مطلقا وزعموا أنها منقسمة إلى أسماء أجريت على الأفعال وهي الصلاة والزكاة والصوم وغيرها وإلى أسماء أجريت على الفاعلين كالمؤمن والفاسق والكافر وهذا الضرب يسمى بالأسماء الدينية تفرقة بينهما وبين ما أجريت على الأفعال وإن كان الكل على السواء في أنه عرف شرعي والمختار إن اطلاق هذه الألفاظ على هذه المعاني على سبيل المجاز من الحقائق اللغوية لنا أن إفادة هذه الألفاظ لهذه المعاني لو لم تكن لغوية لما كان القرآن كله عربيا وفساد اللازم يدل على فساد الملزوم أما الملازمة فلأن هذه الألفاظ مذكورة في القرآن فلو لم تكن إفادتها لهذه المعاني عربية لزم أن لا يكون القرآن كله عربيا
[ ٢٩٩ ]
وأما فساد اللازم فلقوله تعالى قرآنا عربيا وقوله تعالى وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه فإن قيل هذا الدليل فاسد الوضع لأنه يقتضي أن تكون هذه الألفاظ مستعملة في عين ما كان العرب يستعملونها فيه وبالاتفاق ليس كذلك فإن الصلاة لا يراد بها في الشرع نفس الدعاء أو المتابعة فقط فإذن ما يقتضيه هذا الدليل لا تقولون به وما تقولون به لا يقتضيه هذا الدليل فكان فاسدا
سلمنا أنه ليس فاسد الوضع، لكن الملازمة ممنوعة.
بيانه: أن إفادة هذه الألفاظ لهذه المعاني وإن لم تكن عربية لكنها في الجملة ألفاظ عربية فإنهم كانوا يتكلمون بها في الجملة وإن كانوا يعنون بها غير هذه المعاني واذا كان كذلك كانت هذه الألفاظ عربية سلمنا أنها إذا استعملت في غير معانيها العربية لا تكون عربية لكن لم يلزم أن لا يكون القرآن عربيا
[ ٣٠٠ ]
بيانه أن هذه الألفاظ قليلة جدا فلا يلزم خروج القرآن بسببها عن كونه عربيا فإن الثور الأسود لا يمتنع إطلاق اسم الأسود عليه لوجود شعرات بيض في جلده والشعر الفارسي يسمى فارسيا وان وجدت فيه كلمات كثيرة عربية سلمنا ذلك لكن لم لا يجوز خروج كل القرآن عن كونه عربيا وأما الآيات فهي لا تدل على أن القرآن بكليته عربي لأن القرآن يقال بالاشتراك على مجموعه وعلى كل بعض منه لأربعة أوجه أحدها لو حلف أن لا يقرأ القرآن فقرأ آية حنث في يمينه ولولا أن الآية مسماة بالقرآن وإلا لما حنث الثاني أن الدليل يقتضي أن يسمى كل ما يقرأ قرآنا لأنه مأخوذ من القرأة أو القرء وهو الجمع خالفناه فيما عدا هذا الكتاب فنتمسك به في الكتاب بمجموعه وأجزائه
[ ٣٠١ ]
الثالث أنه يصح أن يقال هذا كل القرآن وهذا بعض القرآن ولو لم
يكن القرآن إلا اسما للكل لكان الأول تكرار والثاني نقضا الرابع قوله تعالى في سورة يوسف إنا أنزلناه قرآنا عربيا والمراد منه تلك السورة فثبت أن بعض القرآن قرآن وإذا ثبت هذا لم يلزم من كون القرآن عربيا كونه بالكلية كذلك سلمنا أن ما ذكرتم من الدليل يقتضي كون القرآن بالكلية عربيا لكنه معارض بما يدل على أنه ليس بالكلية عربيا فإن الحروف المذكورة في أوائل السور ليست عربية والمشكاة من لغة الحبشة والاستبرق والسجيل فارسيتان هذا معربتان ثم والقسطاس من لغة الروم
[ ٣٠٢ ]
سلمنا أن ما ذكرتموه يدل على مذهبكم لكنه معارض بأدلة أخرى من حيث الاجمال والتفصيل أما الاجمال فهو أنه قد ثبت بالشرع معان لم تكن ثابتة قبله وما لم يكن معقولا للعرب لا يجوز أن يضعوا له اسما وذا لم يكن لها شئ من الأسامي واحتيج إلى تعريفها فلا بد من وضع الأسامي لها كالولد الحادث والأداة الحادثة أما التفصيل فهو أن يتبين في كل واحد من هذه الألفاظ أنها مستعلمة لا في معانيها الأصلية أما الإيمان فهو في أصل اللغة عبارة عن التصديق وفي الشرع عبارة عن فعل الواجبات ويدل عليه ثمانية أوجه الأول أن فعل الواجبات هو الدين والدين هو الاسلام والاسلام هو الايمان ففعل الواجبات هو الايمان
[ ٣٠٣ ]
وإنما قلنا إن فعل الواجبات هو الدين لقوله تعالى وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة فقوله وذلك دين القيمة يرجع إلى كل ما تقدم فيجب أن يكون كل ما تقدم دينا وإنما قلنا إن الدين هو الإسلام لقوله تعالى إن الذين عند الله الإسلام وإنما قلنا إن الاسلام هو الايمان لوجهين أحدهما أن الايمان لو كان غير الاسلام لما كان مقبولا ممن ابتغاه لقوله تعالى ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه والثاني أنه تعالى استثنى المسلمين من المؤمنين في قوله تعالى فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين ولولا الاتحاد لما صح الاستثناء الثاني قوله تعالى وما كان الله ليضيع إيمانكم قيل صلاتكم الثالث قوله تعالى إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله إلى آخر الآية ثم إن الله تعالى أمر الرسول ﷺ في
[ ٣٠٤ ]
آخر هذه الآية ان يستغفر لهم والفاسق لا يستغفر له الرسول حال كونه فاسقا بل يلعنه ويذمه فدل على أنه غير مؤمن الرابع أن قاطع الطريق يخزى يوم القيامة والمؤمن لا يخزى يوم القيامة فقاطع الطريق ليس بمؤمن
أما الأول فلأن الله تعالى يدخله النار يوم القيامة وكل من كان كذلك فقد أخزي أما الأول فلقوله تعالى في صفتهم ولهم في الآخرة عذاب عظيم وأما الثاني فلقوله تعالى حكاية عنهم ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته ولم يكذبهم فدل على صدقهم فيه وإنما قلنا إن المؤمن لا يخزى يوم القيامة لقوله تعالى يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه الخامس لو كان الايمان في عرف الشرع عبارة عن التصديق لما صح وصف المكلف به إلا في الوقت الذي يكون مشتغلا به على ما مر بيانه في باب الاشتقاق لكن ليس كذلك لأن من أتى بأفعال الايمان ولم يحبطها يقال إنه مؤمن بل حال كونه نائما يوصف بأنه مؤمن السادس يلزم أن يوصف بالايمان كل مصدق بأمر من الأمور سواء كان مصدقا بالله تعالى أو بالجبت والطاغوت
[ ٣٠٥ ]
السابع من علم بالله تعالى ثم سجد للشمس وجب أن يكون مؤمنا وبالاجماع ليس كذلك الثامن قوله تعالى وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون أثبت الايمان مع الشرك والتصديق بوحدانية الله لا يجامع الشرك فالايمان غير التصديق أما الصلاة فهي في أصل اللغة أما للمتابعة كما يسمى الطائر الذي يتبع السابق مصليا
وإما للدعاء كما في قول الشاعر وصلى على دنها وارتسم أو لعظم الورك كما قال بعضهم الصلاة إنما سميت صلاة لأن العادة في الصلاة أن يقف المسلمون صفوفا فإذا ركعوا كان رأس أحدهم عند صلا الآخر وهو عظم الورك
[ ٣٠٦ ]
ثم إنها في الشرع لا تفيد شيئا من هذه المعاني الثلاثة لوجهين الأول أنا إذا أطلقناها لم يخطر ببال السامع شئ من هذه الثلاثة ومن شأن الحقيقة المبادرة إلى الفهم الثاني أن صلاة الامام والمنفردة صلاة ولم يوجد فيها شئ من المتابعة ولا يكون رأسه عند عظم ورك غيره واذا انتقل الانسان من الدعاء إلى غيره لا يقال إنه فارق صلاته ولأن صلاة الأخرس صلاة ولا دعاء فيها فدل على أن هذه اللفظة غير مستعملة في معانيها اللغوية وأما الزكاة فإنها في اللغة للنماء والزيادة وفي الشرع لتنقيص المال على وجه مخصوص وأما الصوم فإنه في اللغة لمطلق الامساك وفي الشرع للامساك المخصوص ولا يتبادر الذهن عند سماعه إلى مطلق الامساك والجواب قوله الدليل فاسد الوضع لأنه يقتضي كون هذه الألفاظ موضوعة في المعاني التي كانت العرب يستعملونها فيها
قلنا هذا الدليل يقتضي كون هذه الألفاظ مستعملة في المعاني التي كانت
[ ٣٠٧ ]
العرب يستعملونها فيها على سبيل الحقيقة فقط أو سواء كانت حقيقة أو مجازا الأول ممنوع والثاني مسلم بيانه أن العرب كما كانوا يتكلمون بالحقيقة كانوا يتكلمون بالمجاز ومن المجازات المشهورة تسميتهم الشئ باسم جزئه كما يقال للزنجي إنه أسود والدعاء أحد أجزاء هذا المجموع المسمى بالصلاة بل هو الجزء المقصود لقوله تعالى وأقم الصلاة لذكري ولأن المقصود من الصلاة التضرع والخضوع فلا جرم لم يكن اطلاق لفظ الصلاة عليه خارجا عن اللغة فإن كان مذهب المعتزلة في هذه الأسماء الشرعية ذلك فقد ارتفع النزاع وإلا فهو مردود بالدليل المذكور فإن قلت من شرط المجاز اللغوي تنصيص أهل اللغة على تجويزه وها هنا لم يوجد ذلك لأن هذه المعاني كانت معقولة لهم فكيف يمكن أن يقال إنهم جوزوا نقل لفظ الصلاة من الدعاء الذي هو أحد أجزاء هذا المجموع إليه قلت لا نسلم أن شرط حسن استعمال المجاز تصريح أهل اللغة بجوازه
[ ٣٠٨ ]
سلمنا ذلك إلا أنهم صرحوا بأن اطلاق اسم الجزء على الكل على سبيل المجاز جائز فدخلت هذه الصورة فيه قوله افادة هذه اللفظة لهذا المعنى وإن لم تكن عربية فلم لا يجوز
أن يقال هذه اللفظة عربية قلنا لأن كون اللفظة عربية ليس حكما حاصلا لذات اللفظة من حيث هي هي بل حيث هي دالة على المعنى المخصوص فلو لم تكن دلالتها على معناها عربية لم تكن اللفظة عربية قوله اشتمال القرآن على ألفاظ قليلة لا يخرجه عن كونه عربيا قلنا لا نسلم فإنه لما وجد فيه ما لا يكون عربيا وان كان في غاية القلة لم يكن المجموع عربيا وأما الثور الأسود الذي توجد فيه شعرة واحدة بيضاء والقصيدة الفارسية التي يوجد فيها ألفاظ عربية فلا نسلم جواز اطلاق الأسود والفارسي على مجموعهما على سبيل الحقيقة والدليل عليه جواز الاستثناء ولولا أنه يمجموعه رسول لا يسمى بهذا الاسم حقيقة وإلا لما جاز الاستثناء قوله القرآن اسم لمجموع الكتاب أوله ولبعضه قلنا بل للمجموع بدليل إجماع الأمة على أن الله تعالى ما
[ ٣٠٩ ]
أنزل إلا قرآنا واحدا ولو كان لفظ القرآن حقيقة في كل بعض منه لما كان القرآن واحدا وما ذكروه من الوجوه الأربعة معارض بما يقال في كل آية وسورة إنه من القرآن وإنه بعض القرآن قوله وجد في القرآن ألفاظ عربية قلنا لا نسلم أما الحروف المذكورة في أوائل السور فعندنا أنها أسماء السور وأما المشكاة والقسطاس والاستبرق فلا مانع من كونها
عربية وإن كانت موجودة في سائر اللغات فإن توافق اللغات غير ممتنع سلمنا أنها ليست بعربية لكن العام إذا خص يبقى حجة فيما وراءه قوله هذه المسميات حدثت فلا بد م حدوث اسمائها قلنا لم لا يكفي فيها المجاز وهو تخصيص هذه الألفاظ المطلقة ببعض مواردها فإن الإيمان والصلاة والصوم كانت موضوعة لمطلق التصديق والدعاء والامساك ثم تخصصت بسبب الشرع بتصديق معين ودعاء معين وامساك معين والتخصيص لا يتم إلا بادخال قيود زائدة على الأصل وحينئذ يكون اطلاق اسم المطلق على المقيد اطلاقا لاسم الجزء على الكل وأما الزكاة فإنها من المجاز الذي ينقل فيه اسم المسبب إلى السبب
[ ٣١٠ ]
والجواب عن المعارضة الأولى أنا لا نسلم أن فعل الواجبات هو الدين أما قوله تعالى وذلك دين القيمة فنقول لا يمكن رجوعه إلى ما تقدم لوجهين أحدهما أن ذلك لفظ الوجدان فلا يجوز صرفه إلى الأمور الكثيرة والثاني أنه من ألفاظ الذكران فلا يجوز صرفه إلى إقامة الصلاة وإذا كان كذلك فلا بد من إضمار شئ آخر وهو أن يقولوا ذلك الذي أمرتم به دين القيمة وإذا كان كذلك فليسوا بأن يضمروا ذلك أولى منا بأن نضمر شيئا آخر وهو أن نقول معناه أن ذلك الاخلاص أو ذلك التدين دين القيمة ويكون قوله تعالى مخلصين له الدين دالا
على الاخلاص واذا تعارض الاحتمالات فعليهم الترجيح وهو معنا لأن إضمارهم يؤدي إلى تغيير اللغة واضمارنا ولا يؤدي إلى عدم التغيير والجواب عن الثاني أنا لا نسلم أن المراد في قوله تعالى وما كان الله
[ ٣١١ ]
ليضيع إيمانكم أي صلاتكم إلى بيت المقدس بل المراد منه موضوعه اللغوي وهو التصديق بوجوب تلك الصلاة وعن الثالث لا نسلم أن كلمة إنما للحصر سلمناه لكنه معارض بآيات منها ما يدل على أن محل الايمان هو القلب وذلك يدل على مغايرة الايمان لعمل الجوارح قال تعالى أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وقلبه مطمئن بالإيمان يشرح صدره للإسلام وكان النبي ﵌ يقول يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك
[ ٣١٢ ]
ومنها الآيات الدالة على أن الأعمال الصالحة أمور مضافة إلى الإيمان قال الله تعالى الذين آمنوا وعملوا الصالحات ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا ومن يأته مؤمنا قد عمل الصالحات فمن يعمل من الصالحات وهو مؤمن ومنها الآيات الدالة على مجامعة الايمان مع المعاصي قال الله تعالى الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا وهذا هو الجواب عن سائر الآيات التي تمسكوا بها
والجواب عن الخامس أن ما ذكروه لازم عليهم لأنه قد يسمى مؤمنا حال كونه غير مباشر لأعمال الجوارح
[ ٣١٣ ]
والجواب عن السادس أنا نعترف بأن الايمان في عرف الشرع ليس ل مطلق التصديق بل التصديق الخاص وهو تصديق محمد صلى الله عليه وأله وسلم في كل أمر ديني علم بالضرورة مجيئه به وهو الجواب عن السابع والثامن وأما الذي احتجوا به من أن الصلاة والصوم غير مستعملين في موضوعيهما اللغويين فمسلم ولكنهما مستعملان في أمور هي مجازات بالنسبة إلى تلك الموضوعات الأصلية وهم ما أقاموا الدلالة على فساده والله أعلم فروع على القول بالنقل الأول النقل خلاف الأصل ويدل عليه أمور أحدها أن النقل لا يتم إلا بثبوت الوضع اللغوي ثم نسخه ثم ثبوت الوضع الآخر وأما الوضع اللغوي فإنه يتم بوضع واحد وما يتوقف على ثلاثة أشياء مرجوح بالنسبة إلى ما لا يتوقف إلى على شئ واحد
[ ٣١٤ ]
وثانيها أن ثبوت الحكم في الحال يفيد ظن البقاء على ما سنقيم الدليل عليه في باب الاستصحاب وذلك يدل على أن البقاء على الوضع الأول أرجح وثالثها أنه لو كان احتمال بقاء اللغة على الوضع الأصلي معارضا لاحتمال
التغيير لما فهمنا عند التخاطب شيئا إلا إذا سألنا في كل لفظة هل بقيت على وضعها الأول واذا لم يكن كذلك ثبت ما قلناه الفرع الثاني لا شك في ثبوت الألفاظ المتواطئة في الاسماء الشرعية واختلفوا في وقوع الأسماء المشتركة والحق وقوعها لأن لفظ الصلاة مستعمل في معان شرعية لا يجمعها جامع لأن اسم الصلاة يتناول ما لا قراءة فيه كصلاة الأخرس وما لا سجود فيه ولا ركوع كصلاة الجنازة وما لا قيام فيه كصلاة القاعد والصلاة بالايماء على مذهب الشافعي ﵁ ليس فيها شئ من ذلك وليس بين هذه الأشياء قدر مشترك يجعل مسمى الصلاة فيها حقيقة
[ ٣١٥ ]
وأما المترادف فالأظهر أنه لم يوجد لأنه ثبت أنه على خلاف الأصل فيقدر بقدر الحاجة الفرع الثالث كما وجد الاسم الشرعي فهل وجد الفعل الشرعي والحرف الشرعي الأقرب أنه لم يوجد أما أولا فبالإستقراء لم وأما ثانيا فلأن الفعل صيغة دالة على وقوع المصدر بشئ غير معين في زمان معين فإن كان المصدر لغويا استحال كون الفعل شرعيا وإن كان شرعيا وجب كون الفعل أيضا شرعيا تبعا لكون المصدر شرعيا فيكون كون الفعل شرعيا أمرا حصل بالعرض لا بالذات الفرع الرابع في أن صيغ العقود انشاءات حدثنا ام إخبارات
[ ٣١٦ ]
لا شك أن قوله نذرت وبعت واشتريت صيغ الأخبار في اللغة وقد تستعمل في الشرع أيضا للإخبار وإنما النزاع في أنها حيث تستعمل لاستحداث الأحكام إخبارات أم إنشاءآت ابن والثاني هو الأقرب لوجوه الأول أن قوله أنت طالق لو كان إخبارا لكان إما أن يكون إخبارا عن الماضي أو الحال أو المستقبل والكل باطل فبطل القول بكونها أخبارا أما إنه لا يمكن أن يكون إخبارا عن الماضي والحاضر فلأنه لو كان كذلك لامتنع تعليقه على الشرط لأن التعليق عبارة عن توقيف دخوله في الوجود على دخوله في غيره الوجود وما دخل في الوجود لا يمكن توقيف دخوله في الوجود على دخول غيره في الوجود ولما صح تعليقه على الشرط بطل كونه إخبارا عن الماضي أو الحال وأما أنه لا يمكن أن يكون إخبارا عن المستقبل فلأن قوله أنت طالق في دلالته على الإخبار عن صيرورتها موصوفة بالطلاق في المستقبل ليس أقوى من تصريحه بذلك وهو قوله ستصيرين طالقا في المستقبل
[ ٣١٧ ]
لكنه لو صرح بذلك فإنه لا يقع الطلاق فما هو أضعف منه وهو قوله أنت طالق أولى بأن لا يقتضي وقوع الطلاق الثاني أن هذه الصيغ لو كانت أخبارا لكانت إما أن تكون كذبا أو صدقا فان كانت كذبا فلا عبرة بها وان كانت صدقا فوقوع الطالقية إما أن
يكون متوقفا على حصول هذه الصيغ أو لا يكون فإن كان متوقفا عليه فهو محال لأن كون الخبر صدقا يتوقف على وجود المخبر عنه والمخبر عنه ها هنا هو وجود الطالقية فلإخبار قوله عن الطالقية يتوقف كونها صدقا على حصول الطالقية فلو توقف حصول الطالقية على هذا الخبر لزم الدور وهو محال وإن لم يكن متوقفا عليه فهذا الحكم لا بد له من سبب آخر فبتقدير ح صول ذلك السبب تقع الطالقية وإن لم يوجد هذا الخبر وبتقدير عدمه لا توجد وإن وجد هذا الإخبار وذلك باطل بالاجماع فان قيل لم لا يجوز أن يكون تأثير ذلك المؤثر في حصول الطالقية يتوقف على هذه اللفظة
[ ٣١٨ ]
قلت هذه اللفظة إذا كانت شرطا لتأثير المؤثر في الطالقية وجب تقدمها على الطالقية لكنا بينا أنا متى جعلناه خبرا صادقا لزم تقدم الطالقية عليها فيعود الدور الثالث قوله تعالى فطلقوهن لعدتهن أمر بالتطليق فيجب أن يكون قادرا على التطليق ومقدوره ليس إلا قوله طلقت فدل على أن ذلك مؤثر في الطالقية الرابع لو أضاف الطلاق إلى الرجعية وقع وان كان صادقا بدون الوقوع فثبت أنه انشاء لا إخبار والله أعلم
[ ٣١٩ ]