القسم الثاني في المجاز وفيه مسائل المسألة الأولى في أقسام المجاز المجاز إما أن يقع في مفردات الألفاظ فقط أو في مركباتها أو فيهما معا أما الذي يقع في المفردات فكإطلاق له لفظ الأسد على الشجاع والحمار على البليد وأما الذي يقع في التركيب فهو أن يستعمل كل واحد من الألفاظ المفردة في موضوعه الأصلي لكن التركيب لا يكون مطابقا لما في الوجود كقوله أشاب الصغير وأفنى الكبير كر الغداة ومر العشي
[ ٣٢١ ]
فكل واحد من الألفاظ المفردة التي في هذا البيت مستعمل في موضوعه الأصلي لكن اسناد أشاب إلى كر الغداة غير مطابق لما عليه الحقيقة فإن الشيب يحصل بفعل الله تعالى لا بكر الغداة وأما الذي يقع في المفردات والتركيب معا فكقولك لمن تداعبه ذلك أحياني اكتحالي بطلعتك فإنه استعمل الإحياء لا في موضوعه الأصلي ولفظ الاكتحال لا في موضوعه الأصلي ثم نسب الإحياء إلى الاكتحال مع أنه غير منتسب إليه وقد جاء في القرآن والأخبار من الأقسام الثلاثة شئ كثير والأصوليون لم يتنبهوا للفرق بين هذه الأقسام وإنما لخصه الشيخ عبد القاهر النحوي المسألة الثانية
في إثبات المجاز المفرد الدليل عليه أنهم يستعملون الأسد في الشجاع والحمار في البليد مع اعترافهم بأن الأسد والحمار غير موضوعين في أول الأمر لهذين المعنيين بل إنهما أطلقا عليهما لما بين مفهوميهما وبين هذين الأمرين من المشابهة ولا معنى للمجاز إلا ذلك
[ ٣٢٢ ]
واحتج المانعون منه بأن اللفظ لو أفاد المعنى على سبيل المجاز فإما أن يفيده مع القرينة أو بدون القرينة والأول باطل لأنه مع القرينة المخصوصة لا يحتمل غير ذلك فيكون هو مع تلك القرينة حقيقة فيه لا مجازا وبدون تلك القرينة غير مفيد له أصلا فلا يكون حقيقة ولا مجازا فظهر أن اللفظ على هذا التقدير لا يكون مجازا لا حال القرينة ولا حال عدم القرينة والثاني أيضا باطل لأن اللفظ لو أفاد معناه المجازي بدون قرينة لكان حقيقة فيه لأنه لا معنى للحقيقة إلا ما يكون مستقلا بالإفادة بدون القرينة والجواب أن هذا نزاع في العبارة ولنا أن نقول اللفظ الذي لا يفيد إلا مع القرينة هو المجاز ولا يقال اللفظ مع القرينة حقيقة فيه لأن دلالة القرينة ليست دلالة وضعية حتى يجعل المجموع لفظا واحدا دالا على المسمى المسألة الثالثة في أقسام هذا المجاز والذي يحضرنا منه اثنا عشر وجها أحدها اطلاق اسم السبب على المسبب والأسباب أربعة القابل
والصورة والفاعل والغاية مثال تسمية الشئ باسم قابله قولهم سال الوادي
[ ٣٢٣ ]
ومثال التسمية باسم الصورة تسميتهم اليد بالقدرة ومثال التسمية باسم بالفاعل حقيقة أو ظنا تسمية المطر بالسماء ومثال التسمية باسم الغاية تسمية العنب بالخمر والعقد بالنكاح وثانيها اطلاق اسم المسبب على السبب كتسمية المرض الشديد والمذلة العظيمة بالموت ويحتمل أن يكون وجه المجاز ها هنا ما بين الأمرين من المشابهة ثم ها هنا بحثان البحث الأول أن العلة الغائية حال كونها ذهنية علة العلل وحال كونها خارجية معلولة العلل فقد حصلت لها علاقتا محمد العلية والمعلولية وكل واحدة منها علة لحسن التجوز إلا أن نقل اسم السبب إلى المسبب أحسن من العكس لأن السبب المعين يقتضي المسبب المعين لذاته
[ ٣٢٤ ]
وأما المسبب المعين فإنه لا يقتضي لذاته السبب المعين على ما بينا الفرق بينهما في الكتب العقلية وإذا كان كذلك كان اطلاق اسم السبب على المسبب أولى من العكس الثاني هو أن العلة الغائية لما اجتمع فيها الوجهان السببية
والمسببية كان استعمال اللفظ المجازي فيها أولى من سائر المواضع لاجتماع الوجهين وثالثها تسمية الشئ باسم ما يشابهه كتسمية الشجاع أسدا والبليد حمارا وهذا القسم على الخصوص هو المسمى بالمستعار ورابعها تسمية الشئ باسم ضده كقوله تعالى وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم
[ ٣٢٥ ]
ويمكن جعل ذلك من باب المجاز للمشابهة لأن جزاء السيئة يشبهها في كونها سيئة بالنسبة إلى من يصل إليه ذلك الجزاء وخامسها تسمية الجزء باسم الكل كاطلاق اللفظ العام مع أن المراد منه الخصوص وسادسها تسمية الكل باسم الجزء كما يقال للزنجي إنه أسود والأول أولى لأن الجزء لازم الكل أما الكل فليس بلازم للجزء وسابعها تسمية إمكان الشئ باسم وجوده كنا يقال للخمر التي في الدن إنها مسكرة وثامنها إطلاق اللفظ المشتق بعد زوال المشتق منه كقولنا للانسان بعد فراغه من الضرب إنه ضارب وتاسعها المجاورة كنقل اسم الراوية من الجمل إلى ما يحمل عليه من ظرف الماء وكتسمية إلى الشراب بالكأس ويمكن جعله من المجاز بسبب القابل
[ ٣٢٦ ]
وعاشرها المجاز بسبب أن أهل العرف تركوا استعماله فيما كانوا يستعملونه فيه ك الدابة اذا استعملت في الحمار فإن قلت لفظ الدابة إما أن يكون مجازا من حيث إنه صار مستعملا في الفرس وحده أو من حيث منع من استعماله في غيره والأول من باب اطلاق اسم العام على الخاص فلا يكون قسما آخر والثاني باطل لأن المجازية كيفية عارضة للفظة من جهة دلالتها على المعنى لا من جهة عدم دلالتها على الغير قلت لفظ الدابة اذا استعمل في الحمار والكلب كان ذلك مجازا بالنسبة إلى الوضع العرفي لأنه يكون مستعملا في غير موضعه لعلاقة بينه وبين موضوعه ويكون ذلك حقيقة بالنسبة إلى الوضع اللغوي إلا أن هذا المجاز من باب المشابهة فلا يكون في الحقيقة قسما آخر وحادي عشرها المجاز بسبب الزيادة والنقصان وقد ذكرنا مثاليهما كان وبينا كيفية الحال فيهما وثاني عشرها تسمية المتعلق باسم المتعلق كتسمية المعلوم علما والمقدور قدرة
[ ٣٢٧ ]
المسألة الرابعة في أن المجاز بالذات لا يدخل دخولا أوليا إلا في أسماء الأجناس أما الحرف فلا يدخل فيه المجاز بالذات لأن مفهومه غير مستقل بنفسه بل لا بد أن ينضم إليه شئ آخر لتحصل الفائدة فإن ضم إلى ما ينبغي ضمه إليه فهو حقيقة فيه وإلا فهو مجاز في المركب لا في المفرد
وأما الفعل فهو لفظ دال على ثبوت شئ لموضوع غير معين في زمان معين فيكون الفعل مركبا من المصدر وغيره فما لم يدخل المجاز في المصدر استحال دخوله في الفعل الذي لا يفيد إلا ثبوت ذلك المصدر لشئ وأما الاسم فهو إما علم أو مشتق أو اسم جنس أما العلم فلا يكون مجازا لأن شرط المجاز أن يكون النقل لأجل علاقة بين الأصل والفرع وهي غير موجودة في الأعلام
[ ٣٢٨ ]
وأما المشتق فما لم يتطرق المجاز إلى المشتق منه فلا يتطرق إلى المشتق الذي لا معنى له إلا أنه أمر ما حصل له المشتق منه فاذن المجاز لا يتطرق في الحقيقة إلا إلى أسماء الأجناس والله أعلم المسألة الخامسة في أن استعمال اللفظ في معناه المجازي يتوقف على السمع الدليل عليه أن لفظ الأسد لا يستعار للرجل الشجاع إلا لأجل المشابهة في الشجاعة لكن الرجل الشجاع كما يشبه الأسد في شجاعته فقد يشبهه في صفات أخر كالبخر وغيره فلو كانت المشابهة كافية في ذلك ل جاز استعارة الأسد للأبخر أبو ولما لم يجز ذلك صح قولنا ولأنهم قد يطلقون النخلة على الرجل الطويل ولا يطلقونها على غير الانسان وذلك يدل على اعتبار الاستعمال في المجاز واحتج المخالف بوجهين الأول اتفقوا على أن وجوه المجازات والاستعارات مما يحتاج في استخراجها إلى تدقيق النظر وما يكون نقليا لا يكون كذلك
الثاني أنك إذا قلت رأيت أسدا وعنيت به الشجاع فالغرض من
[ ٣٢٩ ]
التعظيم إنما يحصل بإعارة معنى الأسد له فإنك لو أعطيته الاسم بدون المعنى لم يحصل التعظيم وإذا كانت إعارة اللفظ تابعة لاعارة المعنى وإعارة المعنى حاصلة بمجرد قصد المبالغة وجب أن لا يتوقف استعمال اللفظ المستعار على السمع والجواب عن الأول أن المستخرج بالفكر جهات حسن المجاز وعن الثاني أن هذه الاعارة ليست أمرا حقيقيا بل أمرا تقديريا فلم لا يجوز أن يمنع الواضع منه في بعض المواضع دون البعض المسألة السادسة في أن المجاز مركب عقلي ومثاله في القرآن قوله تعالى وأخرجت الأرض أثقالها وقوله مما تنبت الأرض فالإخراج والإنبات غير مستندين في نفس الأمر إلى الأرض بل إلى الله تعالى وذلك حكم عقلي ثابت في نفس
[ ٣٣٠ ]
الأمر فنقله عن متعلقه إلى غيره نقل لحم عقلي لا للفظ لغوي فلا يكون هذا المجاز إلا عقليا فإن قلت لم لا يجوز أن يقال صيغة أخرج وأنبت وضعت في أصل اللغة بازاء صدور الخروج والنبات من القادر فاذا استعملت في صدورهما من الأرض فقد استعملت الصيغة في غير
موضوعها فيكون هذا المجاز لغويا قلت إن أمثلة الأفعال لا تدل بالتضمن على خصوصية المؤثر والدليل عليه وجوه أحدها أنه لو كانت كذلك لكان المفهوم من لفظة أخرج أن القادر صدر عنه هذا الأثر فيكون مجرد قولنا أخرج خبرا تاما فكان يلزم أن يتطرق إليه وحده التصديق ولتكذيب ومعلوم أنه ليس كذلك وثانيها أنه يصح أن يقال أخرجه القادر ولو كان القادر جزءا من مفهوم أخرج لكان التصريح بذكر القادر تكرارا وثالثها هب أنها دالة على صدور الفعل عن القادر فأما عن القادر المعين فلا وإلا لزم حصول الاشتراك اللفظي بحسب كل واحد واحد من القادرين إذا ثبت هذا فنقول إذا أضيف ذلك الفعل إلى غير ذلك القادر الذي هو
[ ٣٣١ ]
صادر عنه لم يكن التغيير واقعا في مفهومات الألفاظ بل في إسناد مفهوماتها إلى غير ما هو مستندها فإن قال قائل ما الفرق بين هذا المجاز وبين الكذب قلنا الفارق هو القرينة وهي قد تكون حالية وقد تكون مقالية أما الحالية فهي ما إذا علم أو ظن أن المتكلم لا يتكلم بالكذب فيعلم أن المراد ليس هو الحقيقة بل المجاز ومنها أن يقترن الكلام بهيئات مخصوصة قائمة بالمتكلم دالة على أن المراد ليس هو الحقيقة بل المجاز ومنها أن يعلم بسبب خصوص الواقعة أنه لم يكن للمتكلم داع
إلى ذكر الحقيقة فيعلم أن المراد هو المجاز وأما القرينة المقالية فهي أن يذكر المتكلم عقيب ذلك الكلام ما يدل على أن المراد من الكلام الأول غير ما أشعر به ظاهره المسألة السابعة ف ي جواز دخول المجاز في خطاب الله تعالى وخطاب رسوله ﷺ
[ ٣٣٢ ]
الأكثرون جوزوا ذلك خلافا لأبي بكر بن داود الأصفهاني لنا قوله تعالى جدارا يريد أن ينقض فأقامه وجاء ربك وقد ثبت بالدليل أنه لا يجوز أن يكون المراد منها ظواهرها فوجب صرفها إلى غير ظواهرها وهو المجاز واحتج المخالف بأمور أحدها لو خاطب الله بالمجاز لجاز وصفه بأنه متجوز ومستعير وثانيها أن المجاز لا ينبئ بنفسه عن معناه فورود القرآن به يقتضي الالتباس وثالثها أن العدول عن الحقيقة إلى المجاز يقتضي العجز عن الحقيقة وهو على الله تعالى محال ورابعها أن كلام الله تعالى كله حق وكل حق فله حقيقة وكل ما كان حقيقة فإنه لا يكون مجازا
[ ٣٣٣ ]
والجواب عن الأول أن أسامي الله تعالى توقيفية وبتقدير
كونها اصطلاحية لكن لفظ المتجوز يوهم كونه تعالى فاعلا ما لا ينبغي فعله وهو في حق الله تعالى محال وعن الثاني أنه لا التباس مع القرينة الدالة على المراد وعن الثالث أن العدول عن الحقيقة إلى المجاز لأغراض سنذكرها إن شاء الله تعالى وعن الرابع أن كلام الله تعالى كله حقيقة بمعنى أنه صدق لا بمعنى كون ألفاظه بأسرها مستعملة في موضوعاتها الأصلية والله أعلم المسألة الثامنة في الداعي إلى التكلم بالمجاز العدول عن الحقيقة إلى المجاز إما لأجل اللفظ أو المعنى أو لهما أما الذي لأجل اللفظ فإما أن يكون لأجل جوهر اللفظ أو لأجل أحوال عارضة للفظ
[ ٣٣٤ ]
أما الأول فهو أن يكون اللفظ الدال على الشئ بالحقيقة ثقيلا على اللسان أما لأجل مفردات حروفه أو لتنافر تركيبه أو لثقل وزنه واللفظ المجازي يكون عذبا فتترك الحقيقة إلى هذا المجاز وأما الثاني وهو أن يكون لأجل أحوال عارضة للفظ فهو أن تكون اللفظة المجازية صالحة للشعر أو السجع وسائر اصناف البديع واللفظة الحقيقية لا تصلح لذلك وأما الذي يكون لأجل المعنى فقد تترك الحقيقة إلى المجاز لأجل التعظيم والتحقير ولزيادة البيان ولتلطيف أو الكلام
أما فكما يقال سلام على المجلس العالي فإنه تركت الحقيقة ها هنا لأجل الاجلال وأما التحقير فكما يعبر عن قضاء الحاجة بالغائط الذي هو اسم للمكان المطمئن من الأرض وأما زيادة البيان فقد تكون لتقوية حال المذكور وقد تكون لتقوية الذكر أما الأول فكقولهم رأيت أسدا فإنه لو قال رأيت انسانا
[ ٣٣٥ ]
يشبه الأسد في الشجاعة لم تكن في البلاغة كما اذا قال رأيت أسدا وتحقيق هذا الفرق مذكور في كتابنا في الاعجاز وأما الثاني فهو المجاز الذي يذكر للتأكيد وأما تلطيف الكلام فهو أن النفس إذا وقفت على تمام كلام فلو وقفت على تمام المقصود لم يبق لها شوق إليه أصلا لأن تحصيل الحاصل محال وإن لم تقف على شئ منه أصلا لم يحصل لها شوق إليه فأما إذا عرفته من بعض الوجوه دون البعض فإن القدر المعلوم يشوقها إلى تحصيل العلم بما ليس بمعلوم فيحصل لها بسبب علمها بالقدر الذي علمته لذة وبسبب حرمانها من الباقي ألم فتحصل هناك لذات وآلام متعاقبة واللذة إذا حصلت عقيب الألم كانت أقوى وشعور النفس بها أتم إذا عرفت هذا فنقول إذا عبر عن الشئ باللفظ الدال عليه على سبيل الحقيقة حصل كمال العلم به فلا تحصل اللذة القوية أما إذا عبر عنها بلوازمها الخارجية عرف لا على سبيل الكمال فتحصل
الحالة المذكورة التي هي كالدغدغة) النفسانية فلأجل هذا كان التعبير عن المعاني بالعبارات المجازية ألذ من التعبير عنها بالألفاظ الحقيقية والله أعلم
[ ٣٣٦ ]
المسألة التاسعة في أن المجاز غير غالب على اللغات قال أبو الفتح ابن جني أكثر اللغة مجاز أما في الأفعال فنحو قولك قام زيد وقعد عمرو فإن الفعل يفيد المصدر فقولك قام زيد معناه كان منه القيام أي هذا الجنس من الفعل والجنس يتناول جميع الأفراد ومعلوم أنه لم يكن منه جميع القيام لأنه لا يجتمع لانسان واحد في وقت واحد ولا في مائة ألف سنة القيام كله الداخل تحت الوهم أقول هذا ركيك لأنه ظن أن المصدر لفظ دال على جميع أشخاص تلك الماهية وهو باطل بل المصدر لفظ دال على الماهية أعني القدر المشترك بين الواحد والكل والماهية من حيث هي هي لا تستلزم الوحدة ولا الكثرة وإذا كان كذلك كان الفعل المشتق منه لا دلالة على الكثرة ولا على الوحدة وقال أيضا قولك ضربت عمرا مجاز من جهة أخرى لأنك إنما ضربت بعضه لا جميعه ولهذا إذا احتاط الانسان قال ضربت رأسه وهذا أيضا يكون مجازا وذلك عندما
[ ٣٣٧ ]
إذا ضربت جانبا من جوانب رأسه فقط اعترض أبو محمد بن متويه فقال المتألم بالضرب جملة عمرو لا عضو منه أقول هذا الاعتراض ساقط لأن ابن جني إنما ألزم المجاز في لفظ
الضرب لا في لفظ التألم والضرب عبارة عن امساس جسم حيوان بعنف والامساس عبد حكم يرجع إلى الاجزاء لا إلى الجملة بالاتفاق فكان المضروب بالحقيقة هو الجزء الممسوس فقط فظهر سقوط هذا الاعتراض وأقول ها هنا وجوه أخر من المجازات السائغة فإني إذا قلت ضربت زيدا فزيد ليس عبارة عن جملة البنية المشاهدة لأنا نعلم أن زيدا هو الذي كان موجودا وقت ولادته ونعلم أن أجزاءه وقت شبابه أكثر مما كانت وقت ولادته ولا شك أن زيدا هو تلك الأجزاء الباقية من أول حدوثه إلى آخر فنائه وتلك الأجزاء قليلة فإذن المسمى بزيد هو تلك الأجزاء فإذا قلت ضربت زيدا فلعل هذا الامساس ما وقع على تلك
[ ٣٣٨ ]
الأجزاء فيكون الكلام أيضا مجازا من هذا الوجه ثم ها هنا دقيقة وهي أن هذه المجازات من باب المجاز العقلي لأنك إذا قلت رأيت زيدا وضربت عمروا فصيغتا عليه رأيت وضربت مستعملتان في موضوعيهما الأصليين فلا يكون مجازا وأما لفظة زيد فهي من الأعلام فلا تكون مجازا فلم يبق إلا أن المجاز واقع في النسبة فيكون مجازا عقليا والله أعلم المسألة العاشرة في أنت المجاز على خلاف الأصل والذي يدل عليه وجوه أحدها أن اللفظ إذا تجرد فإما أن يحمل على حقيقته أو على مجازه أو عليهما أو لا على واحد منهما والثلاثة الأخيرة باطلة فتعين الأول
وإنما قلنا إنه لا يجوز حمله على مجازه لأن شرط الحمل على المجاز حصول القرينة فإن الواضع لو أمر بحمل اللفظ عند تجرده على ذلك المعنى لكان حقيقة فيه إذ لا معنى للحقيقة إلا ذلك وأما أنه لا يجوز حمله عليهما معا فظاهر لأن الواضع لو قال احملوه وحده عليهما معا كان اللفظ حقيقة في ذلك المجموع ولو قال احملوه إما على هذا أو على ذاك كان مشتركا بينهما
[ ٣٣٩ ]
وأما أنه لا يجوز أن لا يحمل على واحد منهما ألبتة فلأنه على هذا التقدير يكون اللفظ حال تجرده من المهملات لا من المستعملات واذا بطلت هذه الأقسام الثلاثة تعين القسم الأول وهو المطلوب وثانيها أن المجاز لا يتحقق إلا عند نقل اللفظ من شئ إلى شئ لعلاقة بينهما وذلك يستدعي أمورا ثلاثة وضعه للأصل ثم نقله إلى الفرع ثم علة للنقل وأما الحقيقة فإنه يكفي فيها أمر واحد وهو وضعه للأصل ومن المعلوم أن الذي يتوقف على شئ واحد أغلب وجودا مما يتوقف على ذلك الشئ مع شيئين آخرين معه وثالثها أن واضع اللفظ للمعنى إنما يضعه له ليكتفي به في الدلالة عليه وليستعمل فيه فكأنه قال اذا سمعتموني أتكلم بهذا الكلام فاعلموا أنني أعني هذا المعنى وإذا تكلم به متكلم بلغتي فليعن به هذا
[ ٣٤٠ ]
فكل من تكلم بلغته يجب أن يعنى به ذلك المعنى ولهذا يسبق إلى
أذهان السامعين ذلك المعنى دون ما هو مجاز فيه ولو قال لنا مثل ذلك في المجاز لكان حقيقة ولم يكن مجازا ورابعها إجماع الكل على أن الأصل في الكلام الحقيقة وروي عن ابن عباس ﵄ أنه قال ما كنت أعرف معنى الفاطر حتى اختصم إلي شخصان في بئر فقال أحدهما فطرها أبي أي اخترعها وقال الأصمعي ما كنت أعرف الدهاق حتى سمعت جارية بدوية تقول اسقني دهاقا أي ملآنا فها هنا استدلوا بالاستعمال على الحقيقة فلولا أنهم عرفوا أن الأصل في الكلام الحقيقة وإلا لما جاز لهم ذلك وخامسها لو لم يكن الأصل في الكلام الحقيقة لكان الأصل إما أن يكون هو المجاز وهو باطل باجماع الأمة أو لا يكون واحد منهما
[ ٣٤١ ]
أصلا فحينئذ يتردد كل كلام الشارع بين أمرين فيصير الكل مجملا وهو باطل بالاجماع ويلزم أن يصير كل ما يتكلم به في العرف مجملا لتردد تلك الألفاظ بين حقائقها ومجازاتها ولو كان الكل مجملا لما فهمنا المراد في شئ من الألفاظ إلا بعد الاستفسار وطلب تعيين المراد ولما كان ذلك باطلا علمنا أن الأصل في الكلام الحقيقة فرع إذا دار اللفظ بين الحقيقة المرجوحة والمجاز الراجح فأيهما أولى فعند أبي حنيفة ﵁ الحقيقة المرجوحة أولى
وعند أبي يوسف ﵀ المجاز الراجح أولى ومن الناس من قال يحصل التعارض لأن كل واحد منهما راجح على الآخر من وجه ومرجوح من وجه آخر فيحصل التعارض
[ ٣٤٢ ]