المسألة الأولى قال الأصوليون صيغة افعل مستعملة في خمسى عشر وجها الأول الإيجاب كقوله تعالى أقيموا الصلاة الثاني الندب كقوله تعالى فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا وأحسنوا ويقرب منه التأديب كقوله ﵊ كل فما يليك فإن الأدب مندوب إليه وإن كان قد جعله بعضهم قسما مغايرا للمندوب
الثالث الإرشاد كقوله تعالى واستشهدوا شهيدين فاكتبوه والفرق بين الندب والإرشاد أن الندب لثواب الآخرة والإرشاد لمنافع الدنيا فإنه لا ينقص الثواب بترك الاستشهاد في المداينات ولا يزيد بفعليه
[ ٢ / ٣٩ ]
الرابع الإباحة كقوله تعالى كلوا واشربوا الخامس التهديد كقوله تعالى اعملوا ما شئتم واستفزز من استطعت منهم بصوتك ويقرب منه الإنذار كقوله تعالى قل تمتعوا وإن كانوا قد جعلوه قسما آخر السادس الامتنان فكلوا مما رزقكم الله السابع الإكرام ادخلوها بسلام آمنين الثامن التسخير كقوله كونوا قردة التاسع التعجيز فأتوا بسورة العاشر الإهانة ذق إنك أنت العزيز الكريم الحادي عشر التسوية صبروا أو لا تصبروا الثاني عشر الدعاء رب اغفر لي الثالث عشر التمني كقوله
[ ٢ / ٤٠ ]
ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي الرابع عشر الاحتقار كقوله ألقوا ما أنتم ملقون الخامس عشر التكوين كقوله كن فيكون
إذا عرفت هذا فنقول اتفقوا على أن صيغة إفعل ليست حقيقة في جميع هذه الوجوه لأن خصوصية التسخير والتعجيز والتسوية غير مستفادة من مجرد هذه الصيغة بل إنما تفهم تلك من القرائن إنما الذي وقع الخلاف فيه أمور خمسة الوجوب والندب والإباحة والتنزيه والتحريم فمن الناس من جعل هذه الصيغة بين هذه الخمسة ومنهم من جعلها مشتركة بين الوجوب والندب والإباحة ومنهم من جعلها حقيقة لأقل المراتب وهو الإباحة والحق أنها ليست حقيقة في هذه الأمور
[ ٢ / ٤١ ]
لنا أنا ندرك التفرقة في اللغات كلها بين قوله إفعل وبين قوله إن شئت فافعل وإن شئت لا تفعل حتى إذا قدرنا انتفاء القرائن كلها وقدرنا هذه الصيغة منقولة على سبيل الحكاية عن ميت أو غائب لا في فعل معين حتى يتوهم فيه قرينة دالة بل في الفعل مطلقا سبق إلى فهمنا اختلاف معاني هذه الصيغ وعلمنا قطعا أنها ليست أسامي مترادفة على معنى واحد كما ندرك التفرقة بين قولهم قام زيد ويقوم زيد في أن الأول للماضي والثاني للمستقبل وإن كان قد يعبر عن الماضي بالمستقبل وبالعكس لقرائن تدل عليه فكذلك ميزوا الأمر عن النهي فقالوا الأمر أن تقول إفعل والنهي أن تقول لا تفعل فهذا أمر معلوم بالضرورة من اللغات لا
يشككنا فيه إطلاقه مع قرينة على الإباحة أو التهديد فإن قيل تدعي الفرق بين إفعل ولا تفعل في حق من يعتقد كون اللفظ موضوعا للكل حقيقة أو في حق من لا يعتقد ذلك
[ ٢ / ٤٢ ]
الأول ممنوع والثاني مسلم بيانه أن كل من اعتقد كون هذه اللفظة موضوعة لهذه المعاني فإنه يحصل في ذهنه الاستواء أما من لا يعتقد ذلك فإنه لا يحصل عنده الرجحان سلما الرجحان لكن لم لا يجوز أن يكون ذلك للعرف الطارئ لا في أصل الوضع كما في الألفاظ العرفية سلمنا أن ما ذكرته يدل على قولك لكنه معارض بما يدل على نقيضه وهو أن الصيغة قد جاءت بمعنى التهديد والإباحة والأصل في الكلام الحقيقة والجواب عن الأول أنه مكابرة فإنا نعلم عند انتفاء كل القرائن بأسرها أنه يكون فهم الطلب من لفظ إفعل راجحا على فهم التهديد والإباحة وعن الثاني أن الأصل عدم التغيير وعن الثالث أنك قد عرفت أن المجاز أولى من الاشتراك ووجه المجاز أن هذه الأمور الخمسة أعني الوجوب والندب والإباحة
[ ٢ / ٤٣ ]