النظر الثالث من القسم الثاني من كتاب الأوامر والنواهي في المأمور به وفيه مسائل المسألة الأولى يجوز ورود الأمر بما لا يقدر عليه المكلف عندنا خلافا للمعتزلة والغزالي منا لنا وجوه الأول أن الله تعالى أمر الكافر بالإيمان والإيمان منه محال لأنه يفضي إلى انقلاب علم الله تعالى جهلا والجهل محال والمفضي إلى المحال محال
[ ٢ / ٢١٥ ]
فإن قيل لا نسلم أن الإيمان من الكافر محال ولا نسلم أن حصوله يفضي إلى انقلاب العلم جهلا بيانه أن العلم يتعلق بالشئ المعلوم على ما هو به فإن كان الشئ واقعا تعلق العلم بوقوعه وإن كان غير واقع تعلق العلم بلا وقوعه فإذا فرضت الإيمان واقعا لزم القطع بأن الله تعالى كان في الأزل
عالما بوقوعه وإن فرضته غير واقع لزم القطع بأن الله تعالى كان في الأزل عالما بلا وقوعه ففرض الإيمان بدلا من الكفر لا يقتضي تغير العلم بل يقتضي أن يكون الحاصل في الأزل هو العلم بالإيمان بدلا عن العلم بالكفر فلم قلت إن ذلك محال سلمنا أن ما ذكرته يقتضي امتناع صدور الإيمان من الكافر لكنه معارض بوجوده دالة على أن الإيمان في نفسه ممكن الوجود
[ ٢ / ٢١٦ ]
الأول أن الإيمان كان في نفسه ممكن الوجود فلو انقلب واجبا بسبب العلم لكان العلم مؤثرا في المعلوم وهو محال لأن العلم يتبع المعلوم ولا يؤثر فيه الثاني لو كان ما علم الله تعالى وجوده واجب الوجود وكل ما علم الله تعالى عدمه يكون واجب العدم لزم أن لا يكون الله تعالى قادرا على ايجاد شئ لأن الشئ لا ينفك من أن يقال إن الله تعالى علم وجوده أو علم عدمه وعلى التقديرين يكون واجبا والواجب لا قدرة عليه البتة فلزم أن لا يقدر الله تعالى على شئ تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا الثالث لو كان ما علم الله وجوده واجب الوجود وما علم عدمه يكون واجب العدم لزم أن لا يكون لنا اختيار في فعل شئ أصلا وأن تكون حركاتنا بمنزلة تحريك الرياح للأشجار من حيث إنه لا يكون باختيارنا لكنا نعلم بالضرورة أن ذلك باطل لأنا ندرك تفرقة ضرورية
[ ٢ / ٢١٧ ]
بين الحركات الحيوانية الاختيارية والجمادية الاضطرارية الرابع أنه لو كان كذلك لكان العالم واجب الوجود في الوقت الذي علم الله تعالى وقوعه فيه والواجب يسغني عن المؤثر فيلزم استغناء حدوثه عن المؤثر فيلزم ان لا يفتقر حدوث العالم ولا شئ من الأشياء إلى القادر المختار وذلك كفر الخامس إن تعلق العلم به إما أن يكون سببا لوجوبه أو لا يكون فإن كان سببا لوجوبه لزم أن يكون العلم قدرة وإرادة لأنه لا معنى للقدرة والإرادة إلا الأمر الذي باعتباره يترجح الوجود على العدم فإذا كان العلم كذلك صار العلم عين القدرة والإرادة وذلك محال لأنه يقتضي قلب الحقائق وهو غير معقول وإن لم يكن لعلم سببا لوجوب المعلوم فقد سقط ما ذكرتموه من الدلالة لأنه مبني على أن المعلوم صار واجب الوقوع عند تعلق العلم به فإذا بطل ذلك بطل دليلكم سلمنا أن ما ذكرتموه يدل على أن الإيمان محال من الكافر لكن امتناعه ليس لذاته بل بالنظر إلى علم الله تعالى فلم قلتم أن ما لا يكون محالا لذاته فإنه لا يجوز ورود الأمر به
[ ٢ / ٢١٨ ]
سلمنا أن ما ذكرتموه يدل على إن الأمر بالمحال واقع لكنه يدل على أنه لا تكليف إلا وهو تكليف بما لا يطاق وذلك لأن الشئ إن كان معلوم العدم كان الأمر بالإتيان به أمرا بإيقاع الممتنع وإن كان معلوم الوجود كان واجب الوجود وما كان واجب الوجود لا يكون لقدرة القادر الأجنبي واختياره فيه أثر فيكون التكليف به
أيضا تكليفا بما لا يطاق فثبت أن ما ذكرتموه يدل على أن التكاليف بأسرها تكليف ما لا يطاق وأن أحدا من العقلاء لم يقل بذلك فإن بعض الناس أحاله عقلا وبعضهم جوزه ولم يقل أحد بأنه يمتنع ورود التكليف إلا بما لا يطاق فما هو نتيجة هذا الدليل لا تقولون به وما تقولون به لا ينتجه هذا الدليل فيكون ساقطا
[ ٢ / ٢١٩ ]
سلمنا أن ما ذكرتموه يدل على قولكم ولكنه معارض بالنص والمعقول أما النص فقوله تعالى لا يكلف الله نفسا إلا وسعها وما جعل عليكم في الدين من حرج وأي حرج فوق تكليف بما لا يطاق وأما المعقول فمن ثلاثة أوجه الأول أن في المشاهد أن من كلف الأعمى نقط المصاحف والزمن الطيران في الهواء عد سفيها تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا الثاني المحال غير متصور وكل ما لا يكون متصورا لا يكون مأمورا به إنما قلنا إنه غير متصور لأن كل متصور متميز وكل متميز ثابت فما لا يكون ثابتا لا يكون متصورا بيان الثاني أن الذي لا يكون متصورا لا يكون في العقل إليه إشارة والمأمور به يكون في العقل إليه إشارة والجمع بينهما متناقض الثالث إذا جوزتم الأمر بالمحال فلم لا تجوزون أمر الجمادات
وبعثة الرسل إليها وإنزال الكتب عليها
[ ٢ / ٢٢٠ ]
والجواب قوله إذا فرضنا الإيمان بدلا عن الكفر كان الموجود في الأزل هو العلم بالإيمان بدلا عن العلم بالكفر قلنا نحن وإن لم نعلم أن علم الله تعالى في الأزل تعلق بإيمان زيد أو بكفره لكنا نعلم أن علمه تعلق بأحدهما على التعيين وذلك العلم كان حاصلا في الأزل فنقول لو لم يحصل متعلق ذلك العلم لزم انقلاب ذلك العلم جهلا في الماضي وهو محال من وجهين أحدهما امتناع الجهل على الله تعالى والثاني أن تغير الشئ في الماضي محال قوله العلم غير مؤثر قلنا اللازم من دليلنا حصول الوجوب عند تعلق العلم فأما أن ذلك الوجوب به أو بغيره فذلك غير لازم قوله لزم أن لا يقدر الله تعالى على شئ قلنا قد بينا أن العلم بالوقوع يتبع الوقوع الذي هو تبع الإيقاع بالإرادة والقدرة فامتنع أن يكون الفرع مانعا من الأصل
[ ٢ / ٢٢١ ]
بل تعلق علمه به على الوجه المخصوص يكشف عن أن قدرته وإرادته تعلقتا به على ذلك الوجه قوله يلزم الجبر قلنا إن عنيت بالجبر أن العبد لا يتمكن من شئ على خلاف علم الله تعالى فلم قلت إنه محال
قوله يلزم أن يكون العالم واجب الحدوث حين حدوثه فيستغنى عن القدرة والإرادة قلنا قد بينا أن العلم بالوقوع تبع الوقوع الذي هو تبع القدرة والإرادة فإن والفرع لا يغني عن الأصل قوله إن العلم إما أن يكون سببا للوجوب أو لا يكون قلنا نختار أنه ليس سببا للوجوب ولكن نقول إنه يكشف عن الوجوب وإذا كان كاشفا عن الوجوب ظهر الفرق قوله هذا لا يدل على جواز الأمر بالجمع بين الضدين قلنا بل يدل لأن علم الله تعالى بعدم إيمان زيد ينافي وجود إيمان
[ ٢ / ٢٢٢ ]
زيد فإذا أمره بإدخال الإيمان في الوجود حال حصول العلم بعدم الإينما فقد كلفه بالجمع بين المتنافيين قوله هذا الدليل يقتضي أن تكون التكاليف كلها تكليف ما لا يطاق وذلك لم يقل به أحد قلنا الدلائل القطعية العقلية لا تدفع بأمثال هذه الدوافع أما الآية فهي معارضة بقوله تعالى ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به ولأنك قد علمت أن القواطع العقلية لا تعارضها الظواهر النقلية بل تعلم أن تلك الظواهر مأولة ولا حاجة إلى تعيين تأويلها قوله أنه عبث قلنا إن عنيت بكونه عبثا خلوه عن مصلحة العبد فلم قلت إن هذا محال قوله المحال غير متصور
[ ٢ / ٢٢٣ ]
قلنا لو لم يكن متصورا لامتنع الحكم عليه بالامتناع لما أن التصديق موقوف على التصور ولأنا نميز بين المفهوم من قولنا الواحد نصف الإثنين والمفهوم من قولنا الوجود والعدم يجتمعان ولولا تصور هذين المفهومين لامتنع التمييز قوله لم لا يجوز أمر الجماد قلنا حاصل الأمر بالمحال عندنا هو الإعلام بنزول العقاب وذلك لا يتصور إلا في حق الفاهم الدليل الثاني أن الله تعالى أخبر عن أقوام معينين أنهم لا يؤمنون وذلك في قوله تعالى إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون وقال تعالى لقد حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون إذا ثبت هذا فنقول أولئك الأشخاص لو آمنوا لا نقلب خبر الله تعالى الصدق كذبا والكذب على الله محال إما لأدائه إلى الجهل أو إلى الحاجة على قول المعتزلة أو لنفسه كما هو مذهبنا والمؤدي إلى المحال محال فصدور الإيمان عن أولئك الأشخاص محال وتمام هذا التقرير ما تقدم الدليل الثالث أن الله تعالى كلف أبا لهب بالإيمان ومن الإيمان
[ ٢ / ٢٢٤ ]
تصديق الله تعالى في كل ما أخبر عنه ومما أخبر عنه أنه لا يؤمن فقد صار مكلفا بأن يؤمن بأنه لا يؤمن أبدا وهذا هو التكليف بالجمع بين الضدين الدليل الرابع أن صدور الفعل عن العبد يتوقف على داعية يخلقها الله
تعالى ومتى وجدت تلك الداعية كان الفعل واجب الوقوع وإذا كان كذلك كان الجبر لازما ومتى كان الجبر لازما كانت التكاليف بأسرها تكليف ما لا يطاق وإنما قلنا أن صدور الفعل من العبد يتوقف على داعية يخلقها الله تعالى لأن العبد لا يخلو إما أن يكون متمكنا من الفعل والترك أولا يكون كذلك فإن كان الأول فإما أن يكون ترجح الفاعلية على التاركية موقوفا على مرجح أو لا يكون فإن توقف فذلك المرجح إن كان من فعل العبد عاد التقسيم فيه ولا يتسلسل بل لابد وأن ينتهي إلى داعية ليست من العبد بل
[ ٢ / ٢٢٥ ]
من الله تعالى وهو المقصود وإن لم يتوقف على مرجح فقد ترجحت الفاعلية على التاركية لا لمرجح وهو محال لأن ترجيح أحد طرفي الممكن على الآخر لو جاز أن يكون لمرجح لجاز في كل العالم أن يكون كذلك وحينئذ لا يمكن الاستدلال بجواز العالم على وجود الصانع وهو محال فإن قلت لم لا يجوز أن يقال القادر وحده يكفي في ترجيح أحد الطرفين على الآخر قلت قول القائل إنما ترجح أحد الطرفين على الآخر لأن القادر رجحه مغالطة لأنا نقول هل لقولك القادر رجحه مفهوم زائد على كونه قادرا وعلى وجود الأثر أو ليس له مفهوم زائد فإن كان له مفهوم زائد فحينئذ يكون صدور أحد مقدوري القادر
عنه دون الآخر موقوفا على أمر زائد وذلك هو القسم الأول الذي بينا أنه يفضي إما إلى التسلسل أو إلى مرجح يصدر من الله تعالى
[ ٢ / ٢٢٦ ]
وإن لم يكن له مفهوم زائد صار معنى قولنا القادر يرجح أحد مقدوريه على الآخر من غير مرجح إلى أن القادر يستمر كونه قادرا مدة من غير هذا الأثر ثم أنه وجد هذا الأثر بعد مدة من غير أن يحصل لذلك القادر قصد إليه وميل إلى تكوينه وذلك معلوم الفساد بالضرورة ومنشأ المغالطة في تلك اللفظة هو أن قول القائل القادر يرجح لكونه قادرا يوهم أن هذا المقدور إنما ترجح على المقدور الآخر لأن القادر خصه بالترجيح وقولنا خصه بالترجيح لا يوهم أمرا زائدا على محض القادرية لأنا إذا أثبتنا أمرا زائدا فقد أوقفنا ترجحه على انضمام أمر آخر إلى مجرد القادرية وحينئذ يرجع إلى القسم الأول فثبت إن هذا الكلام مغالطة محضة وإنما قلنا إن عند حصول تلك الداعية التي يخلقها الله تعالى يجب صدور الفعل فلأنه لو لم يجب لكان إما أن يمتنع أو يجوز فإن امتنع كانت الداعية مانعة لا مرجحة وإن جاز فمع تلك الداعية يجوز عدم الأثر تارة ووجوده أخرى فترجح الوجود على العدم أما أن يتوقف على أمر زائد أو لا يتوقف
[ ٢ / ٢٢٧ ]
فإن توقف لم تكن الداعية الأولى تمام المرجح وكنا قد فرضناها كذلك هذا خلف
وأيضا فلأن الكلام في هذه الضميمة كما فيما قبلها ويلزم إما التسلسل أو الانتهاء إلى ترجح الممكن من غير مرجح وهما محالان أو الوجوب وهو المطلوب وإنما قلنا إنه لما توقف فعل العبد على داعية يخلقها الله تعالى وكان ذلك الفعل واجب الوقوع عند تلك الداعية لزم الجبر لأن قبل خلقها كان الفعل ممتنعا من العبد وبعد خلقها يكون واجبا وعلى كلا التقديرين لا تثبت المكنة من الفعل والترك وإنما قلنا إنه لما كان كذلك كانت التكاليف بأسرها تكليف مالا يطاق لأنه لما لم يكن العبد متمكنا من الفعل والترك البتة كان تكليفه تكليفا لمن لم يكن متمكنا من الفعل والترك وذلك هو المقصود الدليل الخامس التكليف إما أن يتوجه على المكلف حال استواء الداعي إلى الفعل والترك أو حال رجحان أحد الداعيين على الآخر فإن توجه عليه حال الاستواء كان ذلك تكليفا بمالا يطاق لأن حال حصول الاستواء يمتنع حصول الرجحان لأن الاستواء ينافي الرجحان فالجمع بينهما جمع بين المتنافيين
[ ٢ / ٢٢٨ ]
وإذا متنع الرجحان كان التكليف بالرجحان تكليفا بمالا يطاق وإن توجه عليه حال عدم الائتواء عمر فنقول الراجح يصير واجبا والمرجوح ممتنعا على ما تقدم تقريره في الدليل الرابع والتكليف بالواجب محال لأن ما يجب وقوعه استحال أن يسند وقوعه إلى شئ آخر وإذا استحال أن يسند وقوعه إلى غيره استحال أن يفعله فاعل فإذا أمر بفعله فقد أمر بما لا قدرة له عليه
وإما التكليف بالممتنع فلا شبهة في أنه تكليف بمالا يطاق الدليل السادس أفعال العبد مخلوقة لله تعالى وإذا كان كذلك كان التكليف تكليف ما لا يطاق أما أن فعل العبد مخلوق لله تعالى فلأنه لو كان مخلوقا للعبد
[ ٢ / ٢٢٩ ]
لكان معلوما للعبد وليس معلوما للعبد فهو غير مخلوق له وتقريره في كتبنا الكلامية وأما أنه إذا كان فعل العبد مخلوقا لله تعالى كان التكليف تكليفا بما لا يطاق فلأن العبد قبل أن خلق الله تعالى فيه الفعل استحال منه تحصيل الفعل وإذا خلق الله تعالى فيه الفعل استحال منه الامتناع والدفع ففي كلتا الحالتين لا قدرة له لا على الفعل ولا على الترك فإن قلت هب أنه لا قدرة له على الإيجاد ولكن الله تعالى أجرى عادته بأنه إذا اختار العبد وجود الفعل فالله تعالى يخلقه وإن اختار عدم الفعل فالله تعالى لا يخلقه وعلى هذا الوجه يكون العبد مختارا قلت ذلك الاختيار إن كان منه لا من الله تعالى فالعبد موجد لذلك الاختيار
[ ٢ / ٢٣٠ ]
وإن لم يكن منه بل من الله تعالى كان مضطرا في ذلك الاختيار فيعود الكلام الدليل السابع الأمر قد وجد قبل الفعل والقدرة غير موجودة قبل
الفعل فالأمر قد وجد لا عند القدرة وذلك تكليف ما لا يطاق أما أن الأمر قد وجد قبل الفعل فلأن الكافر مكلف بالإيمان وأما أن القدرة غير موجودة قبل الفعل فلأن القدرة صفة متعلقة فلا بد لها من متعلق والمتعلق إما الموجود وإما المعدوم ومحال أن يكون المعدوم متعلق القدرة لأن العدم نفي محض مستمر والنفي المحض يستحيل أن يكون مقدورا والمستمر يمتنع أيضا أن يكون مقدورا فالنفي المستمر اولى أن لا يكون مقدورا وإذا ثبت أن متعلق القدرة لا يمكن أن يكون عدما محضا ثبت أنه لا بد أن يكون موجودا فلما ثبت أن القدرة لا بد لها من معلق وثبت أن المتعلق لا بد وأن يكون موجودا ثبت أن القدرة لا توجد إلا عند وجود الفعل.
[ ٢ / ٢٣١ ]
الدليل الثامن العبد لو قدر على الفعل لقدر عليه إما حال وجوده أو قبل وجوده والأول محال وإلا لزم إيجاد الموجود وهو محال والثاني محال لأن القدرة في الزمان المتقدم إما أن يكون لها أثر في الفعل أو لا يكون فإن كان لها أثر في الفعل فنقول تأثير القدرة في المقدور حاصل في الزمان الأول ووجود المقدور غير حاصل في الزمان الأول فتأثير القدرة في المقدور مغاير لوجود المقدور والمؤثر إما أن يؤثر في ذلك المغاير حال وجوده أو قبله فإن كان الأول لزم أن يكون موجدا للموجود وهو محال
وإن كان الثاني كان الكلام فيه كما تقدم ولزم التسلسل وإن لم يكن لها أثر في الزمان المتقدم وثبت أيضا أنه ليس لها في الزمان المقارن لوجود الفعل أثر استحال أن يكون لها أثر في الفعل البتة وإذا لم يكن لها أثر ألبتة استحال أن تكون للعبد قدرة على الفعل البتة
[ ٢ / ٢٣٢ ]
واعلم أن هذين الوجهين لا نرتضيهما النبي لأنهما يشكلان بقدرة الباري ﷻ على الفعل الدليل التاسع أن الله تعالى أمر بمعرفته في قوله فاعلم أنه لا إله إلا الله فنقول إما أن يتوجه الأمر على العارف بالله تعالى أو على غير العارف به والأول محال لأنه يقتضي تحصيل الحاصل والجمع بين المثلين وهما محالان والثاني محال لأن غير العارف بالله تعالى ما دام يكون غير عارف بالله تعالى استحال أن يكون عارفا بأن الله تعالى أمره بشئ لإن العلم بأن الله تعالى أمره بشئ مشروط بالعلم بالله تعالى ومتى استحال أن يعرف أن الله تعالى أمره بشئ كان وإن توجيه الأمر عليه في هذه الحالة توجيها للأمر على من يستحيل أن يعلم ذلك الأمر وذلك عين تكليف مالا يطاق
[ ٢ / ٢٣٣ ]
الدليل العاشر أن الأمر بالنظر والفكر واقع في قوله تعالى قل انظروا وفي قوله تعالى أولم يتفكروا وذلك أمر بمالا يطاق
بيانه أن تحصيل التصورات غير مقدور وإذا لم تكن التصورات مقدورة لم تكن القضايا الضرورية مقدورة وإذا لم تكن القضايا الضرورية مقدورة لم تكن القضايا النظرية مقدورة وإذا لم تكن هذه الأشياء مقدورة لم يكن الفكر والنظر مقدورا وإنما قلنا إن التصورات غير مقدورة لأن القادر إذا أراد تحصيلها فإما أن يحصلها حال ما تكون التصورات خاطرة بباله أو حال مالا تكون تلك التصورات خاطرة بباله فإن كانت خاطرة بباله فتلك التصورات حاصلة فتحصيلها يكون تحصيلا للحاصل وهم محال وإن كانت غير خاطرة بباله كان الذهن غافلا عنه ومتى كان الذهن غافلا عنه استحال من القادر أن يحاول تحصيله والعلم بذلك ضروري فإن قلت لم لا يجوز أن يقال إنها متصورة من وجه دون وجه فلا جرم يمكنه أن يحصل كمالها قلت لما كانت متصورة من وجه دون وجه فالوجه المتصور مغاير لما ليس بمتصور فهما أمران
[ ٢ / ٢٣٤ ]
أحدهما متصور بتمامه والآخر غير متصور بتمامه وحينئذ يعود الكلام المقدم وإنما قلنا إن التصورات إذا لم تكن مقدورة كانت القضايا البديهية غير مقدورة لأن تلك التصورات إما أن تكون بحيث يلزم من مجرد حضورها في الذهن حكم الذهن بنسبة بعضها إلى بعض بالنفي أو بالإثبات أو لا يلزم
فإن لم يلزم لم تكن تلك القضايا علوما يقينية بل تكون اعتقادات تقليدية وإن لزم فنقول حصول تلك التصورات ليس باختياره وعند حصولها فترتب تلك التصديقات عليها ليس باختياره فإذن حصول تلك القضايا البديهية ليس باختياره وذلك هو المطلوب وإنما قلنا إن القضايا البديهية إذا لم تكن باختياره لم تكن القضايا النظرية باختياره وذلك لأن لزوم هذه النظريات عن تلك الضروريات إما أن يكون واجبا أو لا يكون فإن لم يكن واجبا لم يكن ذلك استدلالا يقينيا لأنا إذا استدللنا
[ ٢ / ٢٣٥ ]
بدليل مركب من مقدمات ولم يكن المطلوب واجب اللزوم عن تلك المقدمات كان اعتقاد وجود ذلك المطلوب في هذه الحالة اعتقادا تقليديا لا يقينيا وإذا كان ذلك واجبا فنقول قبل حصول تلك المقدمات البديهية امتنع حصول هذه القضايا الاستدلالية وعند حصول تلك البديهيات يجب حصول هذه الاستدلاليات فإذن هذه الاستدلاليات في جانبي النفي والإثبات لا تكون باختيار المكلف وأذا ثبت هذا ثبت أن التكليف بها تكليف بما ليس في الوسع فهذا مجموع الوجوه المذكورة في هذه المسألة وبالله التوفيق
[ ٢ / ٢٣٦ ]