المسألة الأولى: اتفقوا على أن لفظة الأمر حقيقة في القول المخصوص واختلفوا في كونه حقيقة في غيره فزعم بعض الفقهاء أنه حقيقة في الفعل أيضا والجمهور على أنه مجاز فيه وزعم أبو الحسين البصري أنه مشترك بين القول المخصوص وبين الشئ وبين الصفة وبين الشأن والطريق والمختار أنه حقيقة في القول المخصوص فقط لنا إنا أجمعنا على أنه حقيقة في القول المخصوص فوجب أن لا يكون حقيقة في غيره دفعا للاشتراك ومن الناس من استدل على أنه ليس حقيقة في الفعل بأمور أحدها لو كان لفظ الأمر حقيقة في الفعل لاطرد فكان يسمى الأكل أمرا والشرب أمرا وثانيها ولكان يشتق للفاعل اسم الآمر وليس كذلك لأن من قام أو قعد لا يسمى آمرا
[ ٢ / ٩ ]
وثالثها أن للأمر لوازم ولم يوجد شئ منها في الفعل فوجب أن لا يكون الأمر حقيقة في الفعل بيان الأول أن الأمر يدخل فيه الوصف بالمطيع والعاصي وضده النهي ويمنع منه الخرس والسكوت لأنهم يستهجنون في الأخرس والساكت أن يقال وقع منه أمر وعدوا الأمر مطلقا من أقسام الكلام كما عدوا الخبر مطلقا منه وكل ذلك ينافي كون الأمر حقيقة إلا في القول ورابعها أنه يصح نفي الأمر عن الفعل فيقال إنه ما أمر به ولكن فعله وهذه الوجوه ضعيفة أما الأول فلأنا لا نسلم أن من شأن الحقيقة الاطراد وقد تقدم بيان هذا المقام سلمناه لكن لا نسلم أنه لا يصح أن يقال للأكل والشرب أمر وعن الثاني ما تقدم في باب المجاز أن الاشتقاق غير واجب في كل الحقائق
[ ٢ / ١٠ ]
وعن الثالث أن العرب إنما حكموا بتلك الصفات في الأمر بمعنى القول فإن ادعيتم أنهم حكموا به في كل ما يسمى أمرا فهو ممنوع وعن الرابع لا نسلم أنهم جوزوا نفيه مطلقا واحتج القائلون بأنه حقيقة في الفعل بوجهين أحدهما أن أهل اللغة يستعملون لفظة الأمر في الفعل وظاهر
الاستعمال الحقيقة بيان الاستعمال القرآن والشعر والعرف أما القرآن فقوله ﷾ حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور والمراد منه العجائب التي فعلها الله تعالى وقوله تعالى أتعجبين من أمر الله وأراد به الفعل وقوله وما أمر فرعون برشيد وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر وقوله تجري في البحر بأمره وقوله مسخرات بأمره وأما الشعر فقوله لأمر ما يسود من يسود
[ ٢ / ١١ ]
وأما العرف فقول العرب في خبر الزباء لأمر ما جدع قصير أنفه ويقولون أمر فلان مستقيم وأمره غير مستقيم وإنما يريدون طرائقه وأفعاله وأحواله ويقولون هذا أمر عظيم كما يقولون خطب عظيم ورأيت من فلان أمرا هالني
[ ٢ / ١٢ ]
وأما أن الأصل في الإطلاق الحقيقة فقد تقدم وثانيهما أنه قد خولف بين جمع الأمر بمعنى القول وبين جمعه بمعنى الفعل فيقال في الأول أوامر وفي الثاني أمور والاشتقاق علامة الحقيقة واحتج أبو الحسين على قوله بأن من قال هذا أمر لم يدر السامع أي
هذه الأمور أراد فإذا قال هذا أمر بالفعل أو أمر فلان مستقيم أو تحرك هذا الجسم لأمر أو جاء زيد لأمر عقل السامع من الأول القول ومن الثاني الشأن ومن الثالث أن الجسم تحرك لشئ ومن الرابع أن زيدا جاء لغرض من الأغراض وتوقف الذهن عند السماع يدل على أنه متردد بين الكل والجواب عن الأول أنا لا نسلم استعمال هذا اللفظ في الفعل من حيث إنه فعل أما قوله تعالى حتى إذا جاء أمرنا فلم لا يجوز أن يكون المراد منه القول أو الشأن والفعل يطلق عليه اسم الأمر لعموم كونه شأنا لا لخصوص كونه فعلا
[ ٢ / ١٣ ]
وكذا الجواب عن الآية الثانية وأما قوله تعالى وما أمر فرعون برشيد فلم لا يجوز أن يكون المراد هو القول بل الأظهر ذلك لما تقدم من قوله فاتبعوا أمر فرعون أي أطاعوه فيما أمرهم به سلمنا أنه ليس المراد منه القول فلم لا يجوز أن يكون المراد شأنه وطريقه وأما قوله تعالى وما أمرنا إلا واحدة فنقول لا يجوز إجراء اللفظ على ظاهره أما أولا فلأنه يلزم أن يكون فعل الله تعالى واحدا وهو باطل وأما ثانيا فلأنه يقتضي أن يكون كل فعل الله تعالى لا يحدث إلا
كلمح بالبصر في السرعة ومعلوم أنه ليس كذلك وإذا وجب صرفه عن الظهر علمنا أن المراد منه تعالى من شأنه أنه إذا أراد شيئا وقع كلمح البصر وأما قوله تجري في البحر بأمره مسخرات بأمره فلا يجوز حمل الأمر هاهنا على الفعل لأن الجري والتسخير إنما حصلا
[ ٢ / ١٤ ]
بقدرته لا بفعله فوجب حمله على الشأن والطريق سلمنا أن لفظ الأمر مستعمل في الفعل فلم قلت إنه حقيقة فيه فإن قلتم لأن الأصل في الكلام الحقيقة قلنا والأصل عدم الاشتراك على ما تقدم وقد تقدم بيان أنه إذا دار اللفظ بين الاشتراك والمجاز فالمجاز أولى والجواب عن الثاني لم لا يجوز أن تكون الأمور جمعا للأمر بمعنى الشأن لا بمعنى الفعل سلمناه لكن لا نسلم أن الجمع من علامات الحقيقة على ما تقدم بيانه فأما ما احتج به أبو الحسين فهو بناء على تردد الذهن عند سماع تلك اللفظة بين تلك المعاني وذلك ممنوع فإن الذي يزعم أنه حقيقة في القول يمنع من ذلك التردد اللهم إلا إذا وجدت قرينة مانعة من حمل اللفظ على القول كما إذا استعمل في موضع لا يليق به القول فحينئذ ذلك قرينة في أن المراد منه غير القول والله أعلم
[ ٢ / ١٥ ]