ومن الناس من لم يعتبر هذا القيد الأخير المسألة الثالثة في ماهية الطلب اعلم أن تصور ماهية الطلب حاصل لكل العقلاء على سبيل الاضطرار فإن من لم يمارس شيئا من الصنائع العلمية ولم يعرف الحدود والرسوم قد يأمر وينهى ويدرك تفرقة بديهية بين طلب الفعل وبين طلب الترك وبينهما وبين المفهوم من الخبر ويعلم أن ما
يصلح جوابا لأحدهما لا يصلح جوابا للآخر ولولا أن ماهية الطلب متصورة تصورا بديهيا وإلا لما صح ذلك ثم نقول معنى الطلب ليس نفس الصيغة لأن ماهية الطلب لا تختلف باختلاف النواحي والأمم وكان يحتمل في الصيغة التي وضعوها للخبر أن يضعوها للأمر وبالعكس فماهية الطلب ليست نفس الصيغة ولا شيئا من صفاتها بل هي ماهية قائمة بقلب المتكلم تجري مجرى علمه وقدرته وهذه الصيغ المخصوصة دالة عليها ويتفرع على هذه القاعدة مسائل
[ ٢ / ١٨ ]
المسألة الأولى أن تلك الماهية عندنا شئ غير الإرادة وقالت المعتزلة هي إرادة المأمور به لنا وجوه أولها أن الله تعالى ما أراد من الكافر الإيمان وقد أمره به فدل على أن حقيقة الأمر غير حقيقة الإرادة وغير مشروطة بها وإنما قلنا إنه تعالى ما أراد منه الإيمان لوجهين أحدهما أنه تعالى لما علم منه أنه لا يؤمن فلو آمن لزم انقلاب علمه جهلا وذلك محال والمفضي إلى المحال محال فصدور الإيمان منه محال والله تعالى عالم بكونه محالا والعالم بكون الشئ محال الوجود لا يكون مريدا له بالاتفاق فثبت أن الله تعالى لا يريد الإيمان من الكافر وتمام الأسئلة والأجوبة على هذا الوجه سيأتي في مسألة تكليف ما لا يطاق إن شاء الله تعالى
الثاني هو أن صدور الفعل عن العبد يتوقف على وجود الداعي والداعي مخلوق لله تعالى دفعا للتسلسل وعند حصول الداعي يجب وقوع الفعل وإلا لزم وقوع الممكن لا عن مرجح أو افتقاره إلى
[ ٢ / ١٩ ]
داعية أخرى وإلا لزم التسلسل إذا كانت الداعية مخلوقة لله تعالى وعند وجود الداعي يجب حصول الفعل فالله تعالى خلق في الكافر ما يوجب الكفر فلو أراد في هذه الحالة وجود الإيمان لزم كونه مريدا للضدين وذلك باطل بالاتفاق بيننا وبين خصومنا فثبت بهذين الوجهين أن الله تعالى ما أراد الإيمان من الكافر وأما أنه تعالى أمر الكافر بالإيمان فذلك مجمع عليه بين المسلمين وإذا ظهرت المقدمتان ثبت أنه وجد الأمر بدون الإرادة وإذا ثبت ذلك ثبت أن حقيقة الأمر مغايرة لحقيقة الإرادة وغير مشروطة بها فإن قيل ما المراد من قولك أمر الكافر بالإيمان إن أردت به أنه أنزل لفظا يدل على كونه مريدا لعقابه في الآخرة إذا لم يصدر منه الإيمان فهذا مسلم لكن معناه نفس إرادة العقاب لا غير فلا يحصل مطلوبكم من أنه أمر بما لم يرد وإن عنيت شيئا آخر فاذكره سلمنا ذلك لكن لا نسلم أنه ما أراد الإيمان ولا نسلم أن إيمانه محال وسيأتي تقرير هذا المقام في مسألة تكليف ما لا يطاق سلمناه لكن لا نسلم أن المحال غير مراد بيانه هو أن الإرادة من جنس الطلب وإذا جوزت طلب
[ ٢ / ٢٠ ]
المحال مع العلم بكونه محالا فلم لا تجوز إرادته مع العلم بكونه محالا والجواب قوله الأمر بالشئ عبارة عن الإخبار عن إرادة عقاب تاركه قلت لو كان كذلك لتطرق التصديق والتكذيب إلى قوله آمنوا لأن الخبر من شأنه قبول ذلك ولأن سقوط العقاب جائز أما عندنا فبالعفو وأما عندهم ففي الصغائر قبل التوبة وفي الكبائر بعدها ولو تحقق الخبر عن وقوع العقاب لما جاز ذلك قوله لم قلت إن إرادة المحال ممتنعة قلنا هذا متفق عليه بيننا وبينكم وأيضا فلأن الإرادة صفة من شأنها ترجيح أحد طرفي الجائز على الآخر وذلك في المحال محال والعلم به ضروري وثانيها أن الرجل قد يقول لغيره إني أريد منك هذا الفعل لكنني لا آمرك به ولو كان الأمر هو الإرادة لكان قوله أريد منك الفعل ولا آمرك به جاريا مجرى أن يقال أريد منك الفعل ولا أريده منك وقوله آمرك بهذا الفعل ولا أمرك به ومعلوم أن ذلك صريح
[ ٢ / ٢١ ]
التناقض دون الأول وثالثها أن الحكيم قد يأمر عبده بشئ في الشاهد ولا يريد منه أن يأتي بالمأمور به لإظهار تمرده وسوء أدبه فإن قلت ذلك ليس بأمر وإنما تصور بصورته قلت التجربة إنما تحصل بالأمر فدل على أنه أمر
ورابعها أنه سيظهر إن شاء الله تعالى في باب النسخ أنه يجوز نسخ ما وجب من الفعل قبل مضي مدة الامتثال فلو كان الأمر والنهي عبارتين عن الإرادة والكراهة لزم أن يكون الله تعالى مريدا كارها للفعل الواحد في الوقت الواحد من الوجه الواحد وذلك باطل بالاتفاق واحتج الخصم بوجهين الأول أن صيغة إفعل موضوعة لطلب الفعل وهذا الطلب إما الإرادة أو غيرها والثاني باطل لأن الطلب الذي يغاير الأرادة لو صح القول به لكان أمرا خفيا لا يطلع عليه إلا الأذكياء لكن العقلاء من أهل اللغة وضعوا هذه اللفظة للطلب الذي يعرفه كل واحد وما ذاك إلا الإرادة فعلمنا أن هذه الصيغة موضوعة للإرادة الثاني أن أرادة المأمور به لو لم تكن معتبرة في الأمر لصح الأمر بالماضي والواجب والممتنع قياسا على الخبر فإن إرادة المخبر عنه لما
[ ٢ / ٢٢ ]
لم تكن معتبرة في الخبر صح تعلق الخبر بكل هذه الأشياء والجواب عن الأول لا نسلم أن الطلب النفساني الذي يغاير الإرادة غير معلوم للعقلاء فإنهم قد يأمرون بالشئ ولا يريدونه كالسيد الذي يأمر عبده بشئ ولا يريده ليمهد عذره عند السلطان وعن الثاني أنه لا بد من الجامع وعلى أن القائل بتكليف ما لا يطاق يجوزه والله أعلم المسألة الثانية أن هذا الطلب معنى يقتضي ترجيح جانب الفعل على جانب الترك أو جانب الترك على جانب الفعل وعلى التقديرين فالترجيح قد يكون مانعا من الطرف الآخر كما في
الوجوب والحظر وقد لا يكون كما في الندب والكراهة والتفاوت بين أصل الترجيح وبين الترجيح المانع من النقيض تفاوت بالعموم والخصوص وأيضا فهنا لفظ دال على أصل الترجيح ولفظ دال على الترجيح المانع من النقيض وعلى التقديرين فالمعتبر إما اللفظ الدال عليه كيف كان اللفظ وإما اللفظة العربية
[ ٢ / ٢٣ ]
فها هنا أقسام ستة أحدها أصل الترجيح وثانيها الترجيح المانع من النقيض وثالثها ورابعها مطلق اللفظ الدال على الأول أو الثاني وخامسها وسادسها اللفظة العربية الدالة على الأول أو الثاني ثم أنت بالخيار في إطلاق لفظ الأمر على أيها شئت أو عليها بأسرها أو على طائفة منها بحسب الاشتراك فهذا حظ البحث العقلي وأما البحث اللغوي فهو أن نقول جعل الأمر اسما للصيغة الدالة على الترجيح أولى من جعله اسما لنفس الترجيح ويدل عليه وجوه أحدها أن أهل اللغة قالوا الأمر من الضرب إضرب ومن النصر
[ ٢ / ٢٤ ]
أنصر جعلوا نفس الصيغة أمرا وثانيها لو قال إن أمرت فلانا فعبدي حر ثم أشار بما يفهم منه مدلول
هذه الصيغة فإنه لا يعتق ولو كان حقيقة الأمر ما ذكرتم لزم العتق ولا يعارض هذا الحكم بما إذا خرس وأشار فإنه يعتق لأنا نمنع هذه المسألة وثالثها أنا لو جعلناه حقيقة في الصيغة كان مجازا في المدلول تسمية للمدلول باسم الدليل ولو جعلناه حقيقة في المدلول كان مجازا في الدليل تسمية للدليل باسم المدلول والأول أولى لأنه يلزم من فهم الدليل فهم المدلول أما لا يلزم من فهم المدلول فهم الدليل بل فهم دليل معين ورابعها أن الإنسان الذي قام بقلبه ذلك المعنى ولم ينطق بشئ لا يقال إنه أمر ألبتة بشئ وإذا قيل أمر فلان بكذا تبادر الذهن إلى اللفظ دون ما في
[ ٢ / ٢٥ ]
القلب وذلك يدل على أن لفظ الأمر اسم للصيغة لا للمدلول احتج المخالف بالآية والأثر والشعر والمعقول أما الآية فقوله تعالى إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون الله تعالى كذبهم في شهادتهم ومعلوم أنهم كانوا صادقين في النطق اللساني فلا بد من إثبات كلام في النفس ليكون الكذب عائدا إليه وأما الأثر فقول عمر بن الخطاب ﵁ زورت في نفسي كلاما فسبقني إليه أبو بكر
[ ٢ / ٢٦ ]
وأما الشعر فقول الأخطل
إن الكلام لفي الفؤاد وإنما جعل اللسان على الفؤاد دليلا وأما المعقول فهو إن هذه الألفاظ مفردات فلو سميت كلاما لكانت إنما سميت بذلك لكونها معرفات للمعنى النفساني فكان يجب تسمية الكتابة والإشارة كلاما وإنه باطل والجواب عن الأول أن الشهادة هي الإخبار عن الشئ مع العلم به فلما لم يكونوا عالمين به فلا جرم كذبهم الله تعالى في ادعائهم كونهم شاهدين وعن الثاني أن قوله زورت في نفسي كلاما أي خمرته كما يقال قدرت في نفسي دارا وبناء
[ ٢ / ٢٧ ]
وعن الثالث أنا لا نسلم كون الشعر عربيا محضا ولو سلمناه فمعناه أن المقصود من الكلام ما حصل في القلب وعن الرابع أنه قياس في اللغة فلا يقبل فرع الآمر اسم لمطلق اللفظ الدال على مطلق الطلب أو اللفظ العربي الدال على مطلق الطلب والحق هو الأول لأن الفارسي إذا طلب من عبده شيئا بلغته فإن العربي يسميه أمرا ولو حلف لا يأمر فأمر بالفارسية يحنث في يمينه وأما أنه اسم لمطلق اللفظ الدال على مطلق الطلب أو لمطلق اللفظ الدال على الطلب المانع من النقيض فالحق هو الثاني وذلك إنما يظهر ببيان أن الأمر للوجوب المسألة الثالثة دلالة الصيغة المخصوصة على ماهية الطلب يكفي في تحققها الوضع من غير حاجة إلى إرادة أخرى وهو قول الكعبي
لنا وجهان أحدهما أن هذه الصيغة لفظة وضعت لمعنى فلا تفتقر
[ ٢ / ٢٨ ]
في إفادتها لما هي موضوعة له إلى الإرادة كسائر الألفاظ مثل دلالة السبع والحمار على البهيمة المخصوصة فإنه لا حاجة فيها إلى الإرادة وثانيهما أن الطلب النفساني أمر باطن فلا بد من الاستدلال عليه بأمر ظاهر والإرادة أمر باظن في مفتقرة إلى المعرف كافتقار الطلب إليه فلو توقفت دلالة الصيغة على الطلب على تلك الإرادة لما أمكن الاستدلال بالصيغة على ذلك الطلب ألبتة احتج المخالف بأنا نميز بين ما إذا كانت الصيغة طلبا وبين ما إذا كانت تهديدا ولا مميز إلا الإرادة والجواب أنها حقيقة في الطلب مجاز في التهديد فكما أن الأصل في كل الألفاظ إجراؤها على حقائقها إلا عند قيام دلالة صارفة فكذا ها هنا المسألة الرابعة ذهب أبو علي وأبو هاشم إلى أن إراردة المأمور به تؤثر في صيرورة صيغة إفعل أمرا وهذا خطأ من وجهين الأول أن الآمرية لو كانت صفة للصيغة لكانت إما أن تكون حاصلة لمجموع الحروف وهو محال لأنه لا وجود لذلك المجموع
[ ٢ / ٢٩ ]
وإما لأحادها هذه فيلزم أن يكون كل واحد من الحروف التي ائتلفت صيغة الأمر منها أمرا على الاستقلال وهو محال الثاني إن صيغة إفعل دالة بالوضع على معنى وذلك المعنى هو
أرادة المأمور فإذا كانت الإرادة نفس المدلول وجب أن لا تفيد الصيغة الدالة عليها صفة قياسا على سائر المسميات والأسماء المسألة الخامسة قال جمهور المعتزلة الآمر يجب أن يكون أعلى رتبة من المأمور حتى يسمى الطلب أمرا وقال أبو الحسين البصري المعتبر هو الاستعلاء لا العلو وقال أصحابنا لا يعتبر العلو ولا الاستعلاء
[ ٢ / ٣٠ ]
لنا قوله تعالى حكاية عن فوعون أنه قال لقومه فماذا تأمرون مع أنه كان أعلى رتبة منهم وقال عمرو بن العاص لمعاوية أمرتك أمرا حازما فعصيتني وكان من التوفيق قتل ابن هاشم وقال دريد بن الصمة لنظرائه ولمن هم فوقه
[ ٢ / ٣١ ]
أمرتهم أمري بمنعرج اللوى فلم يستبينوا الرشد حتى ضحى الغد وقال حباب بن المنذر يخاطب يزيد بن المهلب أمير خراسان والعراق أمرتك أمرا حازما فعصيتني فأصبحت مسلوب الإمارة نادما فهذه الوجوه دالة على أن العلو غير معتبر وأما أن الاستعلاء غير معتبر فلأنهم يقولون فلان أمر فلانا
[ ٢ / ٣٢ ]
على وجه الرفق واللين
نعم إذا بالغ في التواضع يمتنع إطلاق الاسم عرفا وإن ثبت ذلك لغة واحتج المخالف على أن العلو معتبر بأنه يستقبح في العرف أن يقول القائل أمرت الأمير أو نهيته ولا يستقبحون أن يقال سألته أو طلبت منه ولولا أن الرتبة معتبرة وإلا لما كان كذلك وأما أبو الحسين فقال اعتبار الاستعلاء أولى من اعتبار العلو لأن من قال لغيره إفعل على سبيل التضرع إليه لا يقال إنه أمره وإن كان أعلى رتبة من المقول إليه من قال لغيره إفعل على سبيل الاستعلاء لا على سبيل التذلل يقال إنه أمره وإن كان المقول له أعلى رتبة منه ولهذا يصفون من هذا سبيله بالجهل والحمق من حيث أمر من هو أعلى رتبة منه واعلم أن مدار هذا الكلام على صحة الاستعلاء وأصحابنا يمنعون منه والله أعلم
[ ٢ / ٣٣ ]
المسألة السادسة لفظ الأمر قد يقام مقام الخبر وبالعكس أما أن الأمر يقام مقام الخبر فكما في قوله ﵊ إذا لم تستح فاصنع ما شئت معناه صنعت ما شئت وأما أن الخبر يقام مقام الأمر فكما في قوله تعالى والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء
[ ٢ / ٣٤ ]
والسبب في جواز هذا المجاز أن الأمر يدل على وجود الفعل كما أن
الخبر يدل عليه أيضا فبينهما مشابهة من هذا الوجه فصح المجاز وأيضا تجوز إقامة النهي مقام الخبر وبالعكس أما الأول فكقوله ﵊ لا تنكح اليتيمة حتى تستأمر معناه لا تنكحوها إلى غاية استئمارها وأما الثاني فكقوله ص لا تنكح المرأة المرأة ولا تنكح المرأة نفسها وكما في قوله تعالى لا يمسه إلا المطهرون
[ ٢ / ٣٥ ]
وجه المجاز أن النهي يدل على عدم الفعل كما أن هذا الخبر يدل على عدمه فبينهما مشابهة من هذا الوجه والله أعلم
[ ٢ / ٣٦ ]