المسألة الثانية في أن الأمر بالشئ نهي عن ضده اعلم أنا لا نريد بهذا أن صيغة الأمر هي صيغة النهي بل المراد أن الأمر بالشئ دال على المنع من نقيضه بطريق الالتزام وقال جمهور المعتزلة وكثير من أصحابنا إنه ليس كذلك لنا إن ما دل على وجوب الشئ دل على وجوب ما هو من ضروراته إذا كان مقدورا للمكلف على ما تقدم بيانه في المسألة الأولى والطلب الجازم من ضروراته المنع من الإخلال به فاللفظ الدال على الطلب الجازم وجب أن يكون دالا على المنع من الإخلال به بطريق الالتزام ويمكن أن يعبر عنه بعبارة أخرى فيقال إما أن يمكن أن يوجد مع الطلب الجازم الإذن بالإخلال أو لا يمكن فإن كان الأول كان جازما بطلب الفعل ويكون قد أذن في الترك وذلك متناقض وإن كان الثاني فحال وجود هذا الطلب كان الإذن في الترك ممتنعا ولا معنى لقولنا الأمر بالشئ نهي عن ضده إلا هذا
فإن قيل لا نسلم أن الطلب الجازم من ضروراته المنع من الإخلال وبيانه من وجهين
[ ٢ / ١٩٩ ]
الأول أن الأمر بالمحال جائز فلا استبعاد في أن يأمر جزما بالوجود وبالعدم معا الثاني أن الآمر بالشئ قد يكون غافلا عن ضده والنهي عن الشئ مشروط بالشعور به فالآمر بالشئ حال غفلته عن ضد ذلك الشئ يمتنع أن يكون ناهيا عن ذلك الضد فضلا عن أن يقال هذا الأمر نفس ذلك النهي والجواب قوله الأمر بالمحال جائز قلنا هب أنه جائز ولكن لا تتقرر ماهية الإيجاب في الفعل إلا عند تصور المنع من تركه فكان اللفظ الدال على الإيجاب دالا على المنع من الإخلال به ضمنا قوله قد يأمر بالشئ حال غفلته عن ضده قلنا لا نسلم أنه يصح منه إيجاب الشئ عند الغفلة عن الإخلال به وذلك لأن الوجوب ماهية مركبة من قيدين أحدهما المنع من الترك فالمتصور للإيجاب متصور للمنع من الترك فيكون متصورا للترك لا محالة وأما الضد الذي هو المعنى الوجودي المنافي فقد يكون مفغولا
[ ٢ / ٢٠٠ ]