ورابعها إذا خاطب الإنسان غيره بالأمر هل يكون داخلا فيه والحق أنه إما أن ينقل أمر غيره بكلام نفسه أو بكلام ذلك الغير أما الأول فإن كان يتناوله دخل فيه وإلا لم يدخل فيه مثال الأول أن نقول إن فلانا يأمرنا بكذا ومثال الثاني أن نقول إن فلانا يأمركم بكذا وأما الثاني فكقوله تعالى يوصيكم الله في أولادكم فهذا يدخل الكل فيه لأن ذلك خطاب مع جملة المكلفين فيتناولهم بأسرهم إلا من خصه الدليل والله أعلم المسألة الثانية عشرة في الأمر الوارد عقيب الأمر بحرف العطف وبغير حرف العطف القائل إذا قال لغيره إفعل ثم قال له إفعل لم يخل الأمر الثاني إما أن يتناول مخالف ما يتناوله الأمر الأول أو مماثله فإن تناول ما يخالفه اقتضى شيئا آخر لا محالة وهو ضربان أحدهما يصح اجتماعه مع الأول والآخر لا يصح فالذي يصح اجتماعه مع الآول يجب على المأمور فعلهما إما مجتمعين أو مفرقين إلا أن تدل دلالة منفصلة على وجوب الجمع أو
[ ٢ / ١٥٠ ]
وجوب التفريق مثاله قول القائل لغيره صل صم وأما ما لا يصح أن يجتمع مع الأول فتارة لا يصح عقلا كالصلاة
الواحدة في مكانين وتارة لا يصح سمعا كالصلاة والصدقة وكلا القسمين لا يصح الأمر بفعلهما إلا مفترقين أما إذا تناول الأمر الثاني مثل ما تناوله الأمر الأول فلا يخلو إما أن يكون ذلك المأمور به يصح التزايد فيه أو لا يصح فإن صح فإما أن يكون الأمر الثاني غير معطوف على الأول أو يكون معطوفا عليه فإن لم يكن معطوفا عليه فعند القاضي عبد الجبار ابن احمد أنه يفيد غير ما يفيده الأول إلا أن تمنع العادة من ذلك أو يرد الأمر الثاني معرفا وهذا هو المختار وقال أبو الحسين البصري الأشبه الوقف مثال ما تمنع منه العادة قول القائل لغيره إسقني ماء اسقني ماء فالعادة تمنع من تكرار سقيه في حالة واحدة في الأكثر ومثال ما يمنع منه التعريف الحاصل بالأمر الثاني قول القائل
[ ٢ / ١٥١ ]
لغيره صل ركعتين فإنه إذا قال له صل الصلاة انصرف إلى تلك الركعتين لأن لام الجنس تنصرف إلى العهد المذكور ومثال ما يعرى عن كلا القسمين قول القائل لغيره صل غدا ركعتين صل غدا ركعتين والدليل على أنه يفيد غير ما يفيد الأول وجهان الأول أن الأمر يقتضي الوجوب والفعل الأول وجب بالأمر الأول فيستحيل وجوبه بالأمر الثاني لأن تحصيل الحاصل محال فلو انصرف الأمر الثاني إلى الفعل الأول لزم حصول ما يقتضي الوجوب من غير حصول
الأثر وذلك غير جائز فوجب صرفه إلى فعل آخر الثاني أنا لو صرفنا الأمر الثاني إلى عين ما هو متعلق الأمر الأول لكان الأمر الثاني تأكيدا ولو صرفناه إلى غيره لأفاد فائدة زائدة وإذا وقع التعارض بين أن يفيد الكلام فائدة أصلية وبين أن يفيد تأكيدا فلا شك حمله على ألأول أولى وأما إن كان الأمر الثاني معطوفا على الأول فإن لم يكن معرفا فإنه يفيد غير ما يفيده الأول لأن الشئ لا يعطف على نفسه مثاله أن يقول القائل لغيره صل ركعتين وصل ركعتين
[ ٢ / ١٥٢ ]
فأما إن كان الثاني معطوفا على الأول ومعرفا كقول القائل لغيره صل ركعتين وصل الصلاة فعند أبي الحسين أن الأشبه هو الوقف فإنه يمكن أن يقال يجب حمله على تلك الصلاة لأجل لام التعريف ويمكن أن يقال بل يجب حمله على صلاة أخرى لأجل العطف وليس أحدهما بأولى من الآخر فوجب التوقف وعندي أن هذا الأخير أولى لأن لام الجنس قد تكون لتعريف الماهية كما قد تكون لتعريف المعهود السابق وبتقدير أن تكون للمعهود السابق فيمكن أن يكون المعهود السابق هو الصلاة التي تناولها الأمر الأول ويمكن أن تكون صلاة أخرى تقدم ذكرها وإذا كان كذلك بقي العطف سليما عن المعارض أما إذا كان الثاني أمرا بمثل ما تناوله الأمر وكان ذلك مما لا يصح فيه التزايد في المأمور به فلا يخلو إما أن يمتنع ذلك
[ ٢ / ١٥٣ ]
عقلا كقتل زيد وصوم يوم أو يمتنع ذلك شرعا كعتق زيد فإنه قد كان يجوز أن يتزايد عتقه ويقف تمام حريته على عدد كالطلاق وإذا لم يصح التزايد في المأمور به لم يخل الأمران إما أن يكونا عامين أو خاصين أو يكون أحدهما عاما والآخر خاصا فإن كانا عامين أو خاصين وجب أن يكون مأمورهما واحدا وأن يكون الأمر التالي تأكيدا للأول سواء ورد مع حرف العطف أو بدونه مثال العامين بحرف عطف قول القائل لغيره أقتل كل إنسان واقتل كل إنسان ومثاله بلا حرف عطف أن يسقط من الأمر الثاني حرف العطف ومثاله الخاصين بحرف عطف وبغير حرف عطف قوله اقتل زيدا واقتل زيدا اقتل زيدا اقتل زيدا وأما إذا كان أحدهما عاما والآخر خاصا سواء تقدم العام أو الخاص فالأمر الثاني إما أن يكون معطوفا على الأول أو غير معطوف عليه فإن كان معطوفا عليه فمثاله قول القائل صم كل يوم وصم يوم الجمعة
[ ٢ / ١٥٤ ]
فقال بعضهم إن يوم الجمعة لا يكون داخلا تحت الكلام الأول ليصح حكم العطف والأشبه الوقف لأنه ليس ترك ظاهر العموم أولى من ترك ظاهر العطف
وحمله على التأكيد وأما إذا كان الأمر الثاني غير معطوف فمثاله قول القائل صم كل يوم صم يوم الجمعة فها هنا عموم أحد الأمرين دليل على أن الآخر ورد تأكيدا لأنه لم يبق من ذلك الجنس شئ لم يدخل تحت العام والله أعلم
[ ٢ / ١٥٥ ]