المسألة الثانية الفعل بالنسبة إلى الوقت يكون على أحد وجوه ثلاثة الأول أن يكون الفعل فاضلا عن الوقت والتكليف بذلك لا يجوز إلا إذا جوزنا تكليف ما لا يطاق أو يكون المقصود إيجاب القضاء كما إذا طهرت الحائض أو بلغ الغلام وبقي من وقت الصلاة مقدار ركعة أو أقل والثاني أن لا يكون أزيد ولا أنقص نحو الأمر بإمساك كل اليوم وهذا لا إشكال فيه والثالث أن يكون الوقت فاضلا عن الفعل وهذا هو الواجب الموسع واختلف الناس فيه
[ ٢ / ١٧٣ ]
فمنهم من أنكره وزعم أن الوقت لا يمكن أن يزيد على الفعل ومنهم من سلم جوازه أما الأولون فقد اختلفوا فيه على ثلاثة أوجه أحدها قول من قال من أصحابنا إن الوجوب مختص بأول الوقت وأنه لو أتى به في آخر الوقت كان قضاء وثانيها قول من قال من أصحاب أبي حنيفة ﵀ إن الوجوب
مختص بآخر الوقت وأنه لو أتى به في أول الوقت كان جاريا مجرى ما لو أتى بالزكاة قبل وقتها وثالثها ما يحكى عن الكرخي أن الصلاة المأتي بها في أول الوقت موقوفة فإن أدرك المصلي آخر الوقت وليس هو على صفة المكلفين كان ما فعله نفلا وإن أدركه على صفة المكلفين كان ما فعله واجبا وأما المعترفون بالواجب الموسع وهم جمهور أصحابنا وأبو علي وأبو هاشم وأبو الحسين البصري فقد اختلفوا فيه على وجهين
[ ٢ / ١٧٤ ]
منهم من قال الوجوب متعلق بكل الوقت إلا أنه إنما يجوز ترك الصلاة في أول الوقت إلى بدل هو العزم عليها وهو قول أكثر المتكلمين وقال قوم لا حاجة إلى هذا البدل وهو قول أبي الحسين البصري وهو المختار لنا والدليل على تعلق الوجوب بكل الوقت أن الوجوب مستفاد من الأمر والأمر تناول الوقت ولم يتعرض البتة لجزء من أجزاء الوقت لأنه لو دل الأمر على تخصيصه ببعض أجزاء ذلك الوقت لكان ذلك غير هذه المسألة التي نحن نتكلم فيها وإذا لم يكن في الأمر دلالة على تخصيص ذلك الفعل بجزء من أجزاء ذلك الوقت وكان كل جزء من أجزاء الوقت قابلا له وجب أن يكون حكم ذلك الأمر هو إيجاب إيقاع ذلك الفعل في أي جزء من أجزاء ذلك الوقت أراده المكلف وذلك هو المطلوب
فإن قيل لا نسلم إمكان تحقق الوجوب في أول الوقت والتمسك بلفظ الأمر إنما يكون إذا لم يثبت بالدليل العقلي امتناعه وها هنا قد ثبت ذلك لأن كونه واجبا في ذلك الوقت معناه أن
[ ٢ / ١٧٥ ]
المكلف ممنوع من أن لا يوقعه فيه والمكلف غير ممنوع من أن لا يوقع الصلاة في أول الوقت وإذا كان كذلك استحال كون الصلاة واجبة في أول الوقت وإذا تعذر حمل الأمر على الوجوب وجب حمله على الندب فإن قلت الفرق بينه وبين المندوب من وجهين الأول أن هذه الصلاة لا يجوز تركها مطلقا والمندوب يجوز تركه مطلقا والثاني أن هذه الصلاة إنما يجوز تركها في أول الوقت إلى بدل وهو العزم على فعلها بعد ذلك وأما المندوب فإنه يجوز تركه مطلقا قلت الجواب عن الأول إني لا أدعي أن الصلاة ليست واجبة مطلقا بل أدعي أنها ليست واجبة في أول الوقت بدليل أنه يجوز تركها في أول الوقت فأما المنع من تركها في آخر الوقت فذلك يدل على وجوبها في آخر الوقت ولا يلزم من كون الشئ واجبا في وقت كونه واجبا في وقت آخر وعن الثاني إن العزم على الصلاة لا يجوز أن يكون بدلا عن الصلاة ويدل عليه أمور أحدها أن العزم على الصلاة إما أن يكون مساويا للصلاة في جميع الأمور المطلوبة أو لا يكون فإن كان الأول وجب أن يكون الإتيان بالعزم سببا لسقوط
[ ٢ / ١٧٦ ]
التكليف بالصلاة لأن الأمر ما وقع في ذلك الوقت إلا بالصلاة مرة واحدة وهذا العزم مساو للصلاة مرة واحدة في جميع الجهات المطلوبة فيلزم سقوط الأمر بالصلاة وإن كان الثاني امتنع جعله بدلا عن الصلاة لأن بدل الشئ يجب أن يكون قائما مقامه في الأمور المطلوبة يقول وثانيها أن الموجود ليس إلا الأمر بالصلاة في هذا لاوقت والأمر بالصلاة في هذا الوقت لا دلالة فيه على إيجاب العزم فإذن لا دليل البتة على وجوب العزم وما لا دليل عليه لا يجوز التكليف به وإلا ل صار ذلك تكليف ما لا يطاق وثالثها لو كان العزم بدلا عن الصلاة فإذا أتى المكلف بالعزم في هذا الوقت ثم جاء الوقت الثاني فإما أن يجب فعل العزم مرة أخرى أو لا يجب لاجائز أن يجب لأن بدل العبادة إنما يجب علي حد وجوبها ليكون فعله جاريا مجرى فعلها ومعلوم أن الأمر إنما اقتضى وجوب فعل العبادة في أحد اجزاء هذا الوقت مرة واحدة ولم يقتضي وجوب فعلها مرة أخرى في الوقت الثاني فوجب أن يكون وجوب بدلها على هذا الوجه فثبت أنه لا يجب فعل العزم في الوقت الثاني فإذن الوقت
[ ٢ / ١٧٧ ]
الثاني لا يجب فيه فعل الصلاة ولا فعل بدلها وهو هذا العزم فثبت أن جواز ترك الصلاة في هذا الوقت لا يتوقف على فعل البدل وعند هذا يجب القطع بأنها ليست واجبة بل مندوبة
والجواب قوله الفعل يجوز تركه في أول الوقت فلا يكون واجبا في أول الوقت قلنا للناس ها هنا طريقان الطريق الأول وهو الأصح أن حقيقة الواجب الموسع ترجع عند البحث إلى الواجب المخير فإن الآمر كأنه قال إفعل هذه العبادة إما في أول الوقت أو في وسطه أوفي آخره وإذا لم يبق من الوقت إلا قدر ما لا يفضل عنه فافعله لا محالة ولا تتركه البتة فقولنا يجب عليه أيقاع هذا الفعل إما في هذا الوقت أو في ذاك يجري مجرى قولنا في الواجب المخير إن الواجب علينا إما هذا أو ذاك فكما أنا نصفها بالوجوب على معنى إنه لا يجوز الإخلال بجميعها ولا يجب الإتيان بجميعها والأمر في اختيار أي واحد منها مفوض إلى رأي المكلف فكذا ها هنا لا يجوز للمكلف أن لا يوقع الصلاة في شئ من أجزاء هذا الوقت ولا يجب عليه أن يوقعها في كل أجزاء هذا
[ ٢ / ١٧٨ ]
الوقت وتعيين ذلك الجزء مفوض إلى رأي المكلف هذا إذا كان في الوقت فسحة فأما إذا ضاق الوقت فإنه يتضيق التكليف ويتعين فهذا هو الذي نقول به وعلى هذا التقدير لا حاجة إلى إثبات بدل هو العزم الطريق الثاني وهو اختيار أكثر الأصحاب وأكثر المعتزلة هو أن الفرق بين هذا الواجب وبين المندوب أن هذا الواجب لا يجوز تركه إلا
لبدل والمندوب يجوز تركه من غير بدل قوله أولا العزم إما أن يكون قائما مقام الأصل في جميع الجهات المطلوبة أو لا يكون قلنا لم لا يجوزأن يكون قائما مقام الأصل لا في جميع الأوقات بل في هذا الوقت المعين فإذا أتى بالبدل في هذا الوقت المعين سقط عنه الآمر بالأصل في هذا الوقت ولكن لم يسقط عنه الآمر بالأصل في كل الأوقات واعلم أن هذا الجواب ضعيف لأن الأمر لا يفيد التكرار بل لا يقتضي الفعل إلا مرة واحدة فإذا صار البدل قائما مقام الأصل في هذا الوقت فقد
[ ٢ / ١٧٩ ]
صار قائما مقامه في المرة الواحدة فإذا لم يكن مقتضى الأمر إلا مرة واحدة وقد قام هذا البدل مقام المرة الواحدة فقد تأدى تمام مقصود هذا الأمر بهدا البدل فوجب سقوط التكليف به بالكلية أما قوله ثانيا لا دليل على إثبات العزم قلنا لا نسلم لأن النص لما دل على الواجب الموسع ودل العقل على أنه لا يمكن إثبات الواجب الموسع إلا إذا أثبتنا له بدلا ودل الاجماع على أن ذلك البدل هو العزم لأن القائل قائلان قائل أثبت البدل وقائل ما أثبته وكل من أثبته قال إنه العزم فلو أثبتنا البدل شيئا آخر لكان ذلك خرقا للإجماع وهو باطل فثبت أن الدليل دل على وجوب العزم لكن بهذا التدريح ثم هذا لا يكون مخالفا للنص لأن النص كما لا يثبته لا ينفيه وإثبات مالا يتعرض له النص بالنفي ولا بالإثبات لا يكون مخالفة للظاهر
واعلم أن هذا الجواب ضعيف فإنا نسلم أن العقل دل على أنه
[ ٢ / ١٨٠ ]
لا يمكن إثبات الواجب الموسع إلا إذا أثبتنا له بدلا وذلك لأنه لا معنى للواجب الموسع إلا أن يقول السيد لعبده لا يجوز لك إخلاء أجزاء هذا الوقت عن هذا الفعل ولا يجب عليك إيقاعه في جميع هذه الأجزاء ولك أن تختار أيها شئت بدلا عن الآخر ومعلوم أنه لو قال ذلك لما احتيج معه إلى إثبات بدل آخر وأما قوله ثالثا إما أن يجب فعل العزم في الوقت الثاني أو لا يجب قلنا لم لا يجوز أن يجب وذلك لأن العزم بدل عن الفعل في الوقت الأول فيفتقر إلى عزم ثان بدلا عن الفعل في الوقت الثاني واعلم أن هذا الجواب ضعيف لأنا بينا أن الأمر لا يقتضي الفعل إلا مرة واحدة وإذا كان كذلك وجب أن يكون الإتيان بالعزم الواحد كافيا فظهر بما ذكرناه أن القول بالواجب الموسع حق وأنه لا حاجة في إثباته إلى إثبات بدل هو العزم والله أعلم فرع في حكم الواجب الموسع في جميع العمر وذلك
[ ٢ / ١٨١ ]
كالمنذورات وقضاء العبادات الفائتة وتأخير الحج من سنة إلى سنة فنقول إن جوزنا له التأخير أبدا وحكمنا بأنه لا يعصي إذا مات لم يتحقق
معنى الوجوب أصلا وإن قلنا إنه يتضيق التكليف عليه عند الانتهاء إلى زمان معين من غير أن يوجد على تعيين ذلك الزمان دليل فهو تكليف ما لا يطاق فإنه إذا قيل له إن كان في علم الله تعالى أنك تموت قبل الفعل فأنت في الحال عاص بالتأخير وإن كان في علمه أنك لا تموت قبل الفعل فلك التأخير فهو يقول وما يدريني ماذا في علم الله تعالى وما فتواكم في حق الجاهل فلا بد من الجزم بالتحليل أو التحريم فلم يبق إلا أن نقول يجوز له التأخير بشرط أن يغلب على ظنه أنه يبقى بعد ذلك سواء بقي أو لم يبق فأما إذا غلب على ظنه أنه لا يبقى بعد ذلك عصى بالتأخير سواء مات أو لم يمت لأنه مأخوذ بموجب ظنه ولهذا قال أبو حنيفة ﵁ لا يجوز تأخير الحج لأن البقاء إلى سنة لا يغلب على الظن
[ ٢ / ١٨٢ ]
وأما تأخير الصوم والزكاة إلى شهر أو شهرين فجائز لأنه لا يغلب على الظن الموت إلى هذه المدة والشافعي ﵁ يرى البقاء إلى السنة الثانية غالبا على الظن في حق الشاب الصحيح دون الشيخ والمريض والمعزر إذا غلب على ظنه السلامة فهلك ضمن لا لأنه أثم لكن لأنه في اخطأ ظنه والمخطئ ضامن غير آثم والله أعلم
[ ٢ / ١٨٣ ]