المسألة الثانية قال أكثر أصحابنا وأكثر المعتزلة الأمر بفروع الشرائع لا يتوقف
على حصول الإيمان وقال جمهور أصحاب أبي حنيفة ﵀ عليه يتوقف عليه وهو قول الشيخ أبي حامد الاسفراييني من فقهائنا ومن الناس من قال تتناولهم النواهي دون الأوامر فإنه يصح انتهاؤهم عن المنهيات ولا يصح إقدامهم على المأمورات واعلم أنه لا أثر لهذا الاختلاف في الأحكام المتعلقة بالدينا لأنه ما دام الكافر كافرا يمتنع منه الإقدام على الصلاة وإذا أسلم لم يجب عليه القضاء وإنما تأثير هذا الاختلاف في أحكام الآخرة فإن الكافر إذا مات على كفره فلا شك أنه يعاقب على كفره وهل يعاقب مع ذلك على تركه الصلاة والزكاة وغيرهما أم لا
[ ٢ / ٢٣٧ ]
ولا معنى لقولنا كما إنهم مأمورون بهذه العبادات إلا أنهم كما يعاقبون على ترك الإيمان يعاقبون أيضا بعقاب زائد على ترك هذه العبادات ومن أنكر ذلك قال إنهم لا يعاقبون إلا على ترك الإينمان وهذه دقيقة لا بد من معرفتها لنا وجوه الأول أن المقتضى لوجوب هذه العبادات قائم والوصف الموجود وهو الكفر لا يصلح مانعا فوجب القول بالوجوب إنما قلنا إن المقتضى موجود لقوله تعالى يا أيها الناس اعبدوا ربكم وقوله تعالى ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه
سبيلا ولا شك في أن هذه النصوص عامة في حق الكل وإنما قلنا إن الكفر لا يصلح أن يكون مانعا لأن الكافر متمكن من الإتيان بالإيمان أولا حتى يصير متكمنا من الإتيان بالصلاة والزكاة
[ ٢ / ٢٣٨ ]
بناء عليه وبهذا الطريق قلنا الدهري مكلف بتصديق الرسول والمحدث مأمور بالصلاة فثبت أن المقتضي قائم والمعارض غير مانع فوجب القول بالوجوب الدليل الثاني قوله تعالى ما سلككم في سقر قالوا لم نك من المصلين وهذا يدل على أنهم يعاقبون على ترك الصلاة فإن قيل هذه حكاية قول الكفار فلا يكون حجة فإن قلت لو كان ذلك باطلا لبينه الله تعالى قلت لا نسلم وجوب ذلك فإنه تعالى حكى عنهم أنهم قالوا والله ربنا ما كنا مشركين ما كنا نعمل من سوء يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم ثم إنه تعالى ما كذبهم في هذه المواضع فعلمنا أن تكذيبهم غير واجب
[ ٢ / ٢٣٩ ]
سلمنا أنه جحة لكن لم لا يجوز أن يقال العذاب على مجرد التكذيب لقوله تعالى وكنا نكذب بيوم الدين والدليل عليه أن التكذيب سبب مستقل باقتضاء دخول النار وإذا وجد السبب المستقل باقتضاء الحكم لم يجز إحالته على غيره
سلمنا أن العذيب واقع على جميع الأمور المذكورة لكن قوله لم نك من المصلين معناه لم نك من المؤمنين لأن اللفظ محتمل والدليل دل عليه أما اللفظ محتمل فلما روي في الحديث نهيت عن قتل المصلين ويقال قال أهل الصلاة والمراد منه المسلمون وأما أن الدليل دل عليه فلأن أهل الكتاب داخلون في هذه الجملة مع أنهم كانوا يصلون ويتصدقون ويؤمنون بالغيب ولو كان المراد من لم يأت بالصلاة والزكاة لكانوا كاذبين فيه فعلمنا أن المراد أنهم ما كانوا من أهل الصلاة والزكاة
[ ٢ / ٢٤٠ ]
سلمنا أن التعذيب على ترك الصلاة لكن قوله لم نك من المصلين يجوز أن يكون إخبارا عن قوم ارتدوا بعد إسلامهم مع أنهم ما صلوا حال إسلامهم لأنه واقعة حال فيكفي في صدقه صورة واحدة سلمنا عمومه في حق الكفار ولكن الوعيد ترتب على فعل الكل فلم قلت إنه حاصل على كل واحد من تلك الأمور والجواب أن الله تعالى لما حكى عن الكفار تعليلهم دخول النار بترك الصلاة وجب أن يكون ذلك صدقا لأنه لو كان كذبا مع أنه تعالى ما بين كذبهم فيها لم يكن في روايتها فائدة وكلام الله تعالى متى أمكن حمله على ما هو أكثر فائدة وجب ذلك وأما المواضع التي كذبوا فيها مع أن الله تعالى ما بين كذبهم فيها فذاك لاستقلال العقل بمعرفة كذبهم فيها فتكون الفائدة من ذكر تلك الأشياء بيان نهاية مكابرتهم وعنادهم في الدنيا والآخرة وأما ها هنا فلما لم يكن العقل مستقلا بمعرفة كذبهم والله تعالى
[ ٢ / ٢٤١ ]
لم يبين لنا ذلك فلو كانوا كاذبين فيه لم يحصل منه غرض أصلا فتكون الآية عرية عن الفائدة قوله العلة هي التكذيب بيوم الدين قلنا لو كان كذلك لكان سائر القيود عديم الأثر في اقتضاء هذا الحكم وذلك باطل لأن الله تعالى رتب الحكم عليها أولا في قوله تعالى قالوا لم نك من المصلين ولم نك نطعم المسكين قوله لما وجد السبب المستقل لم يجز إحالة الحكم على غيره قلنا لعل الحصول في الموضع المعين من الجحيم ما كان لمجرد التكذيب بل لمجموع هذه الأمور وإن كان مجرد التكذيب سببا لدخول مطلق الجحيم قوله المراد من قوله لم نك من المصلين أي لم نك من المؤمنين قلنا هذا التأويل لا يتأتي في قوله ولم نك نطعم المسكين قوله أهل الكتاب صلوا وأطعموا
[ ٢ / ٢٤٢ ]
قلنا الصلاة في عرف الشرع عبارة عن الأفعال المخصوصة التي في شرعنا لا التي في شرع غيرنا قوله جاز أن يكون المراد منه قوما ارتدوا بعد إسلامهم قلنا إن قوله ﷾ قالوا لم نك من المصلين هو جواب المجرمين المذكورين في قوله يتساءلون عن المجرمين وذلك عام في حق الكل
الدليل الثالث قوله تعالى والذين لا يدعون مع الله إلها آخر إلى قوله يضاعف له العذاب يوم القيامة وكذلك قوله فلا صدق ولا صلى ولكن كذب وتولى ذمهم على ترك الكل وكذلك قوله تعالى ويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة الدليل الرابع الكافر يتناوله النهي فوجب أن يتناوله الأمر وإنما قلنا إنه يتناوله النهي لأنه يحد على الزنى وإنما قلنا إنه إذا تناوله النهي وجب أن يتناوله الأمر لأنه إنما يتناوله النهي ليكون متمكنا من الاحتراز عن المفسدة الحاصلة بسبب
[ ٢ / ٢٤٣ ]
الإقدام على المنهي عنه فوجب أن يتناوله الأمر ليكون متمكنا من استيفاء المصلحة الحاصلة بسبب الإقدام على المأمور به فإن قيل لا نسلم أنه يتناوله النهي وأما الحد فذاك لأنه التزم إحكامنا وسلم سلمنا لكن لافرق بين الأمر والنهي هو أنه مع كفره يمكنه الانتهاء عن المنهيات ولا يمكنه مع كفره الإتيان بالمأمورات والجواب عن الأول أن من أحكام شرعنا أن لا يحد أحد بالفعل المباح وعن الثاني أن قولكم الكافر المكلف يمكنه الانتهاء عن المنهيات إن عنيتم به أنه يتمكن من تركها من غير اعتبار النية فهو أيضا متمكن من فعل المأمورات من غير اعتبار النية وإن عنيتم به أنه متمكن من الانتهاء عن المنهيات لغرض امتثال قول الشارع فمعلوم أن ذلك حال عدم الإيمان متعذر
[ ٢ / ٢٤٤ ]
فالحاصل أن المأمور والمنهي استويا في أن الإتيان بهما من حيث الصورة لا يتوقف على الإينما والإتيان بهما لغرض امتثال حكم الشارع يتوقف في كليهما على الإينما فبطل الفرق الذي ذكروه واحتج المخالف بأمرين أحدهما أنه لو وجبت الصلاة على الكافر لوجبت عليه إما حال الكفر أو بعده والأول باطل لأن الإتيان بالصلاة في حال الكفر ممتنع والممتنع لا يكون مأمورا به والثاني باطل لإجماعنا على أن الكافر إذا أسلم فإنه لا يؤمر بقضاء ما فاته من الصلاة في زمان الكفر وثانيهما لو وجبت هذه العبادات على الكافر لوجب عليه قضاؤها كما في حق المسلم والجامع تدارك المصلحة المتعلقة بتلك العبادات ولما لم يكن الأمر كذلك علمنا أنها غير واجبة عليه والجواب عن الأول أنا بينا أنه لا تظهر فائدة هذا الخلاف في الأحكام الدنيوية إنما تظهر فائدته في الأحكام الأخروية وهي أنه هل يزداد عقاب الكافر بسبب تركه لهذه العبادات وما ذكرتموه من الدلالة لا يتناول هذا المعنى
[ ٢ / ٢٤٥ ]