العموم أنه لا يدل واحد منهما على الاشتراك وعلى أن الأوامر الواردة بمعنى التكرار بعضها يفيد التكرار في اليوم وبعضها في الأسبوع وبعضها في الشهر وبعضها في السنة وظاهر أن ذلك لا يستفاد الا من دليل منفصل والله أعلم المسألة الخامسة اختلفوا في أن الأمر المعلق بشرط أو صفة هل يقتضي تكرار المأمور به بتكرارهما أم لا مثال الصفة قوله تعالى والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما ومثال الشرط إن كان أو إذا كان زانيا فارجمه فنقول كل من جعل الأمر المطلق مفيدا للتكرار قال به ها هنا أيضا وأما القائلون بأن الأمر المطلق لا يفيد التكرار فمنهم من قال بأنه ها هنا يفيد التكرار ومنهم من قال لا يفيده والمختار أنه لا يفيده من جهة اللفظ ويفيده من جهة ورود الأمر بالقياس فها هنا مقامان المقام الآول في أنه لا يفيده من جهة اللفظ ويدل عليه وجوه أحدها أن السيد إذا قال لعبده اشتر اللحم إن دخلت السوق لا يعقل
[ ٢ / ١٠٧ ]
منه التكرار حتى لو اشتراه دفعة واحدة لا يلزمه الشراء ثانيا وثانيها لو قال لامرأته إن دخلت الدار فأنت طالق لا يتكرر الطلاق بتكرر دخولها في الدار وكذلك لو قال إن رد الله علي مالي أو دابتي أو صحتي فله
علي كذا لم يتكرر الجزاء بتكرر الشرط وكذا لو قال الرجل لوكيله طلق زوجتي إن دخلت الدار لم يثبت على التكرار وثالثها أجمعنا على أن الخبر المعلق على الشرط كقوله زيد سيدخل الدار لو دخلها عمرو فدخلها عمرو ودخلها زيد فإنه يعد صادقا وإن لم يتكرر دخول زيد عند دخول عمرو فوجب أن يكون في هذه الصورة كذلك والجامع دفع الضرر الحاصل من التكليف بالتكرار ورابعها أن اللفظ ما دل إلا على تعليق شئ على شئ والمفهوم من تعليق شئ أعم من تعليقه عليه في كل الصور أو في صورة واحدة لأنه يصح تقسيم ذلك المفهوم إلى هذين القسمين ومورد التقسيم مشترك بين القسمين فإذن تعليق الشئ على الشئ لا يدل على تكرار ذلك التعليق
[ ٢ / ١٠٨ ]
المقام الثاني في أنه يفيده من جهة ورود الأمر بالقياس والدليل عليه أن الله تعالى لو قال إن كان زانيا فارجمه فهذا يدل على انه تعالى جعل الزنا علة لوجوب الرجم ومتى كان كذلك لزم تكرر الحكم عند تكرر الصفة بيان الأول أن القائل اذا قال إن كان الرجل عالما زاهدا فاقتله وإن كان جاهلا فاسقا فأكرمه فهذا الكلام مستقبح في العرف والعلم بذلك ضروري فالاستقباح لو إما أن يكون لأنه يفيد أن هذا القائل جعل الجهل والفسق موجبين للتعظيم أو لأنه لا يفيد ذلك والثاني باطل لأنه لو لم يفد
العلية ولا منافاة أيضا بين الجهل وبين استحقاق التعظيم بسبب آخر من كونه نسبيا شجاعا جوادا فصيحا فحينئذ لم يكن إثبات استحقاق التعظيم مع كونه جاهلا فاسقا على خلاف الحكمة فكان يجب أن لا يثبت وحيث ثبت علمنا فساد هذا القسم وأن ذلك الاستقباح إنما
[ ٢ / ١٠٩ ]
حصل لأنه يفيد أن ذلك القائل جعل جهله وفسقه علة لاستحقاق الإكرام فثبت أن ترتيب الحكم على الوصف مشعر بكون الوصف علة فإذا صدر ذلك من الله تعالى أفاد ظن أن الله تعالى جعل ذلك الوصف علة وذلك يوجب تكرر الحكم عند تكرر الوصف باتفاق القائسين فثبت أن قول الله تعالى إن كان زانيا فارجمه يفيد تكرار الرجم عند تكرار الزنى فإن قيل أولا هذا يشكل بقوله إن دخلت الدار فأنت طالق فإنه لا يتكرر الطلاق بتكرر الدخول وإن دخلت السوق فاشتر اللحم فإنه لا يتكرر الأمر بشراء اللحم عند تكرر دخول السوق ثم نقول لا نسلم أنه يفيد ظن العلية أما قوله إن كان الرجل عالما فاقتله فهذا الاستقباح إنما جاز لأن كونه عالما ينافي جواز القتل فإثبات هذا الحكم مع قيام المنافي يوجب الاستقباح سلمنا أنه يفيد العلية في هذه الصورة فلم قلت إن في سائر الصور يجب أن يكون كذلك
[ ٢ / ١١٠ ]
سلمنا أنه في جميع الصور يفيد العلية فلم قلت إنه يلزم من تكرر العلة تكرر الحكم فإن السرقة وإن كانت موجبة للقطع لكن يتوقف إيجابها لهذا الحكم على شرائط كثيرة الجواب أن قوله إن دخلت الدار فأنت طالق فهذا يفيد ظن أن هذا الإنسان جعل دخول الدار علة لوقوع الطلاق وإذا جعل الإنسان شيئا علة لحكم لم يلزم من تكرر ما جعله تكرر ذلك الحكم ألا ترى أنه لو قال أعتقت عبدي غانما لسواده وبعلة كونه أسود وكان له عبد آخر أسود فإنه لا يعتق عليه ذلك العبد ومعلوم أن التنبيه على العلية لا يزيد على التصريح بها أما إذا علمنا أو ظننا أن الشارع جعل شيئا علة لحكم فإنه يلزم من تكرر ذلك الشئ تكرر ذلك الحكم بإجماع القائسين فثبت أنه لا يلزم من عدم تكرر الحكم عند تكرر المعلق عليه عند ما يكون التعليق صادرا من العبد أن لا يتكرر عند ما يكون التعليق صادرا من الله تعالى
[ ٢ / ١١١ ]
فإن قلت هذا التكرار لا يكون مستفادا من اللفظ بل يكون مستفادا من الامر بالقياس قلت هذا هو الحق وعند هذا يظهر أنه لا مخالفة بين هذا المذهب وبين ظاهر المذهب المنقول عن الأصوليين من أنه لا يفيد التكرار وهو حق ونحن نعني به إنه يفيد ظن العلية فإذا انضم الأمر بالقياس حصل من مجموعهما إفادة التكرار ولا منافاة بين هذا المذهب وبين ما قالوه قوله الاستقباح إنما جاز لأن كونه فاسقا ينافي جواز التعظيم
قلنا لا نسلم حصول المنافاة لأن الفاسق قد يستحق الإكرام بجهات أخر والأصل تخريج الحكم على وفق الأصل قوله لم قلت إنه لما حصل ظن العلية في الصورة التي ذكرتموها حصل ظن العلية في سائر الصور قلنا لوجهين أحدهما أنا نقيس عليه سائر الصور والجامع هو أن الحكم إذا كان مذكورا مع علته كان أقرب إلى القبول وذلك مصلحة المكلف فيناسب الشرعية الثاني أنا نعد صورا كثيرة ونبين حصول ذلك الظن فيها ثم نقول لا بد بينها من قدر مشترك وذلك المشترك إما ما ذكرناه من ترتيب الحكم على الوصف أو غيره
[ ٢ / ١١٢ ]