على الكفاية وقوله تعالى لا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله وحلق الرأس نسك وليس بمباح محض وعن الثاني أن العرف متعارض لأن من قال لابنه وهو في الحبس
اخرج إلى المكتب فهو أمر بعد الحظر وقد يفيد الوجوب والله أعلم تنبيه القائلون بأن الأمر بعد الحظر للإباحة اختلفوا في النهي الوارد عقيب الوجوب فمنهم من طرد القياس فقال إنه للإباحة ومنهم من قال لا تأثير ها هنا للوجوب المقدم بل النهي يفيد التحريم المسألة الرابعة الأمر المطلق لا يفيد التكرار بل يفيد طلب الماهية من غير إشعار بالوحدة والكثرة إلا أن ذلك المطلوب لما حصل بالمرة الواحدة لا جرم يكتفى بها والأكثرون خالفوا فيه وهم ثلاث فرق
[ ٢ / ٩٨ ]
إحداها الذين قالوا إنه يقتضي المرة الواحدة لفظا والثانية أنه يقتضي التكرار وثالثها التوقف إما لادعاء كون اللفظ مشتركا بين المرة الواحدة والتكرار أو لأنه لا يدرى أنه حقيقة في المرة الواحدة أو في التكرار لنا وجوه أحدها أن صيغة إفعل موضوعة لطلب إدخال ماهية المصدر في الوجود فوجب أن لا تدل على التكرار ولا على المرة
بيان الأول أن المسلمين أجمعوا على أن أوامر الله تعالى منها ما جاء على التكرار كما في قوله تعالى أقيموا الصلاة ومنها ما جاء لا على التكرار كما في الحج وفي حق العباد أيضا قد لا يفيد التكرار فإن السيد إذا أمر عبده بدخول الدار أو بشراء اللحم لم يعقل منه التكرار ولو ذمه السيد على ترك التكرار للامه العقلاء ولو كرر العبد الدخول لحسن من السيد أن يلومه ويقول إني قد
[ ٢ / ٩٩ ]
أمرتك بالدخول وقد دخلت فيكفي ذلك وما أمرتك بتكرار الدخول وقد يفيد التكرار فإنه إذا قال احفظ دابتي فحفظها ساعة ثم أطلقها يذم إذا ثبت هذا فنقول الاشتراك والمجاز خلاف الأصل فلا بد من جعل اللفظ حقيقة في القدر المشترك بين الصورتين وما ذاك إلا طلب إدخال ماهية المصدر في الوجود وإذا ثبت ذلك وجب أن لا يدل على التكرار لأن اللفظ الدال على القدر المشترك بين الصورتين المختلفتين لا دلالة فيه على ما به تمتاز إحدى الصورتين عن الأخرى لا بالوضع ولا بالاستلزام فالأمر لا دلالة فيه البتة لا على التكرار ولا على المرة الواحدة بل على طلب الماهية من حيث هي هي إلا إنه لا يمكن إدخال تلك الماهية في الوجود بأقل من المرة الواحدة فصارت المرة الواحدة من ضرورات الإتيان بالمأمور به فلا جرم دل على المرة الواحدة من هذا الوجه وثانيها أن أهل اللغة قالوا لا فرق بين قولنا يفعل وبين قولنا
إفعل إلا في كون الأول خبرا والثاني طلبا ثم أجمعنا على أن قولنا يفعل يتحقق مقتضاه بتمامه في حق من
[ ٢ / ١٠٠ ]
يأتي به مرة واحدة فكذا في الأمر وإلا لحصلت بينهما تفرقة في شئ غير الخبرية والطلبية وذلك يقدح في قولهم وثالثها أن القول بالتكرار يقتضي أن تستغرق الأوقات بحيث لا يخلو وقت عن وجوب المأمور به إذ ليس في اللفظ إشعار بوقت معين فليس حمله على البعض أولى من الباقي لكن حمله على كل الأوقات غير جائز أما أولا فبالإجماع وأما ثانيا فلأنه إذا أمر بعبادة ثم أمر بغيرها لزم أن تكون الثانية ناسخة للأولى لأن الأول قد استوعب جميع الأوقات والثاني يقتضي إزالته عن بعضها والنسخ هو إزالة الحكم بعد ثبوته إلى بدل وقد حصل ذلك ها هنا وفي علمنا بأن الأمر ببعض الصلوات ليس نسخا لغيرها وأن الأمر بالحج ليس نسخا للصلاة ما يدل على فساد ما قالوا وأما ثالثا فلأنه يلزم أن يكون الأمر بغسل بعض أعضاء الوضوء نسخا لما تقدمه والأمر بالصلاة يكون نسخال عند للأمر بالوضوء وذلك لا يقوله عاقل ورابعها أنا نعلم حسن قول القائل لغيره إفعل كذا أبدا أو افعله
[ ٢ / ١٠١ ]
مرة واحدة بلا زيادة فلو دل الأمر على التكرار لكان الأول تكرارا والثاني نقضا ولما لم يكن كذلك بطل ما قالوا
احتج القائلون بالتكرار بوجوه أحدها أن الصديق ﵁ تمسك على أهل الردة في وجوب تكرار الزكاة بقوله تعالى وآتوا الزكاة ولم ينكر عليه أحد من الصحابة فدل على انعقاد الإجماع على أن الأمر للتكرار وثانيها أن الأمر طلب الفعل والنهي طلب الترك فإذا كان النهي الذي هو أحد الطلبين يفيد التكرار فكذا الآخر وثالثها أن الأمر لو لم يفد التكرار لما جاز ورود النسخ عليه ولا
[ ٢ / ١٠٢ ]
الاستثناء لأن ورود النسخ على المرة الواحدة يدل على البداء وورود الاستثناء عليها يكون نقضا ورابعها أنه ليس في لفظ الأمر تعيين زمان فلا يكون اقتضاؤه لأيقاع الفعل في زمان أولى من اقتضائه لإيقاعه في زمان آخر فإما أن لا يقتضي إيقاعه في شئ من الأزمنة وهو باطل أو في كل الأزمنة وهو المطلوب وخامسها أن الاحتياط يقتضي تكرار المأمور به لأنه بالتكرار يأمن من الإقدام على مخالفة أمر الله تعالى وبترك التكرار لا يأمن منه لاحتمال أن يكون ذلك الأمر للتكرار فوجب حمله على التكرار دفعا لضرر الخوف على النفس وأما القائلون بالاشتراك بين المرة الواحدة وبين التكرار فقد احتجوا بوجهين أحدهما أنه يحسن الاستفهام فيه فيقال أردت بأمرك فعل مرة واحدة أم أكثر ولذلك قال سراقة للنبي ص أحجتنا لعامنا هذا أم
[ ٢ / ١٠٣ ]
للأبد وحسن الاستفهام دليل الاشتراك وثانيهما ورود الأمر في كتاب الله تعالى وسنة رسوله ص وسلم على الوجهين والأصل في الكلام الحقيقة فكان الاشتراك لازما والجواب عن الأول لعل رسول الله ص بين للصحابة أن قوله أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة يفيد التكرار فلما كان ذلك معلوما للصحابة لا جرم تمسك الصديق بهذه الآية في وجوب التكرار وعن الثاني أن الفرق من وجهين
[ ٢ / ١٠٤ ]
الأول أن الانتهاء عن الفعل أبدا ممكن أما الاشتغال به أبدا فغير ممكن فظهر الفرق والثاني أن النهي كالنقيض للأمر لأن قول القائل لغيره كن فاعلا موجود في قوله لا تكن فاعلا وإنما زاد عليه لفظ النفي فجرى مجرى قوله زيد في الدار زيد ليس في الدار وإذا كان النهي مناقضا للأمر وجب أن تكون فائدة النهي مناقضة لفائدة الأمر فإذا كان قولنا إفعل يقتضي إيقاع الفعل في زمان ما أي زمان كان فقولنا لا تفعل وجب أن يقتضي المنع من إيقاعه في زمان ما أي زمان كان بل في الأزمنة كلها لأنه إن لم يفعل اليوم وفعل غدا كان ممتثلا للأمر ولا يجوز أن يكون ممتثلا للأمر والنهي معا مع كونهما نقيضين فصح أن كون الأمر مفيدا للمرة الواحدة يقتضي أن يكون النهي مانعا للفعل في جميع الأزمان
ثم نقول كون النهي مفيدا للتكرار يدل على أن الأمر لا يفيد إلا المرة الواحدة لأن فائدة الأر رفع فائدة النهي وفائد النهي المنع من الفعل
[ ٢ / ١٠٥ ]
في كل الأزمان ففائدة الأمر رفع هذا المنع الكلي ورفع المنع الكلي يحصل بالثبوت ولو في زمان واحد فوجب أن تكون فائدة الأمر اقتضاء الفعل ولو في زمان واحد وإذا كان كذلك لزم من كون الأمر نقيضا للنهي مع كون النهي مفيدا للتكرار أن يكون الأمر غير مفيد للتكرار وعن الثالث أن النسخ لا يجوز وروده عليه فإذا ورد صار ذلك قرينة في أنه كان المراد به التكرار وعندنا لا يمتنع حمل الأمر على التكرار بسبب بعض القرائن وأما الاستثناء فإنه لا يجوز على قول من يقول بالفور أما من لم يقل به فإنه يجوز الاستثناء وفائدته المنع من إيقاع الفعل في بعض الأوقات التي كان المكلف مخيرا بين إيقاع الفعل فيه وفي غيره وعن الرابع أن الآمر عند القائلين بالفور مختص بأقرب الأزمنة إليه وعند منكريه دال على طلب إيقاع المصدر من غير بيان الوحدة والعدد والزمان الحاضر والآتي بل على القدر المشترك بين المقيد والمؤقت ومقابليهما أخبرنا وعن الخامس أن المكلف إذا علم أن اللفظ لا يدل على التكرار أمن من الخوف على أنه معارض بالخوف الحاصل من التكرار فإنه ربما كان ذلك مفسدة كما في شراء اللحم ودخول الدار وأما الاستفهام والاستعمال فسيظهر إن شاء الله تعالى في باب
[ ٢ / ١٠٦ ]