وعن الثاني أن تلك الأفعال مجزئة بالنسبة إلى الأمر الوارد بإتمامها وغير مجزئة بالنسبة إلى الأمر الأول لأن الأمر الأول اقتضى إيقاع المأمور به لا على هذا الوجه الذي وقع بل على وجه آخر وذلك الوجه بعد لم يوجد وعن الثالث أن الإتيان بتمام المأمور به يوجب أن لا يبقى الأمر مقتضيا بعد ذلك وذلك هو المراد بالإجزاء والله أعلم المسألة الرابعة الإخلال بالمأمور به هل يوجب فعل القضاء أم لا هذه المسألة لها صورتان الصورة الأولى الأمر المقيد كما إذا قال إفعل في هذا الوقت فلم يفعل حتى مضى ذلك الوقت فالأمر الأول هل يقتضي إيقاع ذلك الفعل فيما بعد ذلك الوقت الحق لا لوجهين الأول أن قول القائل لغيره إفعل هذا الفعل يوم الجمعة لا يتناول ما عدا يوم الجمعة وما لا يتناولة عنه الأمر وجب أن لا يدل عليه بإثبات ولا
بنفي بل لو كان قوله إفعل هذا الفعل يوم الجمعة موضوعا في اللغة
[ ٢ / ٢٤٩ ]
لطلب الفعل في يوم الجمعة وإلا ففيما بعدها فها هنا إذا تركه يوم الجمعة لزمه الفعل فيما بعده ولكن على هذا التقدير يكون الدال على لزوم الفعل فيما بعد يوم الجمعة ليس مجرد طلب الفعل يوم الجمعة بل كون الصيغة موضوعة لطلب يوم الجمعة وسائر الأيام ولا نزاع في هذه الصورة وإنما النزاع في أن مجرد طلب الفعل يوم الجمعة لا يقتضي إيقاعه بعد ذلك الثاني أن أوامر الشرع تارة لم تستعقب وجوب القضاء كما في صلاة الجمعة وتارى استعقبته إن ووجود الدليل مع عدم المدلول خلاف الأصل فوجب أن يقال إن إيجاب الشئ لا اشعار له بوجوب القضاء وعدم وجوبه فإن قلت إنك لما جعلته غير موجب للقضاء فحيث وجب القضاء لزمك خلاف الظاهر قلت عدم إيجاب القضاء غير وإيجاب عدم القضاء غير ومخالفة الظاهر إنما تلزم من الثاني وأنا لا أقول به أما على التقدير الأول فغايته أنه دل دليل منفصل على أمر لم يتعرض له الظاهر بنفي ولا إثبات وذلك لا يقتضي خلاف الظاهر
[ ٢ / ٢٥٠ ]
الصورة الثانية الأمر المطلق وهو أن يقول افعل ولا يقيده بزمان معين فإذا لم يفعل المكلف ذلك في أول أوقات الإمكان فهل يجب فعله فيما بعده أو
يحتاج إلى دليل أما نفاة الفور فإنهم يقولون الأمر يقتضي الفعل مطلقا فلا يخرج عن العهدة إلا بفعله وأما مثبتوه فمنهم من قال إنه يقتضي الفعل بعد ذلك وهو قول أبي بكر الرازي ومنهم من قال لا يقتضيه بل لا بد في ذلك من دليل زائد ومنشأ الخلاف أن قول القائل لغيره إفعل كذا هل معناه إفعل في الزمان الثاني فإن عصيت ففي الثالث فإن عصيت ففي الرابع على هذا أبدا أو معناه إفعل في الثاني من غير بيان حال الزمان الثالث والرابع
[ ٢ / ٢٥١ ]
فإن قلنا بالأول اقتضى الأمر الفعل في سائر الأزمان وإن قلنا بالثاني لم يقتضه فصارت هذه المسألة لغوية واحتج من قال أنه لا بد من دليل منفصل بأن قوله إفعل قائم مقام قوله إفعل في الزمان الثاني وقد بينا أنه إذا قيل له ذلك وترك الفعل في الزمان الثاني لم يكن ذلك القول سببا لوجوب الفعل في الزمان الثالث فكذا ها هنا ضرورة أنه لا تفاوت بين اللفظتين واحتج أبو بكر الرازي على قوله بأن لفظ إفعل يقتضي كون المأمور فاعلا على الإطلاق وهذا يوجب بقاء الأمر إلا ما لم يصر المأمور فاعلا وأيضا الأمر اقتضى وجوب المأمور به ووجوبه يقتضي كونه على الفور وإذا أمكن الجمع بين موجبيهما لم يكن لنا إبطال أحدهما وقد
أمكن الجمع بينهما بأن نوجب فعل المأمور به في أول أوقات الإمكان لئا ينتقض وجوبه فإن لم يفعله أوجبناه في الثاني لأن مقتضى الأمر وهو كون المأمور فاعلا لم يحصل بعد والله أعلم
[ ٢ / ٢٥٢ ]