والثاني مرجوح لأن الأصل عدد سائر الصفات فتعين الأول فعلمنا أن ترتيب الحكم على الوصف أينما كان فإنه يفيد ظن العلية قوله لم قلت إنه يلزم من تكرر العلة تكرر الحكم قلنا هذا متفق عليه بين القائسين فلا يكون المنع فيه مقبولا والله أعلم المسألة السادسة في أن مطلق الأمر لا يفيد الفور قالت الحنفية إنه يفيد الفور وقال قائلون إنه يفيد التراخي
وقالت الواقفية إنه مشترك بين الفور والتراخي والحق أنه موضوع لطلب الفعل وهو القدر المشترك بين طلب الفعل على الفور وبين طلبه على التراخي من غير أن يكون في اللفظ إشعار بخصوص كونه فورا أو تراخيا لنا وجوه أحدها أن الأمر قد يرد عندما يكون المراد منه الفور تارة والتراخي اخرى فلا بد من جعله حقيقة في القدر المشترك بين القسمين دفعا للاشتراك والمجاز والموضوع لإفادة القدر بين القسمين لا يكون له إشعار
[ ٢ / ١١٣ ]
بخصوصية كل واحد من القسمين لأن تلك الخصوصية مغايرة لمسمى اللفظ وغير لازمة له فثبت أن اللفظ لا إشعار له لا بخصوص كونه فورا ولا بخصوص كونه تراخيا وثانيها أنه يحسن من السيد أن يقول إفعل الفعل الفلاني في الحال أو غدا ولو كان كونه فورا داخلا في لفظ إفعل لكان الأول تكرارا والثاني نقضا وأنه غير جائز وثالثها أن أهل اللغة قالوا لا فرق بين قولنا يفعل وبين قولنا إفعل إلا أن الآول خبر والثاني أمر لكن قولنا يفعل لا إشعار له بشئ من الأوقات فإنه يكفي في صدق قولنا يفعل إتيانه به في أي وقت كان من أوقات المستقبل فكذا قوله إفعل وجب أن يكفي في الإتيان بمقتضاه الإتيان به في أي وقت كان من اوقات المستقبل وإلا فحينئذ يحصل بينهما فرق في أمر آخر سوى كونه خبرا أو أمرا
[ ٢ / ١١٤ ]
ورابعها أن أهل اللغة قالوا في لفظ إفعل إنه أمر والأمر قدر مشترك بين الأمر بالشئ على الفور وبين الأمر به على التراخي لأن الأمر به على الفور أمر مع قيد كونه على الفور وكذلك الأمر به على التراخي أمر مع قيد كونه على التراخي ومتى حصل المركب فقد حصل المفرد فعلمنا أن مسمى الأمر قدر مشترك بين الأمر مع كونه فورا وبين الأمر مع كونه متراخيا وإذا ثبت أن لفظ إفعل للأمر وثبت أن الأمر قدر مشترك بين هذين القسمين ثبت أن لفظ أفعل لا يدل إلا على قدر مشترك بين هذين القسمين واحتج المخالف بأمور أحدها قوله تعالى لإبليس ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك عابه على أنه لم يأت في الحال بالمأمور به وهذا يدل على أنه أوجب عليه الإتيان بالفعل حين أمره به إذ لو لم يجب ذلك لكان لإبليس أن يقول إنك أمرتني وما أوجبت علي في الحال فكيف أستحق الذم بتركه في الحال
[ ٢ / ١١٥ ]
وثانيها قوله تعالى وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وقوله فاستبقوا الخيرات وثالثها لو جاز التأخير لجاز إما إلى بدل أولا إلى بدل والقسمان باطلان فالقول بجواز التأخير باطل أما فساد القسم الأول فهو أن البدل هو الذي يقوم مقام المبدل منه من كل الوجوه فإذا أتى بهذا البدل وجب أن يسقط عنه
التكليف وبالاتفاق ليس كذلك فإن قلت لم لا يجوز أن يقال البدل قائم مقام المبدل منه في ذلك الوقت لا في كل الأوقات فلا جرم لم يلزم من الإتيان بابدل يكون سقوط الأمر بالمبدل قلت إذا كان مقتضى الأمر الإتيان بتلك الماهية مرة واحدة في أي وقت كان وهذا البدل قائم مقامه في هذا المعنى فقد تأدى ما هو المقصود من الأمر بتمامه فوجب سقوط الأمر بالكلية بل ذلك العذر يتمشى بتقدير أن يقتضي الأمر التكرار ولكنه باطل وأما فساد القسم الثاني وهو القول بجواز التأخير لا إلى بدل فذلك يمنع من كونه واجبا لأنه لا يفهم من قولنا إنه ليس بواجب إلا
[ ٢ / ١١٦ ]
أنه يجوز تركه من غير بدل ورابعها لو جاز التأخير لجاز إما إلى غاية معينة بحيث إذا وصل المكلف إليها لا يجوز له أن يؤخر الفعل عنها أو يجوز له التأخير أبدا والقسمان باطلان فالقول بجواز التأخير باطل إنما قلنا إنه لا يجوز له التأخير إلى غاية لأن تلك الغاية إما أن تكون معلومة للمكلف أو لا تكون فان كانت معلومة له فتلك الغاية ليست إلا أن تصير بحيث يغلب على ظنه أنه لو لم يشتغل بأدائه فاته ذلك الفعل بدليل أن كل من قال بجواز التأخير إلى غاية معلومة قال إن تلك الغاية هي هذا الوقت فالقول بإثبات غاية أخرى خرق للإجماع وإنه غير جائز لكن القول بجواز التأخير إلى هذه الغاية باطل لأن الظن إن لم يكن
لأمارة جرى مجرى ظن السوداوي فلا عبرة به
[ ٢ / ١١٧ ]
وإن كان لأمارة فكل من قال بهذا القسم قال إن تلك الأمارة إما المرض الشديد أو علو السن وهذا أيضا باطل لأن كثيرا من الناس يموت فجأة وذلك يقتضي أنه ما كان يجب عليهم ذلك الفعل في علم الله تعالى مع أن ظاهر ذلك الأمر للوجوب وإنما قلنا إن تلك الغاية لا يجوز أن تكون مجهولة لأنه على هذا التقدير يصير مكلفا بأن لا يؤخر الفعل عن وقت معين مع أنه لا يعرف ذلك الوقت وهو تكليف ما لا يطاق وإنما قلنا إنه لا يجوز التأخير أبدا لأن التأخير أبدا تجويز للترك أبدا وإنه ينافي القول بوجوبه وخامسها أن السيد إذا أمر عبده بأن يسقيه الماء فهم منه التعجيل واستحسن العقلاء ذم العبد على التأخير والإسناد إلى مع القرينة خلاف الأصل فالأمر يفيد الفور وسادسها أجمعنا على أنه يجب اعتقاد وجوب الفعل على الفور فنقول الفعل أحد موجبي الأمر فيجب على الفور قياسا على الاعتقاد والجامع تحصيل المصلحة الحاصلة بسبب المسارعة إلى الامتثال
[ ٢ / ١١٨ ]
وسابعها أن الأمر يقتضي إيقاع الفعل فأشبه العقود في البياعات فلما وقع العقد عقيب الإيجاب والقبول فالأمر وجب أن يكون مثله
وتحريره أنه استدعاء فعل بقول مطلق فيقتضي التعجيل كالإيجاب في البيع وثامنها أن الأمر ضد النهي فلما أفاد النهي وجوب الانتهاء على الفور وجب في الأمر أن يفيد الوجوب على الفور وربما أوردوا هذا على طريق آخر فقالوا ثبت أن الأمر بالشئ نهي عن تركه لكن النهي عن تركه يوجب الانتهاء عن تركه في الحال والانتهاء عن تركه في الحال لا يمكن إلا بالإقدام على الفعل في الحال فثبت أن الأمر يوجب الفعل في الحال وتاسعها أجمعنا على أنه لو فعل عقيبه يقع الموقع ويخرج عن العهدة وطريقة الاحتياط تقتضي وجوب الإتيان به على الفور لتحصيل
[ ٢ / ١١٩ ]
الخروج عن العهدة بيقين والجواب عن الأول أنه حكاية حال فلعل ذلك الأمر كان مقرونا بما يدل على الفور وعن الثاني أن قوله وسارعو سعيد إلى مغفرة من ربكم مجاز من حيث ذكر المغفرة وأراد ما يقتضيها وليس في الآية أن المقتضي لطلب المغفرة هو الإتيان بالفعل على سبيل الفور على أن هذه الآية لو دلت على وجوب الفور لم يلزم منه دلالة نفس الأمر على الفور وعن الثالث والرابع أنه يشكل بما إذا صرح وقال أوجبت عليك أن تفعل هذا الفعل في أي وقت شئت فكل ما جعلوه عذرا في هذه الصورة فهو عذرنا عما ذكروه
وكذلك يشكل بالكفارات والنذور وكل الواجبات الموسعة وعن الخامس أنه معارض بما إذا أمر السيد غلامه بشئ ولم يعلم الغلام حاجة السيد إليه في الحال فإنه لا يفهم التعجيل فإن حملتم ذلك على القرينة ألزمناكم بكر مثله فإن قلت إن السيد يعلل ذمه لعبده بأنني أمرته بشئ فأخره
[ ٢ / ١٢٠ ]
ولولا أن الأمر للفور وإلا لما صح هذا التعليل قلت وقد يعتذر العبد فيقول أمرتني بأن أفعل وما أمرتني بالتعجيل وما علمت بأن في التأخير مضرة وعن السادس أنه يبطل بما لو قال إفعل في أي وقت شئت وبالنذور والكفارات ويبطل أيضا بالخبر فإنه لو قال الشارع يقتل زيد عمرا فها هنا يجب الاعتقاد في الفور ولا يجب حصول الفعل في الفور ولأن الاعتقاد غير مستفاد من الأمر فلا يجب حصول الفعل في الفور لأن من ركب الله العقل فيه فإذا نظر علم أن امتثال أمر الله تعالى واجب وعن السابع أنه يبطل بقوله إفعل في أي وقت شئت ولأن الجامع الذي ذكروه وصف طردي وهو غير معتبر وعن الثامن أن النهي يفيد التكرار فلا جرم يوجب الفور والأمر لا يفيد التكرار فلا يلزم أن يفيد الفور وعن التاسع وهو طريقة الاحتياط انه ينتقض بقوله إفعل في أي وقت شئت
واعلم أن هذا النقض يرد على أكثر أدلتهم وهو لازم لا محيص عنه
[ ٢ / ١٢١ ]