والجواب المقدمة الثانية ممنوعة فلعل غرضه كان متعلقا بالأخبار عنه دون غيره فلهذا خصه بالذكر والله أعلم المسألة العاشرة في الأمر المقيد بالصفة وهو كقوله زكوا عن الغنم السائمة واختلفوا في أنه هل يدل ذلك على أنه لا زكاة في غير السائمة الحق أنه لا يدل وهو قول أبي حنيفة ﵀ واختيار ابن سريج والقاضي أبي بكر وإمام الحرمين والغزالي وقول جمهور المعتزلة
[ ٢ / ١٣٦ ]
وذهب الشافعي والأشعري ﵄ ومعظم الفقهاء منا إلى أنه يدل لنا وجوه الأول إن الخطاب المقيد بالصفة لو دل على أن ما عداه يخالفه لدل عليه إما بلفظه أو بمعناه لكنه لم يدل عليه من الوجهين فوجب أن لا يدل عليه أصلا إنما قلنا إنه لا يدل عليه بلفظه لأن اللفظ الدال على ثبوت الحكم في أحد القسمين إن لم يكن مع ذلك موضوعا لنفي الحكم في القسم الثاني لم يكن له عليه دلالة لفظية وإن كان موضوعا له فحينئذ يكون ذلك اللفظ موضوعا لمجموع إثبات الحكم في أحد القسمين ونفيه عن القسم الآخر ولا نزاع في دلالة مثل هذا اللفظ على هذا النفي
بيان أنه لا يدل عليه بمعناه أن الدلالة المعنوية هي أن يستلزم المسمى شيئا فينتقل الذهب من المسمى إلى لازمه وها هنا ثبوت الحكم في أحد القسمين لا يستلزم عدمه عن القسم الثاني لأن الصورتين المشتركتين في الحكم كقوله في سائمة الغنم زكاة
[ ٢ / ١٣٧ ]
في معلوفة الغنم زكاة يجوز تخصيص إحداهما بالبيان دون الثانية إما لأن بيان الصورة الأخرى غير واجب أو إن كان واجبا لكنه يبينه بطريق آخر أما إذا لم يكن واجبا فذلك إما لأنه خطر ببال المتكلم أحد القسمين دون الثاني وهذا إنما يعقل في حق غير الله تعالى أو أن خطر القسمان بالبال لكن السامع يحتاج إلى بيان أحد القسمين دون الثاني كمن يملك السائمة ولا يملك المعلوفة فإنه بعد حولان الحول يحتاج إلى معرفة حكم السائمة دون حكم المعلوفة فلا جرم يحسن من الشارع أن يخص السائمة بالذكر دون المعلوفة وأما إذا وجب حكم القسمين معا فها هنا قد يكون ذكر حكم أحد القسمين دليلا على ثبوت ذلك الحكم في القسم الآخر فإنه تعالى لما منع من قتل الأولاد خشية الإملاق كان ذلك دليلا على المنع من قتلهم عند الغنى بطريق الأولى وقد لا يكون كذلك لكنه تبين حكم القسم الآخر بطريق آخر
[ ٢ / ١٣٨ ]
إما بنص خاص والفائدة فيه أن إثبات الحكم باللفظ العام أضعف من إثباته بالدليل الخاص لاحتمال تطرق التخصيص إلى العام دون الخاص
أو بقياس كما نص على حكم الأجناس الستة في الربا وعرفنا حكم غيرها بالقياس والمقصود أن ينال المكلف رتبة المجتهدين أو بالبقاء على حكم الأصل مثل أن يقول الشارع لا زكاة في الغنم السائمة ثم نحن ننفي الزكاة عن المعلوفة لأجل أن الأصل عدم الزكاة وإنما خص القسم الأول بالذكر لأن الاشتباه فيه أكثر فإن السائمة لما كانت أخف مئونة من المعلوفة كان احتمال وجوب الزكاة في السائمة أظهر من احتمال وجوبها في المعلوفة فثبت أن تعليق الحكم على الصفة لا يدل على نفي ذلك الحكم عن غيرها لا بلفظه ولا بمعناه فوجب أن لا يدل أصلا فإن قيل المعتبر في الدلالة المعنوية القاطعة حصول الاستلزام قطعا وفي الدلالة المعنوية الظنية الظاهرة حصول الاستلزام ظاهرا ودعوى الاستلزام ظاهرا لا يقدح فيها عدم اللزوم في بعض الصور ألا ترى أن الغيم الرطب يدل على المطر منه ظاهرا ثم ذلك الظهور لا يبطل بعدم المطر في بعض الأوقات
[ ٢ / ١٣٩ ]
إذا عرفت هذا فنحن لا ندعي إن تعليق الحكم على الصفة يدل على نفي الحكم عما عداه قطعا إنما ادعينا أنه يدل عليه ظاهرا وما ذكرتموه من تخلف هذه الدلالة في بعض الصور إنما يقدح في ذلك الظهور لو بينتم أن الاحتمالات التي ذكرتموها ها هنا مساوية في الظهور للاحتمال الذي ذكرناه وأنتم ما بينتم ذلك فيكون دليلكم خارجا عن محل النزاع
والجواب تعليق الحكم على الوصف لا يدل على انتفائه عن غيره البتة أما قطعا فلما سلمتم وأما ظاهرا فلأنه لو دل عليه ظاهرا لكان صرفه إلى سائر الوجوه مخالفة للظاهر والأصل عدم ذلك وهذا القدر كاف في حصول ظن تساوي هذه الاحتمالات الدليل الثاني أن الأمر المقيد بالصفة تارة يرد مع انتفاء الحكم عن غير المذكور وهو متفق عليه وتارة مع ثبوته فيه كقوله تعالى ولا تقلوا أولادكم خشية إملاق ثم لا يجوز قتلهم لغير الإملاق وقال تعالى في قتل الصيد ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم ثم إن قتله خطأ يلزمه الجزاء أيضا وإذا ثبت هذا فنقول الاشتراك والمجاز خلاف الأصل
[ ٢ / ١٤٠ ]
فوجب جعله حقيقة في القدر المشترك بين القسمين وهو ثبوت الحكم في المذكور مع قطع النظر عن ثبوته في غير المذكور ونفيه عنه الدليل الثالث هو أن ثبوت الحكم في إحدى الصورتين لا يلزمه ثبوت الحكم في الصورة الآخرى والإخبار عن ثبوت ذلك الحكم في إحدى الصورتين لا يلزمه الإخبار عنه في الصورة الآخرى فإذن الإخبار عن ثبوت الحكم في إحدى الصورتين لا يدل على حال الصورة الأخرى ثبوتا وعدما إنما قلنا أن ثبوت الحكم في إحدى الصورتين لا يلزمه الحكم في الصورة الآخرى ثبوتا وعدما لأنه لا يمتنع في العقل اشتراك الصورتين المختلفتين في بعض الأحكام فإنهما لما كانتا مختلفتين فقد
اشتركتا في الاختلاف فلا يمتنع أيضا اختلافهما في بعض الأحكام وإذا ثبت الحكم في هذه الصورة لم يلزم من مجرد ثبوته فيها ثبوته في الصورة الأخرى ولا عدمه عنها
[ ٢ / ١٤١ ]
فدل على أن ثبوت الحكم في إحدى الصورتين لا يلزمه ثبوت ذلك الحكم في الصورة الأخرى ولا عدمه عنها وإنما قلنا إن الإخبار عن حكم أحدى الصورتين لا يلزمها الإخبار عن حكم الصورة الأخرى لأن إحدى الصورتين مخالفة للأخرى من بعض الوجوه والمختلفان لا يجب اشتراكهما في الحكم والعلم بذلك ضروري فلا يلزم من كون إحداهما متعلق غرض هذا الإنسان بأن يخبر عنها كون الصورة الأخرى كذلك فثبت أن الإخبار عن إحدى الصورتين لا يلزمه الإخبار عن الصورة الأخرى وإذا ثبتت هاتان المقدمتان ثبت إن الإخبار عن ثبوت الحكم في هذه الصورة لا يدل على حالة الصورة الأخرى وجودا ولا عدما وذلك هو المطلوب الدليل الرابع لو دل تخصيص الحكم بالصفة على نفيه عما عداه لدل تخصيصه بالاسم على نفيه عما عداه لكن التخصيص بالاسم لا يدل على
[ ٢ / ١٤٢ ]
نفيه عما عداه فالتخصيص بالصفة وجب أن لا يدل على نفيه عما عداه
بيان الملازمة أن التخصيص بالصفة لو دل على نفي الحكم عما عداه لكان إنما يدل عليه لأن التخصيص لابد فيه من غرض ونفي الحكم عما عداه يصلح أن يكون غرضا والعلم بأنه لا بد من غرض مع العلم بأن هذا المعنى يصلح أن يكون غرضا يفيد ظن أن هذا هو الغرض والعمل بالظن واجب وكل هذا المعنى موجود في التخصيص بالاسم فوجب أن يكون التخصيص بالاسم يفيد نفي الحكم عما عداه لأن الصورتين لما اشتركتا في العلة وجب اشتراكهما في الحكم ولما ثبت أن التخصيص بالاسم لا يفيد نفي الحكم عما عداه وجب في التخصيص بالصفة أن لا يدل على ذلك أيضا والله أعلم احتج المخالف بأمور الأول إن تعليق الحكم بالصفة يفيد في العرف نفيه عما عداه فوجب أن يكون في أصل اللغة كذلك إنما قلنا إنه يفيد ذلك في العرف لأن القائل إذا قال الإنسان
[ ٢ / ١٤٣ ]
الطويل لا يطير واليهودي الميت لا يبصر يضحك منه ويقال إذا كان القصير لا يطير والميت الملم لا يبصر فأي فائدة للتقييد بالطويل واليهودي وأذا ثبت أنه في العرف كذلك وجب أن يكون في أصل اللغة كذلك وإلا لزم النقل وهو خلاف الأصل الثاني أن تخصيص الشئ بالذكر لا بد فيه من مخصص وإلا فقد ترجح أحد الجائزين على الآخر لا لمرجح ونفي الحكم عن غيره يصلح أن يكون مقصودا فوجب حمله عليه تكثيرا لفوائد كلام الشرع
أو لأنه مناسب والمناسبة مع الاقتران دليل العلية فيغلب على الظن إن علة التخصيص هذا القدر الثالث إنا قد دللنا على أن الحكم المعلق على الصفة يشعر بكون ذلك الحكم معللا بتلك الصفة وتعليل الأحكام المتساوية بالعلل المختلفة خلاف الأصل على ما سيأتي بيانه إن شاء الله في كتاب القياس فيلزم من انتفاء هذا الوصف انتفاء الحكم والجواب عن الأول أن أهل العرف يضحكون من قول القائل زيد الطويل لا يطير وبالاتفاق إن التخصيص ها هنا لا يفيد نفي الحكم عما عداه
[ ٢ / ١٤٤ ]
وللمستدل أن يقول لا نسلم أن التخصيص ها هنا لا يفيد نفي الحكم عما عداه لأن قوله زيد الطويل لا يطير تعليق للحكم بالصفة وأنه نفس محل الخلاف بل لو قال زيد لا يطير فهذا تعليق للحكم بالاسم وها هنا لا يقولون إن تعليقه على الاسم عبث بل يقولون إنه بيان للواضحات وفرق بين أن يقولوا إن هذا الكلام بيان للواضحات وبين أن يقولوا لا فائدة في ذكر هذه الصفة البتة وعلى هذا التقدير اندفع النقض وعن الثاني أنا لا نسلم أن التخصيص الصادر من القادر لا بد فيه من مخصص لأن الهارب من السبع إذا عن له طريقان فإنه يختار سلوك أحدهما دون الثاني لا لمرجح وأيضا فقد بينا أنه لا حسن ولا قبح عقلا فتخصيص الصورة المعينة بالحكم المعين تخصيص لأحد طرفي الجائز بذلك الحكم من غير
مرجح وأيضا فتخصيص الله تعالى إحداث العالم بوقت معين دون ما قبله أو ما بعده تخصيص من غير مخصص
[ ٢ / ١٤٥ ]