النظر الثالث في البحث عن الموضوع اعلم أن الانسان الواحد لما خلق بحيث لا يمكنه أن يستقل وحده باصلاح جميع ما يحتاج إليه فلا بد من جمع عظيم ليعين بعضهم بعضا حتى يتم لكل واحد منهم ما يحتاج إليه ف احتاج كل واحد
منهم إلى أن يعرف صاحبه ما في نفسه من الحاجات وذلك التعريف لا بد فيه من طريق وكان يمكنهم أن يضعوا غير الكلام معرفا لما في الضمير كالحركات المخصوصة بالأعضاء المخصوصة معرفات لأصناف الماهيات إلا أنهم وجدوا جعل الأصوات المتقطعة طريقا إلى ذلك أولى من غيرها لوجوه أحدها أن ادخال الصوت في الوجود أسهل من غيره لأن الصوت إنما يتولد في كيفية مخصوصة في اخراج النفس وذلك أمر ضروري فصرف ذلك الأمر الضروري إلى وجه ينتفع به انتفاعا كليا أولى من تكلف طريق آخر قد يشق على الانسان الإتيان به
[ ١٩٣ ]
وثانيها أن الصوت كما يدخل في الوجود ينقضي فيكون موجودا حال الحاجة ومعدوما حال الاستغناء عنه وأما سائر الأمور فإنها قد تبقى وربما يقف عليها من لايراد وقوفه عليها أما الاشارة فإنها قاصرة عن افادة الغرض فإن الشئ ربما كان بحيث لا يمكن الاشارة إليه حسا كذات الله تعالى وصفاته وأما المعدومات فتعذر الاشارة إليها ظاهر وأما الأشياء ذوات الجهات فكذلك أيضا لأن الاشارة إذا
[ ١٩٤ ]
توجهت إلى محل فيه لون وطعم وحركة لم يكن انصرافها إلى بعضها أولى من البعض وثالثها أن المعاني التي يحتاج إلى التعبير عنها كثيرة جدا فلو وضعنا لكل واحد منها خاصة لكثرت العلامات بحيث يعسر ضبطها
أو وقوع الاشتراك في أكثر المدلولات وذلك مما يخل بالتفهيم فلهذه الأسباب وغيرها اتفقوا على اتخاذ الأصوات المتقطعة معرفات للمعاني لا غير
[ ١٩٥ ]