ولذلك شغف الفخر بالعلم، وأكب على التحصيل، وحرص على أن لا يضيع من حياته أي وقت في غير التعلم والتعليم، فكان يتمنى لو استطاع أن يستغني عن كثير من الحاجات الطبيعية ليجعل وقته - المصروف فيها - في طلب العلم، فيقول: " والله إنني لا تأسف في الفوات عن الاشتغال في طلب العلم في وقت الاكل، فإن الوقت والزمان عزيز ".
ولقد أمده الله - تعالى - بالاضافة إلى بيته وبيئته ورغبته - بذاكرة عجيبة، وذهن وقاد، وذكاء خارق، واستعداد للتعلم قل أن تيسر مثله - في عصره - لسواه، ولذلك استطاع في فترة وجيز) ة استيعاب الكثير من كتب
المتقدمين: " كالشامل " في علم الكلام لامام الحرمين و" المستطفى " للغزالي و" المعتمد " لأبي الحسين البصري.
ولذلك ٤ ال: " ما أذن لي في تدريس علم الكلام حتى حفظت اثنتي عشر ألف ورقة ".
٥ - نظرته للعلوم المختلفة: كان الامام الرازي يرى: أن تعلم العلوم - جميعها - فرض من الفرائض الشرعية ولذلك أحب العلوم وأقبل عليها بدون تفريق إلا ما يكون من فرق بين الفاضل والمفضول، فالعلوم - في نظره - لا تخرج عن كونها واجبا، أو مما لا يتم الواجب إلا به، أو مما لابد منه لتحقيق مصلحة من المصالح الدنيوية، أو مما لابد من تعلمه لمعرفة أضراره وأخطاره، والدعوة إلى اجتنابها.
[ ٣٤ ]
ولم يكن في شغفه بالعلم مجرد هاو يتصفح الكتب، أو يأخذ من العلم ما يناسب رغبته وهواه، أو يكتفي بتعرف عنوين المسائل ورؤوس المواضيع، ولكنه كان مثالا للباحث المدقق، والعالم المحقق يغوص وراء دقائق المسائل، ومعضلات الامور، يستجلي الغامض ويستكشف المجهول، يساعده على ذلك جلد عجيب على التتبع، وصبر لا يجارى فيه على البحث.
ولذلك اتسعت معارفه، وتنوعت علومه - فكان أصلويا من كبار الاصوليين، وفقيها من الفقهاء، ومتكلما من فحول المتكلمين، ومفسرا من أئمة المفسرين، وفيلسوفا ولغويا ونحويا وشاعرا وخطيبا ومربيا.
ولذلك لقبه أصحابه الشافعية والاشاعرة " بالامام " في سائر كتبهم الاصولية والفقهية والكلامية، فإذا أطلق لقب " الامام " في هذه الكتب فالمراد به الامام فخر الدين الرازي.
وكان يدعى في " هراة " ب " شيخ الاسلام ".
وقد جمع الله - تعالى - له خمسة أشياء ما جمعها الله لغيره في عصره: سعة العبارة في القدرة على الكلام، وصحة الذهن، والاطلاع الذي لا مزيد عليه، والحافظة المستوعبة التي تعينه على ما يريد من تقرير الادلة والبراهين.
ولقد ترك الامام الرازي في كل علم من العلوم - المعروفة في زمانه - مؤلفات
[ ٣٥ ]
وآثارا تشهد له بذلك، تؤيد أن نيله لتلك المكانة العلمية كان عن جدارة واستحقاق.
ولا نريد أن نتاول - بالتفصيل - جميع جوانب حياته العلمية في هذه العجالة فلذلك دراسة أخرى، ولكن ما نريده - هو الاشارة إلى فضل الرجل وطول باعه في علم الاصول والفقه خاصة ليكون ذلك تمهيدا مناسبا بين يدي آثاره الاصولية وفي مقدمتها " المحصول ".
فالرازي أصولي - على طريقة المتكلمين ن، وفقيه شافي، وأصحابه يعرفون له قدره، ويضعونه في مقدمة أهل التحقيق من الاصوليين، ويخصونه بلقب " الامام ".
كما مر.
ولقد استوعب - وهو لا يزال في مقتبل العمر - أهم الكتب الاصولية لسابقيه، فدرس " البرهان " لامام الحرمين " و" العهد " للقاضي عبد الجبار، وحفظ المستصفى للغزالي و" المعتمد " لأبي الحسين البصري.
ولكنه حين أخذ يكتب في الاصول لم يسر وراء من سبقوه سير مقلد يجمع ما قالوا، ثم يلخصه ويقرره، كما قد يتصور البعض، ولكنه نظر فيما جاء في تلك الكتب نظرة الفاحص المدقق، والناقد البصثر وملاحظاته على سابقيته تدل على ذلك.
ولعل هذه أهم مزاياه - التي امتاز بها على صنوه الامديي صاحب " إحكام
الاحكام " - الذي لخص فيه الكتب الاصولية الاربعة.
فإنه - ﵀ كثيرا ما يستدرك على إمام الحرمين والغزالي وأبي الحسن والقاضي عبد الجبار وغيرهم ويتعقب أقوالهم ويختار منها، وأحيانا يستدرك عليهم جميعا ليختار هو ما يراه الانسب أو الاقوى وسنلاحظ ذلك في كثير من المسائل في " المحصول " وأحيانا يتعجب من الاصوليين - عامة - ويستغرب بعض مواقفهم، فيقول " والعجب من الأصوليين: أنهم أقاموا الدلالة على خبر الواحد أنه حجة في الشرع ولم يقيموا الدلالة على ذلك في اللغة وكان هذا أولى لأن اثبات اللغة كالأصل
[ ٣٦ ]