ويؤكد ما سبق من الصبغة الجماعية للمذهب الحنفي العديد من الوقائع التي تبرز هذه الناحية، بالإضافة إلى ما امتازت به الكوفة رواج العلوم ومحرة العلماء؛ فعن أنس ابن سيرين أنه قال: " أتيت الكوفة، فرأيت فيها أربعة آلاف يطلبون الحديث، وأربعمائة قد فقهوا ".
وبهذا يعلم مبلغ أهمية الكوفة في الحديث والفقه والقراءة والعريية ووجه توارث علومهم جماعة عن جماعة إلى أقدم نبع فياض، وفي هذه البيئة كان المجمع الفقهي الذي يتكون من أربعين عالمًا يرأسهم أبو حنيفة في تحقيق المسائل، وتدوينها بعد تمحيصها بالدلائل، وكان هذا مما امتازت به الكوفة.
قال ابن أبي العوام: حدثني الطحاوي كتب إليَّ ابن أبي ثور قال: أخبرني نوح أبو سفيان قال لي المغيرة بن حمزة: " كان أصحاب أبي حنيفة الذين دونوا معه الكتب
[ ٩٠ ]
أربعين رجلًا كبراء الكبراء ".
وقال أسد بن الفرات أيضًا بهذا السند: قال لي أسد بن عمرو: " كانوا يختلفون عند أبي حنيفة في جواب المسألة فيأتي هذا بجواب، وهذا بجواب، ثم يرفعونها إليه، ويسألونه عنها، فيأتي الجواب من كثب - أي من قرب - وكانوا يقيمون في المسألة ثلاثة أيام ثم يكتبونها في الديوان ".
وضع أبو حنيفة مذهبه شورى بينهم لم يستبد فيه بنفسه دونهم، اجتهادًا منه في الدين، ومبالغة في النصيحة للَّه ورسوله والمؤمنين، فكان يلقى المسائل مسألةً مسألةً، ويسمع ما عندهم، ويقول ما عنده ويناظرهم شهرًا، أو أكثر حتى يستقر أحد الأقوال فيها، ثم يثبتها أبو يوسف في الأصول حتى أثبت الأصول كلها، وهذا يكون أولى
وأصوب، وإلى الحق أقرب، والقلوب إليه أسكن وبه أطيب، من مذهب من انفرد فوضع مذهبه بنفسه، ويرجع فيه إلى رأيه "..
انتهى ما أردته من كلام الكوثري رحمه اللَّه تعالى.
* * *