قال الشيخ الكوثري: " هو الإمام الحافظ المتقن المجتهد المطلق أبو يوسف يعقوب ابن إبراهيم بن حبيب بن سعد بن بحير (بإهمال الحاء) بن معاوية بن قحافة بن نفيل ابن سدوس بن عبد مناف بن أسامة بن سحمة بن سعد بن عبد الله بن قدار بن معاوية
ابن ثعلبة بن معاوية بن زيد بن العوذ بن بجيلة الأنصاري البجلي - ﵀ -.
وسعد والد حبيب صحابي عُرض على النبي - ﷺ - يوم أحد مع رافع بن خديج، وابن عمر فاستصغره، وشهد الخندق وما بعدها، ثم نزل الكوفة، ومات بها، وصلى عليه
زيد بن أرقم - ﵀ -، وذريته بها.
وأما ميلاد أبي يوسف فقد رووا عن الطحاوي أنه سنة ١١٣هـ، وعليه جرى الأكثرون، لكن ذكر المؤرخ الفقيه أبو القاسم علي بن محمد السمناني المتوفي سنة ٤٩٩ هـ في روضة القضاة - وهي كتاب مفيد في القضاء -: توفي أبو يوسف، وله تسع وثمانون سنة على خلاف في ذلك، ومثله في (مسالك الأبصار) لابن فضل اللَّه
العمري، وإليه يجنح صاحب أخبار الأول، ومؤلف روضات الجنات تقريبا، فيكون ميلاده سنة ٩٣ هـ، بالنظر إلى أن وفاته سنة ١٨٢ هـ في التحقيق، وبين التاريخين (أي: ١١٣، أو ٩٣) تفاوت عظيم كما نرى، ولا يبعد أن يكون ما في غالب الكتب مصلحًا ظنًّا حيث كان ميلاده مكتوبًا في بعض النسخ القديمة هكذا (٩٣) بالرقم، فغُيِّر رقم (٩) إلى لعدم بروز رأس (٩)، أو انطماسه، فشابه فقرأ القارئ أن ميلاده سنة (١٣)، ولظهور أن ميلاده لا يكون بهذا القدم عُد هذا بعد المائة الأولى، وإنما حذفت المائة اختصارًا كما هو المعتاد في المئات عند الأمن من الخطأ،
فجرى ذكر رقم (١١٣) كميلاد له فتناقله المؤرخون، كميلاد حقيقي له.
وعن أبي يوسف يقول: كنت أختلف إلى ابن أبي ليلى، وكانت لي عنده منزلة،
وكان إذا أشكل عليه شيء من المسائل يطلب ذلك من وجه أبي حنيفة، وكنت أحب أن أختلف إلى أبي حنيفة، وكان يمنعني الحياء منه، فوقع بيني وبينه (يعني ابن أبي ليلى) سبب ثقل عليه، فاغتنمت ذلك، واحتبست عنه، واختلفت إلى أبي حنيفة.
[ ٧٧ ]
وعن أبي يوسف قال: كنت أطلب الحديث والفقه، وأنا مُقِلّ، رث الحال، فجاء أبي يوما - وأنا عند أبي حنيفة - فانصرفت معه فقال: يا بني لا تمدن رجلك مع أبي حنيفة، فإن أبا حنيفة خبزه مشوي، وأنت تحتاج إلى المعاش.
فقصرت عن كثير من الطلب، وآثرت طاعة أبي، فتفقدني أبو حنيفة، وسأل عني، فجعلت أتعاهد مجلسه، فلما كان أول يوم أتيته بعد تأخري عنه، قال لي: ما شغلك عنا؟.
قلت: الشغل بالمعاش وطاعة والدي.
فجلست فلما انصرف الناس دفع إلى صرة، وقال: استمتع بهذه، فنظرت فإذا فيها مائة درهم، فقال لي: الزم الحلقة، وإذا
نفدت هذه فأعلمني.
فلزمت الحلقة، فلما مضت مدة يسيرة دفع إلى مائة أخرى، ثم
كان يتعاهدني، وما أعلمته بخلة قط، ولا أخبرته بنفاد شيء، وكان كأنه يخبر بنفادها حتى استغنيت، وتمولت.
وكان أبو يوسف شديد الملازمة لأبي حنيفة، حتى روى محمد بن قدامة عن شجاع ابن مخلد أنه سمع أبا يوسف يقول: مات ابن لي فلم أحضر جهازه، ولا دفنه، وتركته على جيراني، وأقربائي مخافة أن يفوتني من أبي حنيفة شيء لا تذهب حسرته عني.
وكان أبو يوسف عظيم الإجلال لشيخيه: ابن أبي ليلى، وأبي حنيفة، كبير البر لهما فبذلك نال بركة العلم.
* *