هو: أبو عبد اللَّه مالك بن أنس بن مالك بن أبى عامر بن عمرو بن الحارث بن غيمان (بالغين المعجمة والياء المثناة تحت) ابن خُثَيل (بالخاء المعجمة المضمومة وفتح الثاء المثلثة) ابن عمرو بن الحارث (وهو ذو أصبح)، الأصبحي، المدني، إمام دار الهجرة، وأحد أئمة المذاهب المتبوعة، وهو من تابعي التابعين.
سمع نافعًا مولى ابن عمر، ومحمد بن المنكدر، وأبا الزبير، والزهري، وعبد اللَّه ابن دينار، وأبا حازم، وخلائق آخرين من التابعين.
روى عنه: يحيى الأنصاري، والزهري، وهما من شيوخه، وابن جريج، ويزيد بن عبد اللَّه بن الهادي، والأوزاعي، والثوري، وابن عيينة، وشعبة، والليث بن سعد، وابن المبارك، وابن علية، والشافعي، وابن وهب.
أحد طوائف العلماء على إمامته وجلالته، وعظم سيادته، وتبجيله، وتوقيره، والإذعان له في الحفظ، والتثبيت، وتعظيم حديث رسول اللَّه - ﷿ -.
قال البخاري: أصح الأسانيد: مالك عن نافع عن ابن عمر.
وقال الشافعي أيضًا: لولا مالك وسفيان (يعنى ابن عيينة) لذهب علم الحجاز.
وكان مالك إذا شك في شيء من الحديث تركه كله.
وقال أيضًا: مالك معلمي، وعنه أخذنا العلم.
وقال حرملة: لم يكن الشافعي يقدم على مالك أحدًا في الحديث.
وقال وهب بن خالد: ما بين المشرق والمغرب رجل آمن على حديث رسول اللَّه - ﷺ - من مالك.
وعن ابن سلمة الخزاعي قال: كان مالك إذا أراد أن يخرج يحدث توضأ وضوءه للصلاة، ولبس أحسن ثيابه، ومشط لحيته، فقيل له في ذلك، - فقال: أوقر به حديث رسول اللَّه - ﷺ -
[ ١٣٩ ]
وعن الشافعي - ﵀ - قال: ما في الأرض كتاب من العلم أكثر صوابًا من موطأ مالك.
قال العلماء: إنما قال الشافعي هذا قبل وجود صحيحي البخاري ومسلم، وهما أصح من الموطأ باتفاق العلماء.
وقيل لأحمد بن حنبل: الرجل يحب أن يحفظ حديث رجل بعينه.
قال: يحفظ حديث مالك.
قيل: فالرأي.
قال: رأى مالك.
وعن عبد الرحمن بن مهدى قال: كنا عند مالك فجاء رجل، فقال: يا أبا عبد اللَّه جئتك من مسيرة ستة أشهر حملني أهل بلدي مسألة أسألك عنها.
فقال: فسل.
فسأله، فقال: لا أحسن.
فقُطِعَ بالرجل، كأنه قد جاء إلى من يعلم كل شيء.
قال: وأي شيء أقول لأهل بلدي إذا رجعت إليهم، فقال؟ قل: قال لي مالك بن أنس لا أحسن.
وعن ابن وهب قال: قيل لأخت مالك: ما كان شغله في بيته.
قالت: المصحف والتلاوة.
وعن على بن المديني قال: لم يكن بالمدينة أعلم بمذهب تابعيهم من مالك بن أنس.
وعن شعبة قال: دخلت المدينة، ونافع حي، ولمالك حلقة.
وعن أبى مصعب أيضًا قال: كانوا يزدحمون على باب مالك بن أنس، فيقتتلون على الباب من الزحام، وكنا نكون عند مالك فلا يكلم هذا هذا، ولا يلتفت ذا إلى ذا، والناس قائلون برؤوسهم هكذا، وكانت السلاطين تهابه، وهم قائلون ومستمعون،
وكان يقول في المسألة: لا أو نعم، فلا يقال له: من أين قلتَ هذا.
أخذ مالك على تسعمائة شيخ، منهم ثلثمائة من التابعين، وستمائة من تابعيهم ممن اختاره، وارتضى دينه وفقهه، وقيامه بحق الرواية وشروطها، وخلصت الثقة به، وترك الرواية عن أهل دين وصلاح لا يعرفون الرواية.
وأحوال مالك - ﵀ -، ومناقبه كثيرة مشهورة، توفي بالمدينة في صفر سنة تسع وسبعين ومائة.
ولقد كانت مدينة الرسول - ﷺ - في عصر أتباع التابعين أغنى الأمصار الإسلامية بالسنة النبوية، ومعرفة القضاء النبوي، وآثار الصحابة، والتابعين، وفتاواهم، ومن هذه
المدينة الطيبة أشرقت شمس العلم، وظهر نجم السن إمامنا مالك بن أنس، فقد
[ ١٤٠ ]
درس، وحصل، وجمع، وأفتى، وشهد له العلماء، وانتشر صيته في سائر الآفاق، وضربت له أكباد الإبل لأخذ العلم عنه، وروى عنه الأئمة من أقرانه منهم: أبو حنيفة، والليث بن سعد، ومحمد بن الحسن، وغيرهم، وأجمع العلماء على إمامته وجلالته في الحديث، والفقه، وحسن الاستنباط، مع الورع، والتقوى، والتحري، والفهم.
فلقد اجتهد، واختار له مذهبًا بناه على أصول قوية، وقواعد متينة، انفرد بتأصيل بعضها كالعمل بالمصالح المرسلة، التي اتسع بها الفقه، ودار عليها كثير من مسائل
الاستنباط، وكـ " سَدِّ الذرائع "، ومراعاة الخلاف، وغيرها مما جعل مذهبه بين النص والرأي، قوي الدليل، سليم التعليل، وأصبح قول مالك كالنص لا يسأل سامعه من أين، ولا لم، حتى إن المتأخرين من علماء المالكية أخلوا كتبهم من ذكر أدلة الأحكام،
اعتمادًا على تسليم العلماء بفقه مالك، ولم يوجد لهم معارض في أحكامهم.
* * *