يقول الإمام النووي رحمه اللَّه تعالى:
فأما أنا فأخذت الفقه قراءة وتصحيحًا وسماعًا وشرحًا وتعليقًا عن جماعات أولهم شيخي الإمام أبو إبراهيم إسحاق بن أحمد بن عثمان المغربي ثم المقدسي، ثم شيخنا أبو عبد الرحمن بن نوح بن محمد بن إبراهيم المقدسي، ثم الدمشقي مفتي دمشق، ثم شيخنا أبو حفص عمر بن أسعد بن
أبي طالب الربعي، ثم الأربلي، وتفقه شيوخنا على الإمام أبي عمرو ابن الصلاح،
[ ٣٤ ]
وتفقه هو على والده فأخذ عنه الطريقتين.
أما طريقة العراقيين: فعلى ابن سعيد عبد اللَّه بن محمد بن هبة اللَّه بن علي بن أبي عسرون الموسوي، وتفقه أبو سعيد على القاضي أبي علي الفارقي، وتفقه الفارقي على الشيخ أبي إسحاق الشيرازي، الذي تفقه على القاضي أبي الطيب الطبري طاهر بن عبد الله، وأبو الطيب تفقه على أبي الحسن الماسرجسي محمد بن علي بن سهل بن
مصلح، وتفقه أبو الحسن الماسرجسي على أبي إسحاق المروزي إبراهيم بن أحمد،
وتفقه المروزي على ابن سريج، وهو أبو العباس أحمد بن عمر بن سريج، وتفقه ابن سريج على أبي القاسم عثمان بن باشر الأنماطي، وتفقه الأنماطي على المزني، أبي
إبراهيم إسماعيل بن يحيى، وتفقه المزني على الإمام الشافعي.
والإمام الشافعي على جماعة منهم: مالك بن أنس، والإمام سفيان بن عيينة،
والإمام أبو خالد مسلم بن خالد الزنجي.
أما الإمام مالك: فتفقه على ربيعة الرأي عن أنس، وعلى نافع عن ابن عمر.
وأما الإمام سفيان بن عيينة فعلى: عمرو بن دينار عن ابن عمر، وابن عباس - ﵃ -.
وأما الإمام أبو خالد مسلم بن خالد الزنجي: فعلى عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس.
وأخذ ابن عباس عن النبي - ﷺ -، وعن جماعات من الصحابة منهم: عمر بن الخطاب، وعلي، وزيد بن ثابت ﵃ جميعًا عن سيدنا رسول اللَّه - ﷺ -.
يقول الإمام النووي: وأما طريقة أصحابنا الخراسانيين، فأخذتها عن شيوخنا
المذكورين عن ابن الصلاح عن والده عن أبي القاسم بن البزري الجزري عن إلكيا الهراسي أبي الحسن علي بن محمد بن علي، والذي تفقه على إمام الحرمين أبي المعالي عبد الملك بن عبد اللَّه بن يوسف الجويني عن والده أبي محمد الجويني عن القفال المروزي الصغير، والذي تفقه على أبي زيد المروزي محمد بن أحمد بن عبد اللَّه،
وأخذ أبو زيد عن أبي إسحاق المروزي عن ابن سريج على ما سبق.
ومن هنا يتبين لنا أن ابن الصلاح كان قد تلقى الطريقتين، وأن طريقة العراقيين، والخراسانيين ما زالتا تدرسان حتى عصر ابن الصلاح الذي جمع بينهما كما جمع
[ ٣٥ ]
بينهما قبل ذلك أبو إسحاق المروزي أيضًا.
وأبو إسحاق المروزي هو: إبراهيم بن أحمد صاحب الشرح، قال عنه الإمام
النووي: وحيث أطلق أبو إسحاق في المذهب فهو المروزي، كان إمامًا جليلًا غواصًا على المعاني ورعًا زاهدًا، وهو إمام جماهير أصحابنا، وشيخ المذهب، وإليه تنتهي طريقة أصحابنا العراقيين، والخراسانيين - كما قدمنا في سلسلة الفقه - تفقه على أبي العباس بن سريج، وانتهت إليه رئاسة العلم ببغداد، وانتشر العلم عن أصحابه في
البلاد، شَرَح المختصر (يعني مختصر المزني)، وصنف في الأصول، ونشر مذهب الشافعي في العراق، وسائر الأمصار، وأخذ عنه الأئمة، وانتشر الفقه من أصحابه في البلاد، وخرج إلى مصر آخر عمره.
قال العبادي: وقعد في مجلس الشافعي بمصر سنة القرامطة، واجتمع عليه الناس، وضربوا إليه أكباد الإبل، وسار في الآفاق عن مجلسه سبعون إمامًا من أصحاب الشافعي، وتوفي بها سنة ٣٤٠ هـ.