قال الشيخ تقي الدين السبكي في رسالته
" معنى قول الإمام المطلبي إذا صح الحديث فهو مذهبي ":
" هو قول مشهور عنه، لم يختلف الناس في أنه قاله، وروي عنه
معناه أيضًا بألفاظ مختلفة ".
ونَقَلَ عن ابن الصلاح - ﵀ - أنه قال في كتاب الفتوى:
"ممن حكى عنه أنه أفتى بالحديث في مثل ذلك: أبو يعقوب البويطي، وأبو القاسم الداركي، وهو الذي قطع به أبو الحسن إلكيا الطبري، وليس هذا بالهين، فليس كل فقيه يسوغ له أن يستقل بالعمل
بما رآه حجة من الحديث.
ثم قال السبكي - ﵀ -: " وأما قول ابن خزيمة: " إنه لا يعرف لرسول اللَّه - ﷺ - سنة
في الحلال والحرام لم يودعها - يعني الشافعي - كتبه " فقد يكون أودعها كتبه، وفي بعضها لم يتبين له صحتها، فيتبين بعد ذلك، أو لا يكون في الحلال والحرام كما في الصلاة الوسطى، أو يكون سنة لم يعلمها ابن خزيمة، أو يكون الشافعي قال ذلك على سبيل الفرض والتقدير.
وأما ما قام الدليل عند الشافعي على طعن فيها، أو نسخها، أو تخصيصها، أو تأويلها، أو نحو ذلك، فليس الكلام فيه، وليس هذا تركًا لها، وإنما الترك للحديث أن لا يعمل به أصلًا، كما يقوله من يترك الحديث لعمل أهل المدينة، أو للقياس، أو لعدم فقه الراوي، أو لعمله، أو عمل صحابي بخلافه، ونحو ذلك، هذا هو الترك.
[ ٢٧ ]
وأما الطعن في إسناد الحديث، أو بسبب علة، أو شذوذ؛ فذلك يمنع من الحكم بصحة الحديث، وكلامنا إنما هو إذا صح الحديث.
والنسخ ليس تركًا، فالنسخ قد يوجد في القرآن، والتخصيص ليس تركًا، بل جمع يينه وبين العام.
وقد تكلم الشافعي في الأحاديث المختلفات، والجمع بينها في كتاب " اختلاف الحديث " أحسن كلام، وكذلك العلماء كلهم.
فهذا ليس هو المراد هنا، وإنما المراد: الترك المطلق، ولم يقع ذلك للشافعي أصلًا، ولا تقتضيه أصوله ".
ثم قال السبكي: " في كلام الشافعي هذه فوائد قد امتاز بها:
إحداها: الفائدة التي قدمناها من جواز نسبته إليه، وفيها ثلاثة أشياء: أحدها:
مجرد جواز نقله عنه.
والثاني: أنه إذا أراد أحد تقليده فيه جاز له ذلك، إذا كان ممن
يجوز له التقليد.
والثالث: إذا كان العلماء كلهم إلا الشافعي على مقتضى
حديث، والشافعي بخلافه لعدم اطلاعه، فإذا صح صارت المسألة إجماعية؛ لأنه لم يكن خالف فيها الشافعي، ويبين بالحديث أن قوله مرجوع فيه، أو لا حقيقة له، فلا ينسب إليه، بل ينسب إليه خلافه موافقة لبقية العلماء فيكون إجماعًا، فينقض قضاء القاضي بخلافه لمخالفته النص والإجماع.
ولو اتفق ذلك لغير الشافعي ممن لم يقل مثل قوله: كان نقض القاضي به لمخالفته النص فقط، لا لمخالفته الإجماع، فهذه أشياء في هذه الفائدة الواحدة.
الفائدة الثانية: أن الأحاديث الصحيحة ليس فيها شيء له معارض متفق عليه، والذي يقوله الأصوليون من أن خبر الواحد إذا عارضه خبر متواتر، أو قرآن، أو إجماع، أو عقل إنما هو فرض، وليس شيء من ذلك واقعًا، ومن ادعى ذلك فليبينه حتى نرد عليه.
وكذلك لا يوجد خبران صحيحان من أخبار الآحاد متعارضان بحيث لا يمكن
الجمع يينهما.
والشافعي قد استقرأ الأحاديث، وعرف أن الأمر كذلك، وصرح به في غير موضع من كلامه، فلم يكن عنده ما يتوقف عليه العمل بالحديث إلا صحته، فمتى صح
[ ٢٨ ]
وجب العمل به، لأنه لا معارض له، فهذا بيان للواقع.
والذي يقوله الأصوليون مفروض، وليس بواقع، وهذه فائدة عظيمة وإليها الإشارة بقوله: " إذا صح الحديث
"، حيث أطلقه، ولم يجعل معه شرطًا آخر.
الفائدة الثالثة: أن العلماء رضوان اللَّه عليهم لكل منهم أصول، وقواعد بنى مذهبه عليها، لأجلها رَدَّ بعض الأحاديث، وأما الشافعي فليس له قاعدة يرد بها الحديث، فمتى صح الحديث قال به، والمعارض - الذي لو وقع كان معارضًا عنده، وعند غيره
هو: المعقول، أو الإجماع، أو القرآن، أو السنة المتواترة - لم يقع أصلًا، وقد صان اللَّه شريعته عن ذلك، فكان في قول الشافعي:
" إذا صح الحديث فهو مذهبي " إشارة إلى ذلك.
الفائدة الرابعة: في عموم الألف واللام من قوله " الحديث "، سواء أكان حجازيًّا، أم عراقيًّا، أم شاميًّا، خلافًا لمن لم يقبل إلا أحاديث الحجاز.
فهذه أربع فوائد، في الفائدة الأولى ثلاثة أشياء، فصارت ستة، لم توجد في كلام بقية الأئمة " انتهى ما أردته.
* * *