قال الإمام اللكنوي - ﵀ -: " وتفصيل ذلك: أن اعتبار المؤلف يكون لوجوه:
[ ١٣٠ ]
فمنها: إعراض أجلة العلماء، وأئمة الفقهاء عن كتاب، فإنه آية واضحة على كونه غير معتبر عندهم.
ومنها: عدم الاطلاع على حال مؤلفه هل كان فقيهًا معتمدًا أم كان جامعًا بين الغث والسمين، وإن عرف اسمه، واشتهر رسمه، كجامع الرموز للقهستاني، فإنه وإن تداوله الناس، لكنه لما لم يعرف حاله أنزل من درجة الكتب المعتمدة إلى حيز الكتب غير المعتبرة.
ومنها: أن يكون مؤلفه قد جمع فيه الروايات الضعيفة، والمسائل الشاذة من الكتب غير المعتبرة، وإن كان في نفسه فقيهًا جليلًا: كالقنية، فإن مؤلفه مختار بن محمود بن محمد أبو الرجاء نجم الدين الزاهدي، كان من كبار الأئمة، وأعيان الفقهاء، له اليد الباسطة في المذهب، وله التصانيف التي سارت بها الركبان: كالقنية، وشرح مختصر القدوري المسمى بالمجتبى، والرسالة الناصرية وغير ذلك.
وهو مع جلالته متساهل في نقل الروايات.
ومن هذا القسم: " المحيط البرهاني "، فإن مؤلفه وإن كان فقيهًا جليلًا، معدودًا في طبقة المجتهدين في المسائل، لكنهم نصوا على أنه لا يجوز الإفتاء منه، لكونه مجموعًا للرطب واليابس.
ومن هذا القسم: " السراج الوهاج " شرح " مختصر القدوري "، فنقل في " كشف الظنون" عن المولى البركلي أنه عده من الكتب المتداولة الضعيفة غير المعتبرة، مع أن مؤلفه جليل القدر، وهو أبو بكر بن على بن محمد الحدادي.
ومن الكتب غير المعتبرة: " مشتمل الأحكام " لفخر الدين الرومي، ألفه للسلطان محمد الفاتح، فنقل في " كشف الظنون" عن المولى بركلي أنه عده من جملة الكتب المتداولة الواهية.
وكذا: " كنز العباد "، فإنه مملوء من المسائل الواهية والأحاديث الموضوعة، ولا عبرة له: لا عند الفقهاء ولا عند المحدثين.
قال علي القاري في " طبقات الحنفية ":
علي بن أحمد الغوري له كتاب جمع فيه مكروهات المذهب، سماه " مفيد
المستفيد "، وله " كنز العباد في شرح الأوراد ".
قال العلامة جمال الدين المرشدي: فيه أحاديث
سمجة موضوعة، لا يحل سماعها.. انتهى.
وكذا: " مطالب المؤمنين "، نسبه ابن عابدين في " تنقيح الفتاوى الحامدية " إلى
[ ١٣١ ]
الشيخ بدر الدين بن تاج بن عبد الرحيم اللاهوري.
" وخزانة الروايات"، نسبه صاحب " كشف الظون " إلى القاضي جكن الحنفي الهندي الساكن بقصبة كن من الكجرات.
" وشرعة الإسلام "، لمحمد بن أبي بكر الجوغي، نسبة إلى جوغ قرية من قرى سمرقند، الشهير بركن الإسلام إمام زاده، المتوفي سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة، فإن هذه الكتب مملوءة من الرطب واليابس، مع ما فيها من الأحاديث المخترعة، والأخبار المختلفة.
وكذا: " الفتاوى الصوفية " لفضل اللَّه محمد بن أيوب المنتسب إلى ماجو، تلميذ صاحب " جامع المضمرات " شرح " القدوري ": يوسف بن عمر الصوفي، قال صاحب "كشف الظنون": قال الولى البركلي: الفتاوى الصوفية ليست من الكتب المعتبرة، فلا يجوز العمل بما فيها إلا إذا علم موافقتها للأصول.. انتهى.
وكذا: " فتاوى الطوري "، " وفتاوى ابن نجيم "، كما ذكره صاحب " رد المحتار " وغيره.
والحكم في هذه الكتب غير المعتبرة أن لا يؤخذ منها ما كان مخالفًا لكتب الطبقة الأعلى، ويتوقف في ما وجد فيها، ولم يوجد في غيرها ما لم يدخل ذلك في أصل شرعي.
وأما الكتب المختصرة بالاختصار الخل: فلا يفتى منها إلا بعد نظر غائر، وفكر دائر، وليس ذلك لعدم اعتبارها، بل لأن اختصاره يوقع المفتي في الغلط كثيرًا.
واعلم أنه ليس تفاوت المصنفات في الدرجات إلا بحسب تفاوت درجات مؤلفيها، أو تفاوت ما فيها، لا بحسب التأخر الزماني والتقدم الزماني، فليس تصنيف كل متأخر أدنى من تصنيف المتقدم، بل قد يكون تصنيف المتأخر أعلى درجة من تصنيف المتقدم
بحسب تفوقه عليه في الصفات الجليلة، كما لا يخفى على من نظر بعين البصيرة.
وكل ما ذكرنا من ترتيب المصنفات إنما هو بحسب المسائل الفقهية، وأما بحسب ما فيها من الأحاديث النبوية فلا، فكم من كتاب معتمد، اعتمد عليه أجلة الفقهاء مملوء من الأحاديث الموضوعة، ولا سيما الفتاوى، فقد وضح لنا بتوسيع النظر أن أصحابنا وإن كانوا من الكاملين، لكنهم في نقل الأخبار من المتساهلين، وهذا هو الذي فتح فم
الطاعنين، فزعموا أن مسائل الحنفية مستندة إلى الأحاديث الواهية والموضوعة، وأن
[ ١٣٢ ]
أكثرها مخالفة للأخبار المثبتة في كتب أئمة الدين، وهذا ظن فاسد، ووهم كاسد "..
انتهى ما أردته من كلام اللكنوي.
* * *