أما الكتب المصنَّفة في الفقه على اختلافها من: متون، وشروح، وفتاوى، وغير ذلك، فقد اتفقت في بيان حالها كلمة المتقدِّمين والمتأخرين على معنى واحد، وإن اختلفت العبارات.
فقال المتقدمون: لا يصح عزو ما في النوادر إلى أبي حنيفة، ولا إلى أبي يوسف، ومحمد إلا إذا كان له إسنادٌ متصل، أو وجد في كتاب مشهور معروف تداولته الأيدي.
وأما المتأخرون فقالوا: لا يؤخذ بما في كل كتاب، وأن ما في المتون مُقَدَّم على ما في الشروح، وهو مُقَدَّم على ما في الفتاوى.
قال اللكنوي: " إلا إذا وجد التصحيح ونحو ذلك في ما في الشروح والفتاوى،
ولم يوجد ذلك في المتون، فحينئذ يقدم ما في الطبقة الأدنى على ما في الطبقة الأعلى.
واعلم أنه ينبغي للمفتي أن يجتهد في الرجوع إلى الكتب المعتمدة، ولا يعتمد على كل كتاب، لا سيما الفتاوى التي هي كالصحارى، ما لم يعلم حال مؤلفه وجلالة قدره، فإن وجد مسألة في كتاب لم يوجد لها أثر في الكتب المعتمدة ينبغي أن يتصفح ذلك فيها، فإن وجد فيها، وإلا لا يجترأ على الإفتاء بها من الكتب المختصرة، وإن
كانت معتمدة، ما لم يستعن بالحواشي والشروح، فلعل اختصاره يوصله إلى الورطة الظلماء".
وبناء على ما تقدم من تفصيل المقام في المسائل الفرعية في مذهبنا يمكن تقسيم كتب المذهب على مراتبها، فنقول:
[ ١٢٣ ]
المرتبة الأولى من كتب المذهب: الأصول:
كتب مسائل الأصول هي: ظاهر الرواية (١)، وظاهر المذهب، وهي التي
اشتملت عليها مؤلفات محمد بن الحسن من " الجَامِعَين "، و" السِّيَرَيْن "،
و" الزيادات "، و" المبسوط "، وهذه المسائل هي التي أسندها محمد عن أبي يوسف عن أبي حنيفة، أو أسندها عن أبي حنيفة فقط رحمهم اللَّه تعالى، وقد صنَّف تلك الكتب في بغداد، وتوأترت عنه، أو اشتهرت برواية جمع كثير من أصحابه قد بلغ عددهم مبلغًا، لا يُجَوِّز العقل تواطأهم على الكذب، أو الخطأ في الرواية عنه، وهلم جرًّا إلى أن وصلت إلينا.
وللمبسوط نسخ، أظهرها وأصحها وأشهرها: نسخة أبي سليمان الجوزجاني، ويقال: لها " الأصل "، وقد شرحها جمع كثير من كبار العلماء.
وكتاب " الكافي " للحاكم الشهيد المروزي هو: مجموع كلام محمد في
الأصول، فهو في حكمها.
وقد شرحه كثير من فقهاء الحنفية، ومن أجلِّ شروحه: شرح شمس الأئمة
السرخسي.
قال في فتح القدير وغيره: " إن كتاب " الكافي " هو جمع كلام محمد في كتبه
الستة، التي هي كتب ظاهر الرواية " اهـ.
قال البيري في شرحه على الأشباه: " وهو كتاب معتمَد فى نقل المذهب، شرحه جماعة من مشايخ المذهب منهم شمس الأئمة السرخسي، وهو المشهور بمبسوط السرخسي " اهـ.
قال الشيخ إسماعيل النابلسي: قال العلامة الطرسوسي: " مبسوط السرخسي
_________________
(١) ظاهر الرواية: أي التي اشتهرت روايتها وظهرت، فهو من الظهور بمعناه اللغوي، وليس بالمعنى الاصطلاحي. وسيأتي في كلام الشيخ بخيت - ﵀ - ما يوضح ذلك حيث يقول: " مسائل النوادر هي: غير ظاهر الرواية؛ لأنها لم تظهر كما ظهرت الأولى!، فعلم منه أن لفظ " ظاهر" هنا بمعناه اللغوي، دون الاصطلاحي، ويكون من باب إضافة الصفة إلى الموصوف، والتقدير: "الرواية الظاهرة". وكذلك قوله: " ظاهر المذهب".
[ ١٢٤ ]
لا يُعمل بما يخالفه، ولا يُركن إلا إليه، ولا يُفتي ولا يُعول إلا عليه " اهـ.
وقال هبة اللَّه في شرحه على الأشباه: " المبسوط للإمام محمد بن محمد بن أبي
سهل السرخسي أحد الأئمة الكبار المتكلم الفقيه الأصولي، لزم شمس الأئمة الحلواني، وتخرج به حتى صار أنظر أهل زمانه، وأخذ بالتصنيف، وأملى المبسوط نحو خمسة عشر مجلدًا، وهو في السجن بأوزجند، بكلمة كان فيها من الناصحين، توفي سنة أربعمائة وتسعين ".
وحيث أطلق " المبسوط "، فالمراد مبسوط السرخسي.
المرتبة الثانية من كتب المذهب: النوادر:
كتب مسائل النوادر، وهي غير ظاهر الرواية؛ لأنها لم تظهر كما ظهرت الأولى، ولم تُزوَ إلا بطريق الآحاد بين صحيح وضعيف، " كالرَّقِّيَّات "،
و" الكَيسَانِيَّات "، و" الجُزجَانِيَّات "، و" الهَارُونِيَّات "
من تصانيف محمد التي رواها عنه الآحاد، ولم تبلغ حد التواتر، رلا الشهرة عنه.
و" الرَّقِّيَّات ": صنفها حين نزل رَقَّة (١)، وكان وردها مع هارون الرشيد قاضيًا عليها.
و" الكَيسَانِيَّات ": رواها عنه شعيب بن سليمان الكيساني.
و" الجُزجَانِيَّات ": رواها عنه علي بن صالح الجرجاني من أصحابه.
وكتاب " المنتقى " للحاكم الشهيد مجموع كتب محمد في غير رواية الأصول، فهو في حكمها، كما أن " الكافي " له أيضًا في حكم رواية الأصول كما سبق.
ومن ذلك: " الأمالي والجوامع " لأبي يوسفى، وكتاب " المجرد " للحسن بن زياد،
ومنها: الروايات المتفرقة كنوادر محمد بن سماعة، ونوادر إبراهيم بن رستم المروزي، ونوادر هشام بن عبيد اللَّه الرازي، وغيرهم.
* *