ترجمة الإمام الشافعي:
هو: أبو عبد اللَّه محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن عبد المطلب بن عبد مناف.
ولد في سنة ١٥٠ هـ بغزة، ومات بمصر في سنة ٢٠٤ هـ.
وقد قدم الشافعي مكة صغيرًا، ونشأ يتيمًا فقيرًا في حجر والدته، حتى إنها لم يكن معها ما تعطي المعلم.
حفظ الإمام الشافعي رحمه اللَّه تعالى القرآن، ولما يتجاوز سبع سنين،
وكان يقرأ على إسماعيل بن قسطنطين، وكان شيخ أهل مكة في زمانه، وأخذ العلم عن شيوخ مكة منهم: سفيان بن عيينة إمام أهل الحديث، ومسلم بن خالد الزنجي فقيه مكة،
وسعيد بن سالم القداح، وداود بن عبد الرحمن العطار، وعبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي داود.
وقد حيل بين الشافعي رحمه اللَّه تعالى وبين الرحلة إلى الإمام الليث بن سعد بمصر.
ثم رحل - ﵀ - إلى المدينة للأخذ عن علمائها وهو ابن ثلاث عشرة سنة، فقد كان حفظ موطأ الإمام مالك، وأراد أن يتلقاه عن الإمام مالك نفسه، وقد استصغر الإمام مالك سِنَّه في أول الأمر، وطلب من الشافعي أن يحضر معه من يقرأ له، فلما سمع قراءة الشافعي أعجب مالك بها جدًّا، لفصاحة الشافعي وجودة قراءته، وقد لازمه من
سنة ١٦٣ هـ، وحتى وفاته سنة ١٧٩ هـ.
كما أخذ بالمدينة أيضًا عن إبراهيم بن سعد الأنصاري، وعبد العزيز بن محمد
الداراوردي، وإبراهيم بن أبي يحيى الأسلمي، ومحمد بن سعيد بن أبي فديك، وعبد الله ابن نافع الصائغ صاحب ابن أبي ذئب.
[ ٢١ ]
وكان أول أخذه العلم عن علماء بغداد سنة ١٨٤ هـ، وخاصة الإمام محمد بن الحسنن صاحب الإمام أبي حنيفة صاحب المذهب المشهور، فتلقى جميع مصنفاته، ودرس مذهب الحنفية دراسة واسعة.
كما أخذ ببغداد عن: وكيع بن الجراح، وعبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي، وأبو أسامة حماد بن أسامة الكوفي، وإسماعيل ابن علية، وهؤلاء الأربعة من حفاظ الحديث النبوي.
وقد أقام الشافعي مدة ببغداد، سافر بعدها عائدًا إلى بلده مكة، ليعقد بها أول مجالسه في الحرم المكي.
ثم عاد الشافعي من مكة إلى بغداد، وذلك سنة ١٩٥ هـ، وقد بلغ من العمر خمس وأربعون سنة، وقد استوى عالمًا له منهجه المتكامل، ومذهبه الخاص به.
وقد كان للشافعي في هذه الرحلة الثانية أثر واضح على الحياة العلمية في بغداد.
ثم رجع الإمام الشافعي - ﵀ - إلى مكة، ليعود إلى بغداد مرة أخيرة في سنة ١٩٨ هـ،
إلا أنه لم يمكث في هذه المرة الأخيرة غير بضعة أشهر عزم فيها على الرحيل إلى مصر.
غادر الإمام الشافعي - ﵀ - بغداد بعد أن نشر بها مذهبه، وترك بها عددًا كبيرًا من أصحابه تولوا بعده نشر المذهب، والتصنيف فيه، حتى أصبحت لهم مدرسةً متميزةً خاصة بهم داخل المذهب الشافعي، عرفت بطريقة العراقيين.
وكان الإمام الشافعي - ﵀ - يعرف جيدًا أحوال مصر قبل قدومه إليها، فقد سأل الربيع عن أهل مصر قبل أن يرحل إليهم فقال الربيع: هم فرقتان، فرقة مالت إلى قول مالك، وتاضلت عنه، وفرقة مالت إلى قول أبي حنيفة وناضلت عنه.
فقال الإمام الشافعي - ﵀ -: أرجو أن أقدم مصر إن شاء اللَّه، فآتيهم بشيء أشغلهم به عن القولين جميعًا، فكان كما قال - ﵀ -.
وكان شديد الحب لأصحابه، واسع الجود معهم، يقضي لهم حوائجهم،
ويساعدهم في أمورهم.
ولقد علم الشافعي كثيرًا من الناس، وله تلامذة في بغداد، وله تلامذة في مصر، وله أيضًا تلامذة في خراسان.
هكذا ينبغي علينا أن نتصور صورة لهذا المذهب، كيف نشأ؟ وكيف نقل إلينا؟
وكيف نستيطع أن نتعامل معه؟ فالإمام الشافعي - ﵀ - قد ألف أكثر من ثلاثين كتابا،
[ ٢٢ ]
وكثير من هذه الكتب قد وصل إلينا، وبعضها قد فقد، ولم يصل إلينا، وكثير مما وصل إلينا قد طبع، وعلينا أن نتتبع هذا كله.
وقد مر المذهب الشافعي بعدة أطوار:
أ - طور الإعداد والتكوين: وابتدأ هذا الطور بعد وفاة الإمام مالك سنة ١٧٩ هـ،
واستمر فترة طويلة حيث استغرق حوالي ستة عشر عامًا، إلى أن قدم الإمام الشافعي إلى بغداد للمرة الثانية سنة ١٩٥ هـ.
ب - طور الظهور للمذهب القديم: واحتلت هذه المرحلة الفترة الزمنية من وقت قدوم الشافعي بغداد المرة الثانية سنة ١٩٥ هـ، وحتى رحيله إلى مصر سنة ١٩٩ هـ.
ج - طور النضج والاكتمال لمذهبه الجديد: وبدأ بقدومه إلى مصر سنة ١٩٩ هـ،
وحتى وفاته بها سنة ٢٥٤ هـ.
د - طور التخريج والتذييل: ابتدأ على يد أصحاب الشافعي، من بعد وفاة الإمام الشافعي، وامتد حتى منتصف القرن الخامس تقرييًا - وبعض الباحثين يصل به إلى القرن السابع الهجري - وفي هذا الطور نشط الأصحاب إلى استخراج المسائل من أصول المذهب.
هـ - طور الاستقرار: حيث استقرت مدارس المذهب، وتم الجمع بينها، والانتهاء من الترجيح فيما اختلف فيه علماء المذهب، ثم وضعت الكتب المختصرة في المذهب التي تشمل على الراجح في المذهب، وشرح هذه المختصرات بطريقة مدرسية.
[ ٢٣ ]