كتاب الله كَلَامه الْمنزل للإعجاز بِسُورَة مِنْهُ وَهُوَ الْقُرْآن وَفِيه مسَائِل الأولى الْقرَاءَات السَّبع متواترة وَهُوَ الْمَشْهُور
وَقَالَ ابْن الْحَاجِب هِيَ متواترة فِيمَا لَيْسَ من قبيل الآداء كالمد والإمالة وَتَخْفِيف الْهمزَة وَنَحْوهَا وَهَذَا خلاف الْمَشْهُور
وَذهب الطوفي إِلَى أَن الْقرَاءَات متواترة عَن الْأَئِمَّة السَّبْعَة أما تواترها عَن النَّبِي ﷺ إِلَى الْأَئِمَّة السَّبْعَة فَهُوَ مَحل نظر فَإِن أَسَانِيد الْأَئِمَّة السَّبْعَة بِهَذِهِ الْقرَاءَات السَّبْعَة إِلَى النَّبِي ﷺ مَوْجُودَة فِي كتب الْقرَاءَات وَهِي نقل الْوَاحِد عَن الْوَاحِد لم تستكمل شُرُوط التَّوَاتُر
قَالَ وأبلغ من هَذَا أَنَّهَا لم تتواتر بَين الصَّحَابَة
قَالَ وَاعْلَم أَن بعض من لَا تَحْقِيق عِنْده ينفر من القَوْل بِعَدَمِ تَوَاتر الْقرَاءَات ظنا مِنْهُ أَن ذَلِك يسْتَلْزم عدم تَوَاتر الْقُرْآن وَلَيْسَ ذَلِك بِلَازِم لِأَنَّهُ فرق بَين مَاهِيَّة الْقُرْآن والقراءات وَالْإِجْمَاع على تَوَاتر الْقُرْآن
الثَّانِيَة الْمَنْقُول أحادا نَحْو ﴿فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ﴾ الْمَائِدَة ٨٩
[ ١٩٦ ]
وَهِي قِرَاءَة ابْن مَسْعُود حجَّة عندنَا وَعند أبي حنيفَة خلافًا للباقين
الثَّالِثَة الْقُرْآن مُشْتَمل على الْحَقِيقَة وَالْمجَاز خلافًا لقوم وهم الظَّاهِرِيَّة والرافضة فَإِنَّهُم منعُوا جَوَاز وُقُوع الْمجَاز فِي الْقُرْآن وَقد مر بك هَذَا الْبَحْث
الرَّابِعَة قَالُوا المعرب مَوْجُود فِي الْقُرْآن وَهُوَ بتَشْديد الرَّاء وَفتحهَا وَهُوَ مَا أَصله أعجمي ثمَّ عرب أَي استعملته الْعَرَب على نَحْو اسْتِعْمَالهَا لكلامها فَقيل لَهُ مُعرب توسطا بَين العجمي والعربي
وَأَقُول الْحق أَن الْمُدَّعِي أَنه مُعرب إِن كَانَ من الْأَعْلَام كإبراهيم وَإِسْحَاق وَيَعْقُوب فَهَذَا لَيْسَ بعربي وَلَا يضر وَإِن كَانَ من غير الْأَعْلَام فَهُوَ من توَافق اللُّغَات قطعا
وَنقل ابْن إِسْحَاق فِي الْمَغَازِي وَابْن فَارس فِي فقه اللُّغَة عَن أبي عبيد كلَاما حَاصله أَن فِي اللُّغَة ألفاظا أَصْلهَا أعجمي
كَمَا قَالَ الْفُقَهَاء لَكِن استعملتها الْعَرَب فعربتها بألسنتها وحولتها عَن أَلْفَاظ الْعَجم إِلَى ألفاظها فَصَارَت عَرَبِيَّة ثمَّ نزل الْقُرْآن وَقد اخْتلطت بِكَلَام الْعَرَب فَمن قَالَ إِنَّهَا عَرَبِيَّة ثمَّ فَهُوَ صَادِق يَعْنِي بِاعْتِبَار التعريب الطارىء وَمن قَالَ إِنَّهَا أَعْجَمِيَّة فَهُوَ صَادِق يَعْنِي بِاعْتِبَار أَصْلهَا قَالَ أَبُو عبيد وَإِنَّمَا سلكنا هَذَا الطَّرِيق لِئَلَّا يظنّ بالفقهاء الْجَهْل بِكِتَاب الله تَعَالَى وهم كَانُوا أعلم بالتأويل وَأَشد تَعْظِيمًا لِلْقُرْآنِ انْتهى
قلت وَمِنْه تعلم أَن النزاع فِي الْمَسْأَلَة لَفْظِي
الْخَامِسَة فِيهِ الْمُحكم والمتشابه فَأَما الْمُحكم فَهُوَ لُغَة مفعل من أحكمت الشَّيْء أحكمه أحكاما إِذا أثْبته فَكَانَ على غَايَة مَا يَنْبَغِي من الْحِكْمَة والمتشابه مَا بَينه وَبَين غَيره أَمر مُشْتَرك فيشبهه ويلتبس بِهِ
[ ١٩٧ ]
وَأما معنى الْمُحكم فأجود مَا قيل فِيهِ أَنه المتضح الْمَعْنى كالنصوص والظواهر لِأَنَّهُ من الْبَيَان فِي غَايَة الْأَحْكَام والإتقان والمتشابه مُقَابل لَهُ وَهُوَ غير متضح الْمَعْنى فتشتبه بعض محتملاته بِبَعْض وَذَلِكَ التشابه وَعدم الاتضاح إِمَّا الِاشْتِرَاك كلفظي الْعين والقرؤ أَو لإجمال وَهُوَ إِطْلَاق اللَّفْظ بِدُونِ المُرَاد مِنْهُ نَحْو قَوْله تَعَالَى ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ الْأَنْعَام ١٤١ فَلم يبين مِقْدَار الْحق أَو لظُهُور تَشْبِيه فِي صِفَات الله تَعَالَى كآيات الصِّفَات وأخبارها فَإِن المُرَاد مِنْهَا اشْتبهَ على النَّاس فَقَالَ قوم بظاهرها فجسموا وشبهوا وفر قوم من التَّشْبِيه فتأولوا وحرفوا فغلطوا وتوسط قوم فَسَلمُوا وأمروه كَمَا جَاءَ مَعَ اعْتِقَاد التَّنْزِيه فَسَلمُوا وهم أهل السّنة وَجعل كثير من الْعلمَاء من الْمُتَشَابه الْحُرُوف الَّتِي فِي فواتح السُّور فَإِنَّهُ لَا شكّ أَن لَهَا معنى لم تبلغ أفهامنا إِلَى مَعْرفَته فَهِيَ مِمَّا اسْتَأْثر الله بِعِلْمِهِ وَلم يصب من تمحل لتفسيرها فَإِن ذَلِك من النقول على الله بِمَا لم يقل وَمن تَفْسِير كَلَام الله بمحض الرَّأْي
وَحكم الْمُحكم هُوَ وجوب الْعَمَل بِهِ وَالْحق أَن حكم الْمُتَشَابه هُوَ عدم جَوَاز الْعَمَل بِهِ لقَوْله تَعَالَى ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ آل عمرَان ٧ وَهنا الْوَقْف وَاجِب نقلا وعقلا وَالله الْهَادِي
[ ١٩٨ ]
الأَصْل الثَّانِي السّنة السّنة فِي اللُّغَة الطَّرِيقَة والسيرة
وَفِي اصْطِلَاح الشَّرْع مَا نقل عَن النَّبِي ﷺ قولا أَو فعلا أَو إِقْرَارا على فعل وَهَذَا مَعْنَاهَا بِاعْتِبَار الْعرف الْخَاص باصطلاح الْعلمَاء وَأما مَعْنَاهَا بِاعْتِبَار الْعرف الْعَام فَهُوَ مَا نقل عَن النَّبِي ﷺ أَو عَن السّلف من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَغَيرهم من الْأَئِمَّة المقتدى بهم
ثمَّ اعْلَم أَن قَول النَّبِي ﷺ إِمَّا أَن يكون مسموعا مِنْهُ لغيره بِلَا وَاسِطَة أَو مَنْقُولًا إِلَيْهِ بِوَاسِطَة الروَاة فَإِن كَانَ مسموعا مِنْهُ فَهُوَ حجَّة قَاطِعَة على من سَمعه كالصحابة الَّذين سمعُوا مِنْهُ الْأَحْكَام لَا يسوغ خلَافهَا بِوَجْه من الْوُجُوه إِلَّا بنسخ أَو جمع بَين متعارض بالتأويل وَذَلِكَ فِي التَّحْقِيق لَا يعد خلافًا وَإِن كَانَ مَنْقُولًا إِلَى الْغَيْر فَذَلِك النَّقْل إِمَّا أَن يكون تواترا أَو آحادا
فَإِن كَانَ تواترا فَهُوَ أَيْضا حجَّة قَاطِعَة كالمسموع مِنْهُ ﵇ لِأَن التَّوَاتُر يُفِيد الْعلم فَصَارَ كالمسموع شفاها مِنْهُ فِي إِفَادَة الْعلم غير أَن مدرك الْعلم فِي المسموع الْحس وَفِي التَّوَاتُر الْمركب من السّمع وَالْعقل وَإِن كَانَ آحادا وَجب الْعلم بِمُقْتَضَاهُ كَمَا سَيَأْتِي مَا لم يكن مُجْتَهدا يصرفهُ عَن مُقْتَضى مَا سمع أَو نقل إِلَيْهِ دَلِيل فَيجب عَلَيْهِ مُتَابعَة
[ ١٩٩ ]
الدَّلِيل وَذَلِكَ كَتَرْكِ الْعَام إِلَى الْخَاص وَالْمُطلق إِلَى الْمُقَيد والمرجوح إِلَى الرَّاجِح وَغير ذَلِك
تَنْبِيه قد اتّفق من يعْتد بِهِ من أهل الْعلم على أَن السّنة المطهرة مُسْتَقلَّة بتشريع الْأَحْكَام وَأَنَّهَا كالقرآن فِي تَحْلِيل الْحَلَال وَتَحْرِيم الْحَرَام وَقد ثَبت عَنهُ ﷺ أَنه قَالَ أَلا وَإِنِّي أُوتيت الْقُرْآن وَمثله مَعَه
أَي من السّنَن الَّتِي لم ينْطق بهَا الْقُرْآن وَذَلِكَ كتحريم لُحُوم الْحمر الْأَهْلِيَّة وَتَحْرِيم كل ذِي نَاب من السبَاع ومخلب من الطير وَغير ذَلِك مِمَّا لم يَأْتِ عَلَيْهِ الْحصْر وَمَا ورد من طَرِيق ثَوْبَان بِعرْض الْأَحَادِيث على الْقُرْآن فَقَالَ يحيى بن معِين إِنَّه مَوْضُوع وَضعته الزَّنَادِقَة
وَقَالَ عبد الرَّحْمَن بن مهْدي الْخَوَارِج وضعُوا حَدِيث مَا أَتَاكُم عني فاعرضوه على كتاب الله إِلَى آخِره وَقد عَارض حَدِيث الْعرض قوم فَقَالُوا عرضنَا هَذَا الحَدِيث على كتاب
[ ٢٠٠ ]
الله فخالفه لأَنا وجدنَا فِيهِ ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُول فَخُذُوهُ وَمَا نهاكم عَنهُ فَانْتَهوا﴾ الْحَشْر ٧ قَالَ الْأَوْزَاعِيّ الْكتاب أحْوج إِلَى السّنة من السّنة إِلَى الْكتاب
قَالَ ابْن عبد الْبر يُرِيد أَنَّهَا تقضي عَلَيْهِ وَتبين المُرَاد مِنْهُ
وَقَالَ يحيى ابْن أبي كثير السّنة قاضية على الْكتاب انْتهى
وكل من لَهُ إِلْمَام بِالْعلمِ يعلم أَن ثُبُوت حجية السّنة المطهرة واستقلالها بتشريع الْأَحْكَام ضَرُورِيَّة دينية وَلَا يُخَالف فِي ذَلِك إِلَّا من لَا حَظّ لَهُ فِي دين الْإِسْلَام
[ ٢٠١ ]