اشْتهر فِي مَذْهَب الإِمَام أَحْمد عِنْد الْمُتَقَدِّمين والمتوسطين مُخْتَصر الْخرقِيّ وَلم يخْدم كتاب فِي الْمَذْهَب مثل مَا خدم هَذَا الْمُخْتَصر وَلَا اعتني بِكِتَاب مثل مَا اعتني بِهِ حَتَّى قَالَ الْعَلامَة يُوسُف بن عبد الْهَادِي فِي كِتَابه الدّرّ النقي فِي شرح أَلْفَاظ الْخرقِيّ قَالَ شَيخنَا عزالدين الْمصْرِيّ ضبطت للخرقي ثَلَاثمِائَة شرح وَقد اطَّلَعْنَا لَهُ على مَا يقرب من عشْرين شرحا وَسمعت من شُيُوخنَا وَغَيرهم أَن
[ ٤٢٤ ]
من قَرَأَهُ حصل لَهُ أحد ثَلَاث خِصَال إِمَّا أَن يملك مائَة دِينَار أَو يَلِي الْقَضَاء أَو يصير صَالحا هَذَا كَلَامه وَقَالَ فِي الْمَقْصد الأرشد قَالَ أَبُو إِسْحَاق الْبَرْمَكِي عدد مسَائِل الْخرقِيّ أَلفَانِ وثلاثمائة مَسْأَلَة فَمَا ظَنك بِكِتَاب ولع مثل أبي إِسْحَاق فِي عد مسَائِله وَمَا ذَلِك إِلَّا لمزيد الاعتناء بِهِ وَكتب أَبُو بكر عبد الْعَزِيز على نسخته مُخْتَصر الْخرقِيّ خالفني الْخرقِيّ فِي مُخْتَصره فِي سِتِّينَ مَسْأَلَة وَلم يسمهَا وَقَالَ القَاضِي أَبُو الْحُسَيْن ابْن الْفراء تتبعها فَوَجَدتهَا ثَمَانِي وَتِسْعين مَسْأَلَة انْتهى
وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ مُخْتَصر بديع لم يشْتَهر متن عِنْد الْمُتَقَدِّمين اشتهار وَأعظم شروحه وأشهرها الْمُغنِي للْإِمَام موفق الدّين الْمَقْدِسِي وَقد كَانَ فِي تسع مجلدات ضخام بِخَطِّهِ وأغلب نسخه الْآن فِي ثَلَاثَة عشر مجلدا وطريقته فِي هَذَا الشَّرْح أَنه يكْتب الْمَسْأَلَة من الْخرقِيّ ويجعلها كالترجمة ثمَّ يَأْتِي على شرحها وتبيينها وببيان مَا دلّت عَلَيْهِ بمنطوقها ومفهومها ومضمونها ثمَّ يتبع ذَلِك مَا يشبهها مِمَّا لَيْسَ بمذكور فِي الْكتاب فَتحصل الْمسَائِل كتراجم الْأَبْوَاب وَيبين فِي كثير من الْمسَائِل مَا اخْتلف فِيهِ مِمَّا أجمع عَلَيْهِ وَيذكر لكل إِمَام مَا ذهب إِلَيْهِ وَيُشِير إِلَى دَلِيل بعض أَقْوَالهم ويعزو الْأَخْبَار إِلَى كتب الْأَئِمَّة من
[ ٤٢٥ ]
أهل الحَدِيث ليحصل التفقه بمدلولها والتمييز بَين صحيحها ومعلولها فيعتمد النَّاظر على معروفها ويعرض عَن مجهولها وَالْحَاصِل أَنه يذكر الْمَسْأَلَة من الْخرقِيّ وَيبين غَالِبا رِوَايَات الإِمَام بهَا ويتصل الْبَيَان بِذكر الْأَئِمَّة من أَصْحَاب الْمذَاهب الْأَرْبَع وَغَيرهم من مجتهدي الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ تابعيهم وَمَا لَهُم من الدَّلِيل وَالتَّعْلِيل ثمَّ يرجع قولا من أُولَئِكَ الْأَقْوَال على طَريقَة فن الْخلاف والجدل ويتوسع فِي فروع الْمَسْأَلَة فَأصْبح كِتَابه مُفِيدا للْعُلَمَاء كَافَّة على اخْتِلَاف مذاهبهم وأضحى المطلع عَلَيْهِ ذَا معرفَة بِالْإِجْمَاع والوفاق وَالْخلاف والمذاهب المتروكة بِحَيْثُ تتضح لَهُ مسالك الِاجْتِهَاد فيرتفع من حضيض التَّقْلِيد إِلَى ذرْوَة الْحق الْمُبين ويمرح فِي روض التَّحْقِيق
قَالَ ابْن مُفْلِح فِي الْمَقْصد الأرشد اشْتغل الْمُوفق بتأليف الْمُغنِي أحد كتب الْإِسْلَام فَبلغ الأمل فِي إنهائه وَهُوَ كتاب بليغ فِي الْمَذْهَب تَعب فِيهِ وأجاد فِيهِ وجمل بِهِ الْمَذْهَب وقرأه عَلَيْهِ جمَاعَة وَأثْنى ابْن غنيمَة على مُؤَلفه فَقَالَ مَا أعرف أحدا فِي زَمَاننَا أدْرك دَرَجَة الِاجْتِهَاد إِلَّا الْمُوفق وَقَالَ الشَّيْخ عزالدين ابْن عبد السَّلَام مَا رَأَيْت فِي كتب الْإِسْلَام مثل الْمحلى والمجلى لِابْنِ حزم وَكتاب الْمُغنِي للشَّيْخ موفق الدّين فِي جودتهما وَتَحْقِيق مَا فيهمَا وَنقل عَنهُ أَنه قَالَ لم تطب نَفسِي بالإفتاء حَتَّى صَارَت عِنْدِي نُسْخَة الْمُغنِي نقل ذَلِك ابْن مُفْلِح
[ ٤٢٦ ]
وَحكي أَيْضا فِي تَرْجَمَة الزيراني صَاحب الْوَجِيز أَنه طالع الْمُغنِي ثَلَاثًا وَعشْرين مرّة وعلق عَلَيْهِ حَوَاشِي وَحكي أَيْضا فِي تَرْجَمَة ابْن رزين أَنه اختصر الْمُغنِي فِي مجلدين وَسَماهُ التَّهْذِيب وَحكي أَيْضا فِي تَرْجَمَة عبد الْعَزِيز بن عَليّ بن الْعِزّ بن عبد الْعَزِيز الْبَغْدَادِيّ ثمَّ الْمَقْدِسِي الْمُتَوفَّى سنة سِتّ وَأَرْبَعين وَثَمَانمِائَة أَنه اختصر الْمُغنِي
وَمِمَّا اطَّلَعْنَا عَلَيْهِ من شُرُوح الْخرقِيّ شرح القَاضِي أبي يعلى مُحَمَّد بن الْحُسَيْن ابْن الْفراء الْبَغْدَادِيّ وَهُوَ فِي مجلدين ضخمين وَبَعض نسخه فِي أَربع مجلدات وطريقته أَنه يذكر الْمَسْأَلَة من الْخرقِيّ ثمَّ يذكر من خَالف فِيهَا ثمَّ يَقُول وَدَلِيلنَا فيفيض فِي إِقَامَة الدَّلِيل من الْكتاب وَالسّنة وَالْقِيَاس على طَريقَة الجدل مِثَاله أَنه يَقُول مَسْأَلَة قَالَ أَبُو الْقَاسِم وَلَا ينْعَقد النِّكَاح إِلَّا بولِي وشاهدين من الْمُسلمين أما قَوْله لَا ينْعَقد إِلَّا بولِي فَهُوَ خلاف لأبي حنيفَة فِي قَوْله الْوَلِيّ لَيْسَ بِشَرْط فِي نِكَاح الْبَالِغَة دليلنا فيذكر دَلِيل الْمَسْأَلَة سالكا مَسْلَك فن الْخلاف ثمَّ يَقُول وَقَوله بِشَاهِدين من الْمُسلمين خلافًا لمَالِك وَدَاوُد فِي قَوْلهمَا الشَّهَادَة لَيست بِشَرْط فِي انْعِقَاد النِّكَاح وَخِلَافًا لأبي حنيفَة فِي قَوْله ينْعَقد بِشَاهِد وَامْرَأَتَيْنِ وَينْعَقد نِكَاح الْمسلمَة والكتابية بِشَهَادَة كَافِرين ثمَّ يَقُول دليلنا على مَالك وَدَاوُد كَذَا وَكَذَا وعَلى أبي حنيفَة كَذَا وَكَذَا وَالْفرق بَين هَذَا الشَّرْح وَبَين الْمُغنِي أَن الْمُغنِي يسْلك قَرِيبا من هَذَا المسلك وَيكثر من ذكر الْفُرُوع زِيَادَة على مَا فِي الْمَتْن فَلذَلِك صَار كتابا جَامعا لمسائل الْمَذْهَب وَأما أَبُو يعلى فَإِنَّهُ لَا يذكر شَيْئا زَائِدا على مَا فِي الْمَتْن وَلكنه يُحَقّق مسَائِله وَيذكر أدلتها ومذاهب الْمُخَالفين لَهَا فَإِذا طبع الْمُغنِي مَعَ شرح القَاضِي قرب
[ ٤٢٧ ]
النَّاظر فيهمَا من أَن يُحِيط بِالْمذهبِ دَلَائِل وفروعا وحصلت لَهُ معرفَة بِبَقِيَّة الْمذَاهب وَتلك غَايَة قصوى يحتاجها كل مُحَقّق وَقد نظم الْخرقِيّ الْفَقِيه الأديب اللّغَوِيّ الزَّاهِد الشَّاعِر المفلق يحيى بن يُوسُف بن يحيى بن مَنْصُور بن المعمر بِفَتْح الْمِيم الْمُشَدّدَة ابْن عبد السَّلَام الْأنْصَارِيّ الصرصري الزريراني الضَّرِير صَاحب الدِّيوَان الْمَشْهُور فِي مدح النَّبِي ﷺ الْمُتَوفَّى سنة سِتّ وَخمسين وسِتمِائَة شَهِيدا قَتله التتار وَقد نظم الْخرقِيّ نظما صَدره بِخطْبَة نثرا قَالَ فِيهَا جعلت أَكثر تعويلي فِي نظمي هَذَا على مُخْتَصر فِيمَا نقلته إِذْ كَانَ فِي نَفسِي أوثق من تابعته وسمى نظمه الدرة الْيَتِيمَة والمحجة المستقيمة ثمَّ ذكر أَنه كَانَ قد عزم على نظم ربع الْعِبَادَات ثمَّ شرح الله صَدره لإكمال الْكتاب فَفعل ونظمه من بَحر الطَّوِيل وحرف الروي الدَّال قَالَ فِي أَوَائِل النّظم
يَا طَالبا للْعلم وَالْعَمَل اسْتمع مَا قلت مَخْصُوصًا بِمذهب أَحْمد إِن من اخْتَار الإِمَام ابْن حَنْبَل إِمَامًا لَهُ فِي وَاضح الشَّرْح يَهْتَدِي فاشرع فِي ذكر الطَّهَارَة أَولا وَهل عَالم إِلَّا بذلك يبتدي وَقَالَ فِي آخر النّظم
أَلفَيْنِ فاعددها وَسبعا مئاتها وَسبعين بَيْتا ثمَّ أَرْبَعَة زد بعد المئتين السِّت والأربع الَّتِي تلتها الثَّلَاثُونَ استتمت فقيد بصرصر فِي أَيَّام أشرف مَالك أُمُور الورى الْمُسْتَنْصر بن مُحَمَّد وناظمها يحيى بن يُوسُف أفقر الْأَنَام إِلَى غفران رب ممجد
ثمَّ إِن الصرصري نظم زَوَائِد الْكَافِي على الْخرقِيّ فِي كتاب
[ ٤٢٨ ]
مُسْتَقل وَالنُّسْخَة الَّتِي رَأَيْتهَا وجسدت أَولهَا مخروما إِلَى بَاب الْمسْح على الْخُفَّيْنِ فَلم أدر شَرطه فِيهَا وَالنّظم من بَحر الطَّوِيل على رُوِيَ الدَّال أَيْضا وَقَالَ فِي آخرهَا فَخذهَا هداك الله أَخذ موفق لغر الْمعَانِي حَافظ متسدد مسَائِل فقه واضحات لناشد بِأَبْيَات شعر رائقات لِمُنْشِد وعدتها أَلفَانِ كن خير ألف لَهَا تحمد الْآثَار مِنْهَا وتحمد تخيرتها مِمَّا حوى ابْن قدامَة الْمُوفق فِي الْكَافِي تخير مقتد
هما لقنا صدق لَهُ ولجمعه بتوفيقه تَكْفِي الضلال وتهتدي وأسندت منظومي إِلَيْهِ تبركا بألفاظه الْحسنى تبرك أرشد فهذي وَمَا ألفت من قبلهَا إِذا حفظتهما حفظ اللبيب المجود وطارحت أهل الْبَحْث من فقهائنا بِمَا حوت الثنتان ترشد وترشد وَألف فِي لُغَات الْخرقِيّ وَشرح مفرداتها يُوسُف بن حسن بن عبد الْهَادِي كتابا سَمَّاهُ الدّرّ النقي فِي شرح أَلْفَاظ الْخرقِيّ وَهُوَ فِي مُجَلد حذا فِيهِ حَذْو صَاحب المطلع ورتبه على أَبْوَاب الْكتاب وَقد رَأَيْته بِخَطِّهِ فِي خزانَة الْكتب الدمشقية المودعة فِي قبَّة الْملك الظَّاهِر بيبرس وَحكى فِي آخِره أَنه فرغ من تأليفه سنة سِتّ وَسبعين وَثَمَانمِائَة وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ كتاب نَافِع فِي بَابه هَذَا مَا أمكنني الِاطِّلَاع عَلَيْهِ من مواد مُخْتَصر الْخرقِيّ