هُوَ فِي اللُّغَة الرّفْع والإزالة وَقد يُرَاد بِهِ مَا يشبه النَّقْل نَحْو نسخت الْكتاب وَفِي اصْطِلَاح الْأُصُولِيِّينَ هُوَ رفع الحكم الثَّابِت بطرِيق شَرْعِي بِمثلِهِ متراخ عَنهُ فَيدْخل مَا ثَبت بِالْخِطَابِ أَو مَا قَامَ مقَامه من إِشَارَة أَو إِقْرَار فِي النَّاسِخ والمنسوخ وَهُوَ جَائِز عقلا وواقع سمعا فِي الْكتاب وَالسّنة بِلَا خلاف فِي ذَلِك بَين الْمُسلمين وَفَائِدَته أَن الله تَعَالَى علم الْمصلحَة فِي الحكم تَارَة فأثبته بِالشَّرْعِ وَعلم الْمفْسدَة فِيهِ تَارَة فنفاه بالنسخ وَهَذَا لَا بداء فِيهِ لأننا نقطع بِكَمَال علم الله تَعَالَى والبداء يُنَافِي كَمَال الْعلم وللنسخ فَائِدَتَانِ أَحدهمَا رِعَايَة الْأَصْلَح للمكلفين تفضلا من الله تَعَالَى لَا وجوبا
ثَانِيهمَا امتحان الْمُكَلّفين بامتثالهم الْأَوَامِر والنواهي خُصُوصا فِي أَمرهم بِمَا كَانُوا منهيين عَنهُ ونهيهم عَمَّا كَانُوا مأمورين بِهِ فَإِن الانقياد لَهُ أدل على الْإِيمَان وَالطَّاعَة وَفِي هَذَا الْبَاب شذرات
الأولى يجوز نسخ التِّلَاوَة وَالْحكم وإحكامهما بِكَسْر
[ ٢١٤ ]
الْهمزَة أَي إبقائهما محكمين غير منسوخين وَيجوز نسخ اللَّفْظ فَقَط دون الْمَعْنى وَنسخ الْمَعْنى دون اللَّفْظ وَأَنت إِذا تَأَمَّلت هَذَا الْمقَام وجدته سِتَّة أَقسَام
الأول مَا نسخ حكمه وَبَقِي رسمه كنسخ آيَة ﴿الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ الْبَقَرَة ١٨٠ بِآيَة الْمَوَارِيث وَنسخ الْعدة حولا بالعدة أَرْبَعَة أشهر وَعشرا
الثَّانِي مَا نسخ حكمه ورسمه وَثَبت حكم النَّاسِخ ورسمه كنسخ اسْتِقْبَال بَيت الْمُقَدّس باستقبال الْكَعْبَة
الثَّالِث مَا نسخ حكمه وَبَقِي رسمه وَرفع رسم النَّاسِخ وَبَقِي حكمه كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ﴾ النِّسَاء ١٥ الْآيَة بقوله تَعَالَى الشَّيْخ وَالشَّيْخَة إِذا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا أَلْبَتَّة نكالا من الله وَقد ثَبت فِي الصَّحِيح أَن هَذَا كَانَ قُرْآنًا يُتْلَى ثمَّ نسخ لَفظه وَبَقِي حكمه
[ ٢١٥ ]
الرَّابِع مَا نسخ حكمه ورسمه وَنسخ رسم النَّاسِخ وَبَقِي حكمه كَمَا ثَبت فِي الصَّحِيح عَن عَائِشَة أَنَّهَا قَالَت كَانَ فِيمَا أنزل عشر رَضعَات مُتَتَابِعَات يحرمن فنسخ بِخمْس رَضعَات فَتوفي رَسُول الله وَهن فِيمَا يُتْلَى من الْقُرْآن
قَالَ الْبَيْهَقِيّ فالعشر مِمَّا نسخ رسمه وَحكمه وَالْخمس نسخ رسمه وَبَقِي حكمه بِدَلِيل أَن الصَّحَابَة حِين جمعُوا الْقُرْآن لم يثبتوها رسما وَحكمهَا بَاقٍ عِنْدهم
قَالَ ابْن السَّمْعَانِيّ معنى قَوْلهَا وَهِي فِيمَا يُتْلَى من الْقُرْآن أَنه يُتْلَى حكمهَا دون لَفظهَا
وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ الْمَعْنى أَنه يتلوه من لم يبلغهُ نسخ تِلَاوَته
الْخَامِس مَا زَالَ رسمه لَا حكمه وَلَا يعلم النَّاسِخ لَهُ كَمَا
[ ٢١٦ ]
فِي الصَّحِيح لَو كَانَ لِابْنِ آدم واديان من ذهب لتمنى لَهما ثَالِثا لَا يمْلَأ جَوف ابْن آدم إِلَّا التُّرَاب وَيَتُوب الله على من تَابَ فَإِن هَذَا كَانَ قُرْآنًا ثمَّ نسخ رسمه
السَّادِس نَاسخ صَار مَنْسُوخا وَلَيْسَ بَينهمَا لفظ متلو كالمواريث بِالْحلف والنصرة فَإِنَّهُ نسخ بالتوارث بِالْإِسْلَامِ وَالْهجْرَة ونسخه بِآيَة الْمَوَارِيث
الثَّانِيَة نسخ الْأَمر قبل امتثاله جَائِز نَحْو أَن يَقُول الشَّارِع فِي رَمَضَان مثلا حجُّوا فِي هَذِه السّنة ثمَّ يَقُول فِي يَوْم عَرَفَة أَو قبله لَا تَحُجُّوا وَهَذِه الْمَسْأَلَة ذكرتها تبعا للروضة وَغَيرهَا وَلَا فَائِدَة لَهَا إِلَّا المناقشة
الثَّالِثَة الزِّيَادَة على النَّص إِمَّا أَن لَا تتَعَلَّق بِحكم النَّص أصلا أَو تتَعَلَّق بِهِ فَإِن لم تتَعَلَّق بِهِ فَلَيْسَتْ نسخا لَهُ إِجْمَاعًا وَذَلِكَ كزيادة إِيجَاب الصَّوْم بعد إِيجَاب الصَّلَاة فَإِنَّهُ لَيْسَ نسخا لإِيجَاب الصَّلَاة بِالْإِجْمَاع وَإِن تعلّقت الزِّيَادَة بِحكم النَّص الْمَزِيد عَلَيْهِ فَتلك الزِّيَادَة إِمَّا جُزْء لَهُ أَو شَرط أَو لَا جُزْء وَلَا شَرط مِثَال كَونهَا جُزْءا لَهُ زِيَادَة رَكْعَة فِي الصُّبْح أَو عشْرين سَوْطًا فِي حد الْقَذْف فَتَصِير الصُّبْح ثَلَاث رَكْعَات وَالثَّالِثَة جُزْء مِنْهَا وحد الْقَذْف مائَة سَوط وَالْعشْرُونَ الزَّائِدَة جُزْء مِنْهَا
وَمِثَال كَونهَا شرطا نِيَّة الطَّهَارَة هِيَ شَرط لَهَا وَقد زيدت فِي
[ ٢١٧ ]
حَدِيث إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ وَغَيره على مَا فِي آيَة الْوضُوء بِنَاء على أَن النِّيَّة لَيست مستفادة من الْآيَة على خلاف بَين الْعلمَاء وَمِثَال كَون الزِّيَادَة لَيست جُزْءا وَلَا شرطا التَّغْرِيب على الْجلد فِي زنا الْبكر إِذْ الْجلد لَا يتَوَقَّف على التَّغْرِيب توقف الْكل على جزئه وَلَا توقف الْمَشْرُوط على شَرطه وَلَيْسَ شَيْء من ذَلِك نسخا عندنَا خلافًا للحنفية وَحكى الْآمِدِيّ عَن القَاضِي عبد الْجَبَّار وَالْغَزالِيّ فِي المثالين الْأَوَّلين أَنَّهُمَا وافقا الْحَنَفِيَّة فِي أَنه نسخ وَقد أَطَالَ الأصوليون ذيول هَذِه الْمَسْأَلَة وفائدتها على مَا فِي الْبَحْر للزركشي أَن مَا ثَبت أَنه من بَاب النّسخ وَكَانَ مَقْطُوعًا بِهِ فَلَا ينْسَخ إِلَّا بقاطع كالتغريب وَالله الْمُوفق
الرَّابِعَة يجوز نسخ الْعِبَادَة إِلَى غير بدل كنسخ وجوب الْإِمْسَاك بعد النّوم فِي اللَّيْل وَذَلِكَ أَنهم كَانُوا فِي صدر الْإِسْلَام مَتى نَام أحدهم قبل أَن يفْطر من صَوْمه حرم عَلَيْهِ الْأكل حَتَّى اللَّيْلَة الثَّانِيَة فَخفف ذَلِك عَنْهُم بنسخه بِإِبَاحَة الْأكل إِلَى طُلُوع الْفجْر من غير بدل وَمن ذَلِك نسخ اعْتِدَاد الْمُتَوفَّى عَنْهَا حولا باعتدادها أَرْبَعَة أشهر وَعشرا فتمام الْحول نسخ لَا إِلَى بدل
[ ٢١٨ ]
الْخَامِسَة يجوز نسخ كل من الْكتاب ومتواتر السّنة وآحادها بِمثلِهِ وَهَذَا اتِّفَاق لَا اخْتِلَاف فِيهِ وَيجوز نسخ السّنة بِالْكتاب خلافًا للشَّافِعِيّ واستنكر جمَاعَة من الْعلمَاء مِنْهُ ذَلِك