وَأما التَّرْجِيح فَهُوَ تَقْدِيم أحد طريقي الحكم لاختصاصه بِقُوَّة الدّلَالَة ورجحان الدَّلِيل عبارَة عَن كَون الظَّن الْمُسْتَفَاد مِنْهُ أقوى وَاسْتِعْمَال الرجحان حَقِيقَة إِنَّمَا هُوَ فِي الْأَعْيَان الجوهرية والأجسام تَقول هَذِه الدِّينَار أَو الدِّرْهَم رَاجِح على هَذَا لِأَن الرجحان من آثَار النَّقْل والاعتماد وَهُوَ من خَواص الْجَوَاهِر ثمَّ اسْتعْمل فِي الْمعَانِي مجَازًا نَحْو هَذَا الدَّلِيل أَو الْمَذْهَب رَاجِح على هَذَا وَهَذَا الرَّأْي أرجح من ذَلِك
وَقَالَ ابْن الباقلاني لَا يرجح بعض الْأَدِلَّة على بعض كَمَا لَا يرجح بعض الْبَينَات على بعض وَكَلَامه هَذَا لَيْسَ بِشَيْء ومورد التَّرْجِيح إِنَّمَا هُوَ الْأَدِلَّة الظنية من الْأَلْفَاظ المسموعة والمعاني المعقولة كنصوص الْكتاب وَالسّنة وظواهرهما وكأنواع الأقيسة والتنبيهات المستفادة من النُّصُوص فَلَا مدْخل لَهُ فِي الْمذَاهب من غير تمسك بِدَلِيل فَلَا يُقَال مَذْهَب الشَّافِعِي مثلا أرجح من مَذْهَب أبي حنيفَة أَو غَيرهمَا أَو بِالْعَكْسِ لَكِن هَذَا بِاعْتِبَار مَجْمُوع مَذْهَب على مَجْمُوع مَذْهَب آخر وَأما من حَيْثُ الْأَدِلَّة على الْمسَائِل فالترجيح ثَابت
[ ٣٩٥ ]
وَلَا مدْخل للترجيح أَيْضا فِي القطعيات لِأَنَّهُ لَا غَايَة وَرَاء الْقطعِي وَقَوْلنَا من الْأَلْفَاظ المسموعة أردنَا بِهِ نُصُوص الْكتاب وَالسّنة فيدخلها التَّرْجِيح فَإِذا تعَارض نصان فَأَما أَن يجهل تاريخهما أَو يعلم فَإِن جهل قدمنَا الْأَرْجَح مِنْهَا بِبَعْض وُجُوه التَّرْجِيح وَإِن علم تاريخهما فإمَّا أَن يُمكن الْجمع بَينهمَا بِوَجْه من وُجُوه الْجمع أَو لَا فَإِن أمكن جمع بَينهمَا من حَيْثُ يَصح الْجمع إِذْ الْوَاجِب اعْتِبَار أَدِلَّة الشَّرْع جَمِيعهَا مَا أمكن وَإِن لم يُمكن الْجمع فَالثَّانِي نَاسخ إِن صَحَّ سندهما أَو أَحدهمَا كذب إِن لم يَصح سَنَده إِذْ لَا تنَاقض بَين دَلِيلين شرعيين لِأَن الشَّارِع حكم والتناقض يُنَافِي الْحِكْمَة فأحد المتناقضين يكون بَاطِلا إِمَّا لكَونه مَنْسُوخا أَو لكذب ناقله أَو لخطئه بِوَجْه مَا من وُجُوه تصفح أُمُورهم فِي النقليات أَو لخطأ النَّاظر فِي العقليات كالإخلال بشكل الْقيَاس أَو شَرطه وَنَحْو ذَلِك
وَقد يخْتَلف اجْتِهَاد الْمُجْتَهدين فِي النُّصُوص إِذا تَعَارَضَت فَمنهمْ من يسْلك طرق التَّرْجِيح وَمِنْهُم من يسْلك طَرِيق الْجمع وَالصَّوَاب تَقْدِيم الْجمع على التَّرْجِيح مَا أمكن إِلَّا أَن يُفْضِي الْجمع إِلَى تكلّف يغلب على الظَّن بَرَاءَة الشَّرْع مِنْهُ وَيبعد أَنه قَصده فَيتَعَيَّن التَّرْجِيح ابْتِدَاء
إِذا علم هَذَا فَاعْلَم أَن التَّرْجِيح الْوَاقِع فِي الْأَلْفَاظ إِمَّا أَن يكون من جِهَة الْمَتْن أَو السَّنَد أَو الْقَرِينَة
أما من جِهَة السَّنَد فَيقدم الْمُتَوَاتر على الْآحَاد القطعية
[ ٣٩٦ ]
وَالْأَكْثَر رُوَاة على الْأَقَل وَيقدم الْمسند على الْمُرْسل لِأَنَّهُ مُخْتَلف فِي كَونه حجَّة وَالْمَرْفُوع على الْمَوْقُوف والمتصل على الْمُنْقَطع والمتفق عَلَيْهِ فِي ذَلِك على الْمُخْتَلف فِيهِ وَرِوَايَة المتقن والأتقن وَالضَّابِط والأضبط والعالم والأعلم والورع والأورع والتقي والأتقى على غَيرهم وَصَاحب الْقِصَّة والملاب لَهَا على غَيره لاختصاصه بمزيد علم يُوجب إِصَابَته مِثَال رِوَايَة صَاحب الْقِصَّة حَدِيث مَيْمُونَة ﵂ تزَوجنِي رَسُول الله ﷺ وَهُوَ حَلَال
فحديثها يقدم على حَدِيث ابْن عَبَّاس أَنه تزَوجهَا وَهُوَ محرم وَمِثَال حَدِيث الملابس يَعْنِي الْمُبَاشر للقصة حَدِيث أبي رَافع
تزوج رَسُول الله ﷺ مَيْمُونَة وَهُوَ حَلَال وَكنت السفير بَينهمَا فَإِنَّهُ يقدم على حَدِيث ابْن عَبَّاس وَتقدم الرِّوَايَة المتسقة المنتظمة على الرِّوَايَة المضطربة والمتأخرة على الْمُتَقَدّمَة وَمعنى اتساق الرِّوَايَة انتظامها وَهُوَ ارتباط بعض ألفاظها بِبَعْض ووفاء الْأَلْفَاظ بِالْمَعْنَى من غير نقص مخل وَلَا زِيَادَة مخلة واضطرابها تنافر ألفاظها واختلافها بِالزِّيَادَةِ وَالنَّقْص
[ ٣٩٧ ]
وَمِثَال الْمُتَأَخِّرَة الحَدِيث الصَّحِيح كَانَ آخر الْأَمريْنِ من رَسُول الله ﷺ ترك الْوضُوء مِمَّا مست النَّار وَأما تَقْدِيم رِوَايَة مُتَقَدم الْإِسْلَام على متأخره فَفِيهِ خلاف اخْتَار القَاضِي وَالْمجد والطوفي أَنَّهُمَا سَوَاء وَقَالَ ابْن عقيل وَالْأَكْثَر ترجح رِوَايَة مُتَأَخّر الْإِسْلَام على متقدمه
قلت وَهُوَ الصَّوَاب لِأَنَّهُ يحفظ آخر الْأَمريْنِ عَن رَسُول الله ﷺ وَعَلِيهِ عمل أَصْحَابنَا فِي الْفُرُوع وَفِي تَقْدِيم رِوَايَة الْخُلَفَاء الْأَرْبَعَة خلاف أَيْضا وَاخْتَارَ تقديمهم الْفَخر والطوفي وتبعهما المرداوي فِي التَّحْرِير والفتوحي فِي مُخْتَصره
قَالَ الطوفي وَالْأَشْبَه تَرْجِيح رِوَايَة الأكابر يَعْنِي من الصَّحَابَة رضوَان الله عَلَيْهِم انْتهى
قلت وَهُوَ الْحق
وَأما التَّرْجِيح اللَّفْظِيّ من جِهَة الْمَتْن فَهُوَ مَبْنِيّ على تفَاوت دلالات الْعبارَات فِي أَنْفسهَا فيرجح الأدل مِنْهَا فالأدل فالنص مقدم على الظَّاهِر وللظاهر مَرَاتِب بِاعْتِبَار لَفظه أَو قرينته فَيقدم الْأَقْوَى مِنْهَا فالأقوى بِحَسب قُوَّة دلَالَته وضعفها وَيقدم الْخَبَر الْمُخْتَلف فِي اللَّفْظ فَقَط على مَا اتَّحد لَفظه وَلم يخْتَلف لدلَالَة اخْتِلَاف أَلْفَاظه على اشتهاره وَاخْتَارَ قوم تَقْدِيم مَا اتَّحد لَفظه على غَيره وَلكُل من الْقَوْلَيْنِ مُرَجّح فَهِيَ مَسْأَلَة اجتهادية
[ ٣٩٨ ]
وَالصَّوَاب أَن اخْتِلَاف الْأَلْفَاظ إِن كَانَ مِمَّا يخْتَلف بِهِ الْمَعْنى وَلَو أدنى اخْتِلَاف أَو تغير انتظام الرِّوَايَة واتساقها قدم المتحد لفظا وَإِلَّا فالمختلف أَو يتعارضان وَأما الْمُخْتَلف معنى فَإِنَّهُ لَا يُعَارض المتحد معنى قولا وَاحِدًا وَيقدم ذُو الزِّيَادَة على مَا لَا زِيَادَة فِيهِ والمثبت على النَّافِي إِلَّا أَن يسند النَّفْي إِلَى علم بِالْعدمِ كَقَوْلِه اعْلَم أَن فلَانا فعل كَذَا لَا عدم الْعلم كَأَن يَقُول لم أعلم أَن فلَانا فعل كَذَا فَإِن اسْتندَ الحديثان إِلَى عدم الْعلم اسْتَويَا وَيقدم مَا اشْتَمَل على حظر أَو وَعِيد على غَيره احْتِيَاطًا وَهَذِه طَريقَة القَاضِي أبي يعلى وَقيل لَا يرجح بذلك ويرجح النَّاقِل عَن حكم الأَصْل على غَيره مثل أَن يلْتَزم أَن الأَصْل فِي الْأَشْيَاء الْإِبَاحَة ثمَّ نجد دَلِيلين أَحدهمَا حَاكم بِالْإِبَاحَةِ وَالثَّانِي بالحظر وَإِذا تعَارض دليلان أَحدهمَا مسْقط للحد وَالْآخر يُوجِبهُ أَو أَحدهمَا يُوجب الْجِزْيَة وَالْآخر يمْنَعهَا لم يرجح مسْقط الْحَد وَمُوجب الْجِزْيَة على مقابلهما إِذْ لَا تَأْثِير لذَلِك فِي صدق الرَّاوِي
وَقيل بلَى لموافقتهما الأَصْل وَيقدم قَوْله ﵊ على فعله لِأَن القَوْل لَهُ صِيغَة دلَالَة بِخِلَاف الْفِعْل فَإِنَّهُ لَا صِيغَة لَهُ تدل بِنَفسِهَا وَإِنَّمَا دلَالَة الْفِعْل لأمر خَارج وَهُوَ كَونه ﵇ وَاجِب الِاتِّبَاع فَكَانَ القَوْل أقوى فيرجح لذَلِك
وَأما التَّرْجِيح من جِهَة الْقَرِينَة فَإِذا تعَارض عامان أَحدهمَا بَاقٍ على عُمُومه وَالْآخر قد خص بِصُورَة فَأكْثر رجح الْبَاقِي على عُمُومه على الْمَخْصُوص وَكَذَلِكَ يقدم مَا خص بِصُورَة على مَا خص بصورتين وَهَكَذَا فِيمَا بعد ذَلِك وَحَاصِله أَنه يقدم الْأَقَل تَخْصِيصًا على الْأَكْثَر وَيقدم من النصين مَا تَلقاهُ الْعلمَاء بِالْقبُولِ وَلم يلْحقهُ إِنْكَار من
[ ٣٩٩ ]
أحد مِنْهُم على مَا فِيهِ الْإِنْكَار من بَعضهم وَهَذِه الْقَاعِدَة تقضي بِتَقْدِيم مَا رُوِيَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَو أَحدهمَا على مَا لم يرو فيهمَا لتلقي الْأمة لَهما بِالْقبُولِ وَيقدم مَا أنكرهُ وَاحِد على مَا أنكرهُ اثْنَان وَهَكَذَا فِي اثْنَيْنِ وَثَلَاثَة ويرجح مَا عضده عُمُوم كتاب أَو سنة أَو قِيَاس شَرْعِي أَو معنى عَقْلِي على مَا لم يعضده بِشَيْء من ذَلِك فَإِن عضد أحد النصين قُرْآن وَالْآخر سنة فَفِيهِ رِوَايَتَانِ أَحدهمَا يقدم مَا عضده الْقُرْآن وَهُوَ الْمُخْتَار
وَثَانِيهمَا يقدم مَا عضده الحَدِيث وَالضَّابِط أَنه يرجح مَا تخيل فِيهِ زِيَادَة قُوَّة كَائِنا من ذَلِك مَا كَانَ وَقد تتخيل زِيَادَة الْقُوَّة مَعَ اتِّحَاد النَّوْع واختلافه ويرجح مَا ورد ابْتِدَاء على غير سَبَب على مَا ورد على سَبَب لاحْتِمَال اخْتِصَاصه بِسَبَبِهِ وَمَا عمل بِهِ الْخُلَفَاء الراشدون على غَيره على القَوْل الْمُخْتَار