أما طَريقَة الإِمَام فِي الْأُصُول الْفِقْهِيَّة فقد كَانَت طَريقَة الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ لَهُم بِإِحْسَان لَا يتَعَدَّى طريقتهم وَلَا يتجاوزها إِلَى غَيرهَا كَمَا هِيَ عَادَته فِي مسالكه فِي التَّوْحِيد والفتيا فِي الْفِقْه وَفِي جَمِيع حركاته وسكناته وكما تقدم لَك آنِفا مَا كَانَ عَلَيْهِ من الِاعْتِقَاد وكما سنبينه من مسالكه فِي الِاجْتِهَاد
وَحَيْثُ علمت ذَلِك فَاعْلَم أَنه قد صرح المجتهدون من أهل مذْهبه التَّابِعين لَهُ فِي الْأُصُول أَن فَتَاوَاهُ ﵁ مَبْنِيَّة على خَمْسَة أصُول
الأَصْل الأول النَّص كَانَ إِذا وجد النَّص أفتى بِمُوجبِه وَلم يلْتَفت إِلَى مَا خَالفه لَا إِلَى من خَالفه كَائِنا من كَانَ وَلِهَذَا لم يلْتَفت إِلَى خلاف عمر فِي المبتوتة لحَدِيث فَاطِمَة بنت قيس وَلَا
[ ١١٣ ]
إِلَى خِلَافه فِي التَّيَمُّم للْجنب لحَدِيث عمار بن يَاسر الْمُصَرّح بِصِحَّة تيَمّم الْجنب وَكَذَلِكَ لم يلْتَفت إِلَى قَول عَليّ وَعُثْمَان وَطَلْحَة وَأبي أَيُّوب وَأبي بن كَعْب فِي ترك الْغسْل من الإكسال لصِحَّة حَدِيث عَائِشَة أَنَّهَا فعلته هِيَ وَرَسُول الله ﷺ فاغتسلا إِلَى غير ذَلِك مِمَّا هُوَ كثير جدا وَلم يكن يقدم على الحَدِيث الصَّحِيح عملا وَلَا رَأيا وَلَا قِيَاسا وَلَا قَول صَاحب وَلَا عدم علمه بالمخالف الَّذِي يُسَمِّيه كثير
[ ١١٤ ]
من النَّاس بِالْإِجْمَاع ويقدمونه على الحَدِيث الصَّحِيح
وَقَالَ الإِمَام ابْن الْقيم وَغَيره من عُلَمَاء الْأُصُول قد كذب أَحْمد من ادّعى هَذَا الْإِجْمَاع وَلم يسغْ تَقْدِيمه على الحَدِيث الثَّابِت وَكَذَلِكَ الشَّافِعِي أَيْضا نَص فِي رسَالَته الجديدة على أَن مَا لم يعلم فِيهِ خلاف لَا يُقَال لَهُ إِجْمَاع وَلَفظه (مَا لَا يعلم فِيهِ خلاف فَلَيْسَ إِجْمَاعًا) وَقَالَ عبد الله ابْن الإِمَام أَحْمد سَمِعت أبي يَقُول مَا يَدعِي فِيهِ الرجل الْإِجْمَاع فَهُوَ كذب وَمن ادّعى الْإِجْمَاع فَهُوَ كَاذِب لَعَلَّ النَّاس اخْتلفُوا مَا يدريه وَلم ينْتَه إِلَيْهِ فَلْيقل لَا نعلم النَّاس اخْتلفُوا
هَذِه دَعْوَى بشر المريسي والأصم وَلكنه يَقُول لَا نعلم النَّاس اخْتلفُوا أَو لم يبلغنِي ذَلِك هَذَا لَفظه
ونصوص رَسُول الله أجل عِنْد الإِمَام أَحْمد وَسَائِر أَئِمَّة الحَدِيث من أَن يقدموا عَلَيْهَا توهم إِجْمَاع مضمونه عدم الْعلم بالمخالف وَلَو سَاغَ لتعطلت النُّصُوص وساغ لكل من لم يعلم مُخَالفا فِي حكم مَسْأَلَة أَن يقدم جَهله بالمخالف على النُّصُوص فَهَذَا هُوَ الَّذِي أنكرهُ الإِمَام أَحْمد وَالشَّافِعِيّ من دَعْوَى الْإِجْمَاع مَا لَا يَظُنّهُ بعض النَّاس أَنه استبعاد لوُجُوده
الأَصْل الثَّانِي من أصُول فَتَاوَى الإِمَام أَحْمد مَا أفتى بِهِ الصَّحَابَة فَكَانَ ﵁ إِذا وجد لبَعْضهِم فَتْوَى لَا يعرف لَهُ مُخَالف مِنْهُم فِيهَا لم يتجاوزها إِلَى غَيرهَا وَلم يقل إِن ذَلِك إِجْمَاع بل من ورعه فِي الْعبارَة يَقُول لَا أعلم شَيْئا يَدْفَعهُ أَو نَحْو هَذَا
وَكَانَ إِذا وجد هَذَا النَّوْع عَن الصَّحَابَة لم يقدم عَلَيْهِ عملا وَلَا رَأيا وَلَا قِيَاسا فَكَانَت فَتَاوَاهُ لذَلِك من تأملها وَتَأمل فَتَاوَى الصَّحَابَة رأى مُطَابقَة كل مِنْهُمَا على الْأُخْرَى وَرَأى الْجَمِيع كَأَنَّهَا تخرج من مشكاة وَاحِدَة حَتَّى إِن الصَّحَابَة إِذا اخْتلفُوا على قَوْلَيْنِ جَاءَ عَنهُ فِي الْمَسْأَلَة رِوَايَتَانِ وَكَانَ تحريه لفتاوى الصَّحَابَة كتحري
[ ١١٥ ]
أَصْحَابه لفتاواه ونصوصه بل أعظم حَتَّى إِنَّه ليقدم فتاواهم على الحَدِيث الْمُرْسل
قَالَ إِسْحَق بن إِبْرَاهِيم بن هانىء فِي مسَائِله قلت لأبي عبد الله حَدِيث عَن رَسُول الله مُرْسل بِرِجَال ثَبت أحب إِلَيْك أَو حَدِيث عَن الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ مُتَّصِل بِرِجَال ثَبت قَالَ أَبُو عبد الله ﵀ عَن الصَّحَابَة أعجب إِلَى وَمن ثمَّ صَارَت فَتَاوَاهُ إِمَامًا وقدوة لأهل السّنة على اخْتِلَاف طبقاتهم حَتَّى إِن الْمُخَالفين لمذهبه فِي الِاجْتِهَاد والمقلدين لغيره ليعظمون نصوصه وفتاواه ويعرفون لَهَا حَقّهَا وقربها من النُّصُوص وفتاوى الصَّحَابَة
الأَصْل الثَّالِث من أُصُوله إِذا اخْتلف الصَّحَابَة تخير من أَقْوَالهم مَا كَانَ أقربها إِلَى الْكتاب وَالسّنة وَلم يخرج عَن أَقْوَالهم فَإِن لم يتَبَيَّن لَهُ مُوَافقَة أحد الْأَقْوَال حكى الْخلاف فِيهَا وَلم يجْزم بقول
قَالَ إِسْحَق بن إِبْرَاهِيم بن هانىء فِي مسَائِله قيل لأبي عبد الله يكون الرجل فِي قومه فَيسْأَل عَن الشَّيْء فِيهِ اخْتِلَاف قَالَ يُفْتِي بِمَا وَافق الْكتاب وَالسّنة وَمَا لم يُوَافق الْكتاب وَالسّنة أمسك عَنهُ قيل لَهُ أفيجاب عَلَيْهِ قَالَ لَا
الأَصْل الرَّابِع الْأَخْذ بالمرسل والْحَدِيث الضَّعِيف إِذا لم يكن فِي الْبَاب شَيْء يَدْفَعهُ وَهُوَ الَّذِي رَجحه على الْقيَاس وَلَيْسَ المُرَاد بالضعيف عِنْده الْبَاطِل وَلَا الْمُنكر وَلَا فِي رِوَايَته مُتَّهم بِحَيْثُ لَا يسوغ الذّهاب إِلَيْهِ فَالْعَمَل بِهِ بل الحَدِيث الضَّعِيف عِنْده قسيم الصَّحِيح وَقسم من أَقسَام الْحسن وَلم يكن يقسم الحَدِيث إِلَى صَحِيح وَحسن وَضَعِيف بل إِلَى صَحِيح وَضَعِيف وللضعيف عِنْده مَرَاتِب فَإِذا لم يجد فِي الْبَاب أثرا يَدْفَعهُ وَلَا قَول صَحَابِيّ وَلَا إِجْمَاع على خِلَافه كَانَ الْعَمَل بِهِ عِنْده أولى من الْقيَاس
[ ١١٦ ]
وَلَيْسَ أحد من الْأَئِمَّة إِلَّا وَهُوَ مُوَافق لَهُ على هَذَا الأَصْل من حَيْثُ الْجُمْلَة فَإِنَّهُ مَا مِنْهُم أحد إِلَّا وَقد قدم الحَدِيث الضَّعِيف على الْقيَاس فَأَبُو حنيفَة قدم حَدِيث القهقهة فِي الصَّلَاة على مَحْض الْقيَاس على مَا فِيهِ من الْمقَال بِحَيْثُ إِنَّه أجمع أهل الحَدِيث على ضعفه وَقدم حَدِيث الْوضُوء بنبيذ التَّمْر على الْقيَاس وَأكْثر أهل الحَدِيث يُضعفهُ وَقدم حَدِيث أَكثر الْحيض عشرَة أَيَّام وَهُوَ ضَعِيف باتفاقهم على مَحْض الْقيَاس فَإِن الَّذِي ترَاهُ فِي الْيَوْم الثَّالِث عشر مسَاوٍ فِي الْحَد والحقيقة وَالصّفة لدم الْيَوْم الْعَاشِر
[ ١١٧ ]
وَقدم حَدِيث لَا مهر أقل من عشرَة دَرَاهِم وَأَجْمعُوا على ضعفه بل بُطْلَانه على مَحْض الْقيَاس فَإِن بذل الصَدَاق مُعَاوضَة فِي مُقَابلَة بذل الْبضْع فَمَا تراضينا عَلَيْهِ جَازَ قَلِيلا كَانَ أَو كثيرا وَقدم الشَّافِعِي خبر تَحْرِيم صيدوج مَعَ ضعفه على الْقيَاس وَقدم خبر جَوَاز الصَّلَاة بِمَكَّة فِي وَقت النَّهْي مَعَ ضعفه ومخالفته لقياس غَيرهَا من الْبِلَاد وَقدم فِي أحد قوليه حَدِيث من قاء أَو رعف فَليَتَوَضَّأ أَو ليبن على صلَاته على الْقيَاس مَعَ ضعف الْخَبَر وإرساله
[ ١١٨ ]
وَأما مَالك فَإِنَّهُ يقدم الحَدِيث الْمُرْسل والمنقطع والبلاغات وَقَول الصَّحَابِيّ على الْقيَاس فَإِذا لم يكن عِنْد الإِمَام أَحْمد فِي الْمَسْأَلَة نَص وَلَا قَول الصَّحَابَة أَو وَاحِد مِنْهُم وَلَا أثر مُرْسل أَو ضَعِيف عدل إِلَى الأَصْل الْخَامِس الَّذِي سَنذكرُهُ
الأَصْل الْخَامِس الْقيَاس كَانَ الإِمَام أَحْمد يَسْتَعْمِلهُ للضَّرُورَة على مَا علمت مِمَّا سبق فَفِي كتاب الْخلال عَن أَحْمد قَالَ سَأَلت الشَّافِعِي عَن الْقيَاس فَقَالَ إِنَّمَا يُصَار إِلَيْهِ عِنْد الضَّرُورَة أَو مَا هَذَا مَعْنَاهُ فَهَذِهِ الْأُصُول الْخَمْسَة من أصُول فَتَاوَى الإِمَام أَحْمد وَعَلَيْهَا مدارها
وَكَانَ ﵁ يتَوَقَّف أَحْيَانًا فِي الْفَتْوَى لتعارض الْأَدِلَّة عِنْده أَو لاخْتِلَاف الصَّحَابَة فِيهَا أَو لعدم اطِّلَاعه فِيهَا على أثر أَو قَول أحد من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَكَانَ شَدِيد الْكَرَاهَة وَالْمَنْع للإفتاء بِمَسْأَلَة لَيْسَ فِيهَا أثر عَن السّلف كَمَا قَالَ لبَعض أَصْحَابه إياك أَن تَتَكَلَّم فِي مَسْأَلَة لَيْسَ لَك فِيهَا إِمَام
وَكَانَ يسوغ استفتاء فُقَهَاء الحَدِيث وَأَصْحَاب مَالك وَيدل عَلَيْهِم وَيمْنَع من استفتاء من يعرض عَن الحَدِيث وَلَا يَبْنِي مذْهبه عَلَيْهِ وَلَا يسوغ الْعَمَل بفتواه قَالَ ابْن هانىء سَأَلت أَبَا عبد الله عَن الَّذِي جَاءَ فِي الحَدِيث أجرؤكم على الْفتيا أجرؤكم على النَّار
[ ١١٩ ]
قَالَ أَبُو عبد الله يُفْتِي بِمَا لم يسمع قَالَ وَسَأَلته عَمَّن أفتى يفتيا يَعْنِي فِيهَا قَالَ فإثمها على من أفتاها قلت على أَي وَجه يُفْتِي حَتَّى يعلم مَا فِيهَا قَالَ يُفْتِي بالبحث لَا يدْرِي (إيش أَصْلهَا)
وَقَالَ أَبُو دَاوُد فِي مسَائِله مَا أحصى مَا سَمِعت أَحْمد سُئِلَ عَن كثير مِمَّا فِيهِ الِاخْتِلَاف فِي الْعلم فَيَقُول لَا أَدْرِي قَالَ وسمعته يَقُول مَا رَأَيْت مثل ابْن عُيَيْنَة فِي الْفَتْوَى أحسن فتيا مِنْهُ كَانَ أَهْون عَلَيْهِ أَن يَقُول لَا أَدْرِي
وَقَالَ عبد الله ابْنه فِي مسَائِله سَمِعت أبي يَقُول وَقَالَ عبد الرَّحْمَن بن مهْدي سَأَلَ رجل من أهل الغرب مَالك ابْن أنس عَن مَسْأَلَة فَقَالَ لَا أَدْرِي فَقَالَ يَا أَبَا عبد الله تَقول لَا أَدْرِي قَالَ نعم فأبلغ من ورائك أَنِّي لَا أَدْرِي
وَقَالَ عبد الله كنت أسمع أبي كثيرا يسْأَل عَن الْمسَائِل فَيَقُول لَا أَدْرِي وَيقف إِذا كَانَت مَسْأَلَة فِيهَا اخْتِلَاف وَكَثِيرًا مَا كَانَ يَقُول سل غَيْرِي فَإِن قيل لَهُ من نسْأَل قَالَ سلوا الْعلمَاء وَلَا يكَاد يُسَمِّي رجلا بِعَيْنِه قَالَ وَسمعت أبي يَقُول كَانَ ابْن عُيَيْنَة لَا يُفْتِي فِي الطَّلَاق وَيَقُول من يحسن هَذَا قَالَ ابْن الْقيم قلت الجرأة على الْفتيا تكون من قلَّة الْعلم وَمن غزارته وسعته فَإِذا قل علمه أفتى عَن كل مَا يسْأَل عَنهُ بِغَيْر علم وَإِذا اتَّسع علمه اتسعت فتياه وَلِهَذَا كَانَ ابْن عَبَّاس من أوسع الصَّحَابَة فتيا فقد جمع أَبُو بكر مُحَمَّد ابْن مُوسَى بن يَعْقُوب ابْن أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمَأْمُون فتيا ابْن عَبَّاس فِي عشْرين كتابا وَأَبُو بكر مُحَمَّد الْمَذْكُور أحد أَئِمَّة الْعلم
[ ١٢٠ ]
وَكَانَ سعيد بن الْمسيب وَاسع الْفتيا وَمَعَ ذَلِك كَانُوا يسمونه الجريء
هَذَا مُجمل مسالك الإِمَام أَحْمد فِي الْفتيا وَالِاجْتِهَاد واستنباط الْكَلَام
تَتِمَّة وَرَأَيْت لِلْحَافِظِ عبد الرَّحْمَن بن رَجَب الْحَنْبَلِيّ مُحدث الشَّام كلَاما حسنا فِي هَذَا الْمَوْضُوع فِي كِتَابه جَامع الْعُلُوم وَالْحكم عِنْد كَلَامه على الحَدِيث التَّاسِع من الْأَرْبَعين النواوية قَالَ قَالَ الْمَيْمُونِيّ سَمِعت أَبَا عبد الله يَعْنِي أَحْمد يسْأَل عَن مَسْأَلَة فَقَالَ وَقعت هَذِه الْمَسْأَلَة بليتم بهَا بعد قَالَ ابْن رَجَب وَقد انقسم النَّاس فِي هَذَا أقساما فَمن أَتبَاع أهل الحَدِيث من سد بَاب الْمسَائِل حَتَّى قل فقهه وَعلمه بحدود مَا أنزل الله على رَسُوله وَصَارَ حَامِل فقه غير فَقِيه وَمن فُقَهَاء أهل الرَّأْي من توسع فِي توليد الْمسَائِل قبل وُقُوعهَا مَا يَقع فِي الْعَادة مِنْهَا وَمَا لَا يَقع وَاشْتَغلُوا بتكليف الْجَواب عَن ذَلِك وَكَثْرَة الْخُصُومَات فِيهِ والجادل عَلَيْهِ حَتَّى يتَوَلَّد من ذَلِك افْتِرَاق الْقُلُوب ويستقر فِيهَا بِسَبَبِهِ الْأَهْوَاء والشحناء والعداوة والبغضاء ويقترن ذَلِك كثيرا بنية المغالبة وَطلب الْعُلُوّ والمباهاة وَصرف وُجُوه النَّاس وَهَذَا مِمَّا ذمه الْعلمَاء الربانيون ودلت السّنة على قبحه وتحريمه وَأما فُقَهَاء أهل الحَدِيث الْعَامِلُونَ بِهِ فَإِن مُعظم هممهم الْبَحْث عَن مَعَاني كتاب الله ﷿ وَمَا يفسره من السّنَن الصَّحِيحَة وَكَلَام الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ
[ ١٢١ ]
لَهُم بِإِحْسَان وَعَن سنة رَسُول الله ﷺ وصحيحها وسقيمها ثمَّ الْفِقْه فِيهَا وتفهيمها وَالْوُقُوف على مَعَانِيهَا ثمَّ معرفَة كَلَام الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ لَهُم بِإِحْسَان فِي أَنْوَاع الْعُلُوم من التَّفْسِير والْحَدِيث ومسائل الْحَلَال وَالْحرَام وأصول السّنة والزهد وَالرَّقَائِق وَغير ذَلِك وَهَذَا هُوَ طَريقَة الإِمَام أَحْمد وَمن وَافقه من أهل الحَدِيث الربانيين وَفِي معرفَة هَذَا شغل شاغل عَن التشاغل بِمَا أحدث من الرَّأْي مِمَّا لَا ينْتَفع بِهِ وَلَا يَقع وَإِنَّمَا يُورث التجادل فِيهِ الْخُصُومَات والجدال وَكَثْرَة القيل والقال
وَكَانَ الإِمَام أَحْمد كثيرا إِذا سُئِلَ عَن شَيْء من الْمسَائِل المولدات الَّتِي لَا تقع يَقُول دَعونَا من هَذِه الْمسَائِل المحدثة
قَالَ ابْن رَجَب وَمن سلك طَريقَة طلب الْعلم على مَا ذَكرْنَاهُ تمكن من فهم جَوَاب الْحَوَادِث الْوَاقِعَة غَالِبا لِأَن أُصُولهَا تُوجد فِي تِلْكَ الْأُصُول الْمشَار إِلَيْهَا وَلَا بُد أَن يكون سلوك هَذَا الطَّرِيق خلف أَئِمَّة أَهله الْمجمع على هدايتهم ودرايتهم كالشافعي وَأحمد وَإِسْحَاق وَأبي عبيد وَمن سلك مسلكهم فَإِن من ادّعى سلوك هَذَا الطَّرِيق على غير طريقهم وَقع فِي مفاوز ومهالك وَأخذ بِمَا لَا يجوز الْأَخْذ بِهِ وَترك مَا يجب الْعَمَل بِهِ انْتهى
وَمن هُنَا تزداد علما بمسالك الإِمَام أَحْمد ﵁
[ ١٢٢ ]