فإِذا لم يكن عند الإمام أَحمد في المسألة نصّ ولا قول للصحابة، أو واحدِ منهم، ولا أَثر مرسل، أو ضعيف، عَدَل إلى الأَصل الخامس: وهو القياس، فاستعمله للضرورة، وقد قال في كتاب الخلاَّل: سألت الشافعي عن القياس، فقال: إِنما يُصَار إِليه عند الضرورة، أو ما هذا معناه.
فهذه الأصول الخمسة من أصول فتاويه، وعليها مَدَارها، وقد يتوقف في الفتوى؛ لتعارض الأَدلة عنده، أو لاختلاف الصحابة فيها، أو لعدَم اطلاعه فيها على أَثر أو قول أَحد من الصحابة والتابعين. وكان شديد الكراهة والمنع للِإفتاء بمسألة ليس فيها أثر عن السلف، كما قال لبعض أَصحابه: إيَّاك أَن تتكلم في مسألة ليس لك
[ ١ / ١٥٦ ]
فيها إِمام.
وكان يُسَوغِّ استفتاء فقهاء الحديث وأَصحاب مالك، ويَدُلّ عليهم، ويمنع من استفتاء مَنْ يُعْرِض عن الحديث، ولا يبني مذهبه عليه، ولا يسوغ العمل بفتواه.
قال ابن هانئ: سألت أَبا عبد الله عن الذي جاء في الحديث: " أجْرؤكم على الفُتْيا أَجرؤكم على النار " قال أَبو عبد الله﵀-: يفتي بما لم يسمع، قال: وسألته عمن أفتى بفتْيَا يعي فيها، قال: فإِثمها على من أَفتاها، قلت: على أي وجه يفتي حتى يعلم ما فيها؟ قال: يفتي بالبحث، لايدري أَيش أصلها.
وقال أَبو داود في مسائله: ما أحْصِي ما سمعت أَحمد سُئِل عن كثير مما فيه الاختلاف في العلم فيقول: لا أَدري، قال: وسمعته يقول: ما رأيت مثل ابن عُيَيْنة في الفتوى أَحسن فتيا منه، كان أهون عليه أن يقول: لا أَدري.
وقال عبد الله بن أحمد في مسائله: سمعت أبي يقول: وقال عبد الرحمن بن مهدي: سأل رجل من أهل الغرب مالك بن أَنس عن مسألة فقال: لا أدري، فقال: يا أَبا عبد الله تقول: لا أَدري؟ قال: نعم، فأبلغ مَنْ وراءكَ أني لا أدري.
وقال عبد الله: كنت أسمع أبي كثيراَ يُسْألَ عن المسائل يقول: لا أدري، ويقف إذا كانت مسألة فيها اختلاف، وكثيرًا ما كان يقول:
[ ١ / ١٥٧ ]
سَلْ غيري، فإِن قيل له: مَنْ نسأل؟ قال: سَلوا العلماء، ولا يكاد يسمي رجلًا بعينه قال: وسمعت أَبي يقول: كان ابن عُيَيْنة لا يفتي في الطلاق، ويقول: مَنْ يُحْسِن هذا؟! " انتهى كلام ابن القيم - رحمه الله تعالى-.
وَقَدْ أُفْرِدَتْ " أصول مذهب الإمام أَحمد " بكتاب بهذا العنوان للشيخ عبد الله بن عبد المحسن التركي. وهو مطبوع.
وللشيخ عثمان بن إبراهيم المرشد كتاب باسم: " الرأي عند الإمام أَحمد بن حنبل " رسالة مُعدة في جامعة أم القرى للعالمية: " ماجستير " عام (١٣٩٤ هـ) ولم يُطبع بعد.
ومن نظر في: " التقريب لعلوم ابن القيم " لراقمه؛ رأى في أصول أَحمد مباحث عزيزة، ولشيخه ابن تيمية كذلك كما في: " فهرس الأصول " من " فهارس مجموع الفتاوى، والله أعلم.
[ ١ / ١٥٨ ]