المروي، فهل مذهبه ما قاله ورآه، أَم الذي يوافق ذلك المروي؟ فيه قولان:
الأول: نعم، يكون مذهبه ما دل عليه الدليل وينسب إليه؟ إذا قرر ذلك من له رتبة الاجتهاد.
الثاني: عدم جواز نسبة ذلك إلى مذهب الإمام، والواجب الأَخذ بالدليل، وترك ما خالفه، وهذا هو الحق. والله أعلم.
- القسم الرابع: معرفة مذهب الإمام أَحمد من جوابه بالاختلاف:
لا يختلف الأصحاب أَن جوابه بالاختلاف غير مؤذن للسائل بجواز أَخذه بأَي القولين شاء، وإنما هو إِعلام للسائل بحكاية ما في المسألة من خلاف، وإشعار بتوقفه عن البت والقطع بقول فيها.
وهذا من الإمام في ندرة من أَجوبته، إِذ عَلِم الأصحاب من تتبعها، وجود جواب له على البت، أو قرائن تدل عليه، وأَن هذه الندرة إِنَّما تحصل في حين حتى تستبين له النازلة، ويتضح أَمرها، وربما بقي على توقفه طلبًا للسلامة، ولقوة الخلاف فيها، فهو في نظر إلى الدليل، ومقاصد التشريع، كما وَضحه ابن حامد في: " تهذيب الأَجوبة ": (٣٦٨- ٣٦٩، ٥ ٣٩- ٣٩٥)، وقد رد ابن حامد- أيضا- في: " تهذيب الأَجوبة ": على من انتقد على الإمام أَحمد من الشافعية، جوابه بالاختلاف، وقابلهم الحنابلة بأن هذا أولى من مسلك الإمام الشافعي- رحمه الله تعالى- من قوله: في المسألة قولان متباعدان. وهي في نظر الإنصاف نقائض مذهبية؟ إذ لكُلّ وجهة فيما
[ ١ / ٢٥٤ ]
ذهب إِليه لا تخرج عن دائرة الخلاف المحمود، وكل يؤخذ من قوله ويرد، إلَّا صاحب الحوض المورود، وَكُلّ يَلْتَمِسُ سُنَتهُ، ويتهدى طريقته ﷺ، فرحمة الله عليهم أَجمعين،
وقد تتبع الأصحاب أَجوبة الإمام أَحمد بالاختلاف فتحصل من تتبعهم عدة أَنواع هي:
١- جوابه باختلاف الصحابة على الإجمال أو التفصيل، ثم ينص على اختياره لأَحد القولين أو الأقوال، أو يقويه، ويثبته؛ فيكون هذا مذهبه، لايختلف الأصحاب في ذلك (١) .
٢- جوابه باختلاف الصحابة دون قطع منه باختيار، ثم يسأل ثانية فيجيب على القطع والبت؛ فمذهبه ما قطع به (٢) .
٣- جوابه باختلاف الصحابة، وأَن السنة كذا (٣)؛ فمذهبه ما دلَّت عليه السنة لا غير، وانتصر له ابن حامد، وابن حمدان، وقال المرداوي: وهو الصواب.
وقيل: مذهبه قول الصحابي
وقيل: مذهبه الأَحوط منها.
وقيل: ينظر في قول الصحابي إِن كان تفسيرا للسنة أو تقييدًا لمطلقها، أو بيانًا لمجملها، فهو قوله وإلا فلا.
_________________
(١) تهذيب الأجوبة: ٠٣١٠ الإنصاف: ١٢/ ٢٥١-٢٥٢
(٢) تهذيب الأجوبة: ٣١٠- ٣١٤
(٣) تهذيب الأجوبة: ٣٢٦- ٣٣٩ صفة الفتوى: ٩٩ الإنصاف: ١٢/ ٢٥٢- ٢٥٣
[ ١ / ٢٥٥ ]
٤- جوابه باختلاف الصحابة بحكايته على سبيل الإجمال، أَو التفصيل (١) .
فيه قولان: أحدهما: مذهبه ما كان أقرب إلى الدليل.
الثاني: التوقف
٥- جوابه باختلاف الصحابة والتابعين (٢)
فمذهبه مذهب من كان أَقوى دليلًا، فإِن تكافآ في الدليل، فمذهبه ما قاله الصحابي.
٦- جوابه باختلاف العلماء (٣) .
مثل قوله. فيه خلاف. وقوله: لا أقول فيها شيئا قد اختلفوا، أو ذَكَر القولين- مثلًا- ومن قال بكل منهما
فكل هذا محمول على التوقف، ثم هو على نُدرة وقِلة، كما تقدَّم.
٧- جوابه باختلاف العلماء، ثم يتوقف (٤) .
فلا ينسب له قول، بل هو متوقف في المسألة.
٨- جوابه باختلاف العلماء، ثم يتبعه بالبت والقطع (٥) .
فالمذهب ما كان منه على البت والقطع بلا خلاف، ولا يؤثر عليه ذكره الخِلافَ.
_________________
(١) تهذيب الأجوبة: ٣١٠- ٣١٥ الإنصاف: ١٢/ ٢٥١
(٢) تهذبب الأجوبة: ٣٤٠- ٣٦٠
(٣) تهذيب الأجوبة: ٣٩٠- ٣٩٥.
(٤) تهذيب الأجوبة: ٣٩٥.
(٥) تهذيب الأجوبة: ٣٦١- ٣٦٤. صفة الفتوى: ١٠٠ المسودة: ٠٥٣١ الإنصاف: ١٢/ ٢٥٣
[ ١ / ٢٥٦ ]
٩- جوابه باختلاف العلماء ثم أَبدى التوقف، ثم سئِلَ ثانية فأجاب على القطع والبت، فمذهبه هو ما أفتى به مُبيَّنًا مُفسَّرا على القطع، ولا يلتفت إلى ما كان قبل من الاختلاف والتوقف (١) .
١٠- جوابه على البَتِّ بدليله، ثم أتبعه بذكر وحكاية مذهب المخالف، فمذهبه هو ما أثبته وقطع به، وذكره للخلاف بعد لا يؤثر على ما ذهب إِليه، وإنما هو من باب البيان، وحكاية الواقع، أو له دخل بما رآه، وقطع به، فهو لا يباين جوابه (٢) .
١١- جوابه بأحد القولين، أو الأقوال في المسألة، ناسبًا له إلى من قال به، أو مشيرًا إليه، كقوله: هذا رخص فيه بعض الناس (٣) . وقوله: قال بجوازه بعضهم. وقوله: قال فلان كذا، وقوله: قد كرهه قوم. فيكون ما حكاه هو مذهبه، وهذا في اختيار جماعة من الأصحاب منهم: ابن حامد، وابن حمدان، وقيل: لا.
والصحيح: أنه مذهبه ما لم يصرف عن ذلك قرينة.
١٢- جوابه باختلاف العلماء، ثم تصريحه بعده بالتخيير وأنه من الاختلاف المباح، فيكون مذهبه على التخيير للسائل (٤) .
١٣- نَصّه على الحكم في الجواب، ثم اتباعه بقوله: " ولو
_________________
(١) تهذيب الأجوبة: ٣٦٥-٠٣٦٩ المسودة: ٥٣١ صفة الفتوى: ١٠١ الإنصاف: ٢ ١/ ٢٥٣
(٢) تهذيب الأجوبة: ٣٧٠-٣٧٩ المسودة:٥٢٤ - ٥٢٥ الفروع: ١/٧٠
(٣) تهذيب الأجوبة: ٣٨٠-٣٨٩ تصحيح الفروع: ١/ ٦٩. صفة الفتوى: ١٠١ المسودة:٥٣١ الإنصاف:١٢/٢٥٣ اقتضاء الصراط المستقيم: ١/٣٦٠-٣٦١ مهم
(٤) تهذيب الأجوبة: ٣٩٦- ٤٠١
[ ١ / ٢٥٧ ]
قال قائل، أو ذهب ذاهب إلى كذا " مخالفا لِمَا نَصَّ عليه.
اختلف: هل يكون ما ذكره بعد نص جوابه: مذْهَبًا له أم لا؟
على قولين:
ذهب الأَكثر إلى إنه ليس مذهبًا له. وذكر ابن حمدان في الرعاية احتماله مذهبًا له، قال المرداوي:
" وهو متوجه " (١)
١٤- جوابه بقوله: " يَحْتَمِلُ قَوْلَين " (٢)
قال القاضي وغيره: هو كروايتين.