البحث في: " أصول مذهب ما " تجده في مواضع من كُتب ذلك المذهب، لاسيما شروحه، وبعض مقدماتها، والمبحث في: " أصول المذاهب الأربعة " هو اللباب في كتب " أصول الفقه " وكلما كان المؤلف في الأصول من أهل المذهب، كان أَلصق بتحقيق أصول مذهبه.
وللحنابلة في هذا القِدح المعلى، فلهم في: " أصول الفقه " نحو ستين كتابًا، بدءًا من مجتهد المذهب شيخ الحنابلة في زمانه الحسن ابن حامد. ت سنة (٤٠٣ هـ) فله: " كتاب أصول الفقه " ثم لأَحمد القطان. ت سنة (٤٢٤ هـ) ثم للقاضي أَبي يعلى. ت سنة (٤٥٨ هـ) وله أربعة كتب في أصول الفقه.
وهكذا استمر التأليف فى أصول الفقه، شاملة لأصول المذاهب الأربعة.
وأول من كتب في أصول مذهبنا: الحسن بن حامد ت سنة
[ ١ / ١٤٩ ]
(٤٠٣ هـ) في كتابه: " تهذيب الأَجوبة " أي: أجوبة أَحمد، على المسائل، وأصوله في أَجوبته.
ثم أَبو محمد رزق الله بن عبد الوهاب التميمي البغدادي. ت سنة (٤٨٨ هـ) في مُقَدَّمَةٍ كَتَبهَا في اعتقاد أَحمد، وأصول مذهبه ومشربه، وهي من مكنونات: " الكواكب الدراري " لابن عروة الدمشقي. ت سنة (٨٣٧ هـ) .
وقد طُبِعَت في خاتمة طبع " طبقات ابن أَبي يعلى (٢/٢٦٥- ٢٩٠) وما يختص بالأصول منها يبدأ من (ص/ ٢٨١- إلى ص/ ٢٩٠)
وقد جمع شمل أصول المذهب: ابن بدران الدمشقي. ت سنة (١٣٤٦ هـ) رحمه الله تعالى- في كتابه. " المدخل إلى مذهب الإمام أَحمد بن حنبل " في العقود: الثالث، والرابع، والخامس (ص/٤٩- ٢٠٢) أي ثلثي الكتاب، وهو مغنٍ عما سواه؛ لما فيه من التحقيق، والتدقيق، وجودة التفصيل، والترتيب، وهو في جملته شرح وبيان لكلمة ابن القيم الجامعة في بيان أصول مذهب أَحمد، وأكتفي بسياقها، قال- رحمه الله تعالى (١):
" وكان بمدينة السلام من المفتين خلق كثير ولما بناها المنصور أقْدَمَ إليها من الأَئمة والفقهاء والمحدِّثين بشَرًا كثيرًا، فكان من أعيان
_________________
(١) إعلام الموقعين: ١/ ٢٨- ٣٣
[ ١ / ١٥٠ ]
المفتين بها أبو عُبَيْد القاسمُ بن سَلاَّم، وكان جَبَلًا نفخ فيه الروح علمًا، وجَلاَلة، ونبلًا، وأَدبأ، وكان منهم: أَبو ثَوْر إبراهيم بن خالد الكلبي، صاحب الشافعي، وكان قد جالس الشافعي وأَخذ عنه، وكان أَحمد يُعَظِّمه ويقول: هو في مسلاخ الثوري.
وكان بها إِمام أهل السنة على الِإطلاق: أَحمد بن حنبل الذي ملأ الأَرض علمًا وحديثًا وسنة، حتى إِن أَئمة الحديث والسنة بعده هم أَتباعُه إلى يوم القيامة، وكان ﵁ شديدَ الكراهة لتصنيف الكُتب، وكان يحب تجريد الحديث، ويكره أَن يكتب كلامه، ويشتد عليه جدًا، فعلم الله حُسْنَ نيته وقَصْده فكُتِبَ من كلامه وفَتْوَاه أَكثر من ثلاثين سفرًا، ومَنَّ الله سبحانه علينا بأَكثرها فلم يَفُتْنَا منها إلَّا القليل، وجمع الخَلاَّلُ نصوصه في " الجامع الكبير " فبلغ نحو عشرين سِفْرًا، أو أكثر ورويت فتاويه، ومسائله، وَحُدِّثَ بها قرنا بعد قرن فصارت إِمامًا وقدوة لأَهل السنة على اختلاف طبقاتهم، حتى إِن المخالفين لمذهبه بالاجتهاد والمقلدين لغيره معَظِّمونَ نصوصَه وفتاواه، ويعرفون لها حقها وقربها من النصوص وفتاوى الصحابة، ومن تأمَّل فتاواه، وفتاوى الصحابة رأى مُطابقة كل منهما على الأخرى، ورأى الجميع كأنّها تخرج من مِشْكاة واحدة، حتى إن الصحابة إذا اختلفوا على قولين جاء عنه في المسألة روايتان، وكان تَحَرِّيه لفتاوى الصحابة كتحري أصحابه لفتاويه ونصوصه، بل أَعظم، حتى إنه لَيقدِّمُ فتاواهم على الحديث المرسل، قال إسحاق ابن
[ ١ / ١٥١ ]