فصل:
الأَصل الرابع: الأَخذ بالمرسَلِ والحديثِ الضعيف، إذا لم يكن في الباب شيء يدفعه، وهو الذي رجَّحَه على القياس، وليس المرادُ بالضعيف عنده: الباطلَ ولا المنكَرَ ولا ما في روايته مُتَّهم، بحيث لا يَسُوغ الذهابُ إِليه فالعمل به؛ بل الحديث الضعيف عنده قسيم الصحيح وقسم من أَقسام الحَسَن،- ولم يكن يقسم الحديث إلى صحيح، وحسن وضعيف، بل إلى صحيح وضعيف، وللضعيف عنده مراتب، فإِذا لم يجد في الباب أَثرًا يدفعه ولا قولَ صاحب، ولا إجماعًا على خلافه؛ كان العمل به عنده أَولى من القياس.
وليس أَحَد من الأَئمة إلَّا وهو موافِقُه على هذا الأَصل من حيث الجملة، فإِنَّه ما منهم أَحد إلَّا وقد قَدَّم الحديثَ الضعيف على القياس.
فَقَدَّمَ أَبو حنيفه حديثَ القهْقَهَة في الصلاة على مَحض القياس، وأَجمع أهل الحديث على ضعفه، وقدم حديثَ الوضوء بنبيذ التمر على القياس، وأَكثرُ أهل الحديث يضعفه، وقدَّم حديثَ " أكثر الحيضِ عشرةُ أَيام " وهو ضعيف باتفاقهم على محض القياس؛ فإن الذي تراه في اليوم الثالث عشر مُسَاو في الحدِّ والحقيقة والصفة لدم اليوم العاشر وقَدَّم حديثَ " لا مهر أقلّ من عشرة دراهم " وأجمعوا على ضعفه، بل بطلانه على مَحْض القياس، فإنَّ بَذْلَ
[ ١ / ١٥٥ ]
الصداق مُعَاوضة في مقابلة بذل البُضْع، فما تراضَيا عليه جاز قليلًا كان أو كثيرًا.
وَقَدَّمَ الشافعي خبر تحريم صَيْد وَجٍّ مع ضعفه على القياس، وَقَدَّمَ خبر جواز الصلاة بمكة في وقت النهي مع ضعفه ومخالفته لقياس غيرها من البلاد، وقدَّم في أَحد قَوْلَيه حديث " من قَاء أو رُعفَ فليتوضأ ولْيَبْنِ على صلاته " على القياس مع ضعف الخبر وإرساله.
وأَما مالك فإنه يقدم الحديثَ المرسل والمنقطع والبلاغات وقولَ الصحابي على القياس.