ولفظ: " المذهب " هنا، يُعْنَى به: المذهب الفروعي ينتقل إِليه الِإنسان، وطريقة فقيه يسلكها المتابع المتمذهب له.
ويُقال: ذهب فلان إلى قول أبي حنيفة، أَو مالك، أَو الشافعي، أو أحمد، أَي: أخذ بمذهبه وسلك طريقه في فقهه، رواية، واستنباطًا، وتخريجًا على مذهبه فآل إٍلى " حقيقة عرفية " بجامع سلوك الطريقين بين الحقيقة اللغوية، والعرفية الاصطلاحية
ولهذا تجدهم في المذهب يقولون: طريق أَحمد في كذا، أَي مذهبه، كما يُقال: مذهب أَحمد ويقولون: " المذهب كذا " حقيقة اصطلاحية عرفية في الأحكام الفروعية الاجتهادية، من باب إِطلاق الشيء على جزئه الأَهمِّ، كقول النبي ﷺ: " الحج عرفة ".
وأَما ما كانت أَحكامه بنص صريح من كتاب أو سنة، فهذا لا يختص بالتمذهب به إمام دون آخر وإنَّما هو لكل المسلمين، منسوبًا إلى الله وإلى رسوله ﷺ (١) فلا اجتهاد فيه، ولا تقليد فيه
_________________
(١) الأحكام للقرافي: ص/ ٩٩، مواهب الجليل: ١/ ٢٤، الشرح الكبير للدردير ١/ ١٩، وعنها: المذهب المالكي للمامي: ص/ ٢، وأضواء البيان: ٧/ ٤٨٥
[ ١ / ٣٢ ]
لِإمام دون آخر، بل هو سنة وطريقة ماضية لكل مسلم.
وهذا المولود الاصطلاحي عرفًا: " المذهب " لَحِقَ الأئمة الأَربعة: أبا حنيفة. ت سنة (١٥٠هـ)، ومالكا. ت سنة (١٧٩ هـ)، والشافعي. ت سنة (٢٠٤ هـ)، وأَحمد. ت سنة (٢٤١ هـ)، بعد وفاتهم- رحمهم الله تعالى- وذلك فيما ذهب إِليه كُل واحد منهم. وَلاَ عِلْمَ لِوَاحِدٍ منهم بهذا الاصطلاح فضلًا عن أَن يكون قال به، أَو دلَّ عليه، أَو دعا إِليه.
وذلك امتداد لما كان عليه المسلمون من الصحابة﵃- فَمَن بعدهم، من التابعين، وتابعي التابعين، من نشر الكتاب والسنة، والائتمام برسول الله ﷺ
" ولذا قيل: إن نِسْبةَ المذهب إلى صاحبه، لا يخلو من تسامح، فما كان مالك ولا غيره من أَئمة المذاهب، يدعون أحدا إلى التمسك بمنهجهم في الاجتهاد، ولا كان عندهم منهاج محدد في اجتهادهم، إنما كانوا يتبعون في ذلك منهج من سبقهم من علماء التابعين، وهؤلاء عن الصحابة إلى رسول الله ﷺ
ولم يحدث هذا إلَّا في القرن الرابع الهجري، عندما دعت الظروف إلى هذا النوع من الالتزام بمنهاج معين في الفقه ولم تكن المذاهب قد استقرت على رأس المائة الثالثة، رغم ما قيل من أنه في هذا التاريخ كان قد بطل نحو خمسمائة مذهب (١) وإن كانت
_________________
(١) حجة الله البالغة: ١/ ١٢٦
[ ١ / ٣٣ ]
بذرة المذاهب قد بدأت قبل هذا العصر بزمان؛ إذْ كان أَهل المدينة يعتمدون على فتاوى ابن عمر، وأَهل مكة على فتاوى ابن عباس، وأَهل الكوفة على فتاوى ابن مسعود، فكان هذا أَول غرس لأَصل التمذهب بالمذاهب (١) .